ثقافة

كتاكيت أشعب وحواديت الأصفهاني

ماذا لو تجادلنا في أمر من أمور الأدب العربي القديم فقلت لك: يا أخي إن أبا الفرج الأصفهاني قال في كتابه الأغاني كذا وكذا.. أغلب ظني أنك ستسلم لي بصحة ما أقول، خاصة بعد استشهادي باسم شهير في عالم الأدب وبكتاب بلغ الغاية في بعد الصيت وكثرة الذكر.

الآن يطيب لي أن أقول لك: لقد خدعتك وسوّقت لك أن كتاب الأصفهاني هو من عمد كتب تاريخ الأدب، والحق يا صاحبي أن الأمر ليس كذلك. نبدأ أولًا بذكر نسب الرجل فنقول: هو أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، ولأنه ولد في أصفهان فقد عُرف بالانتساب إليها.

جمع الرجل مادة كتابه الموسوعي في نصف قرن، وعندما فرغ منه أهداه إلى سيف الدولة الحمداني فوهبه سيف الدولة ألف دينار، وكانت الهدية خرافية بمقياس زمانها، إلا أن الأديب الوزير الصاحب بن عباد كان يرى أن سيف الدولة الحمداني قصّر في حق الكتاب والكاتب، لأن الأغاني ومؤلفه كانا يستحقان أكثر من الألف دينار.

نعم كان الكتاب يستحق أكثر من الألف دينار، ليس لأنه من أعمدة كتب الأدب، ولكن لأنه من أعمدة كتب النوادر والطرائف، وليس هناك أفضل من الشيخ الأستاذ محمود شاكر، يحدثنا عن هذه النوعية من الكتب، يقول الشيخ شاكر: «اعلم أن أكثر ما يُروى في ترجمة الرجال، إنما كان من الأحاديث التي تتناقلها مجالس الأدباء، ولا يراد بها التحقيق، ولا ينظر فيها إلى صدق الرواية وسياق التاريخ وما إلى ذلك؛ بل إن كثيراً مما يروى في تراجم رجالنا كان مما يُراد به مضغُ الكلام في مجالس الأمراء أو في سامر الأدباء – هذا على أنها ربما حملت فيما تحمل أشياء لولا ورودها في هذه النصوص لافتقدنا من التاريخ حلقات لا ينتظم أمره إلا بها، ولا يستمر إلا عليها. فلمثل هذا كان لا بُدَّ لنا من النظر في النصوص وتمييزها، وردّ بعضها والأخذ ببعض، حتى لا تنقطع بنا السبل في الترجمة لهؤلاء الأعلام».

بهذا أنزل الاستاذ شاكر، هذا الكتاب حق منزله، مخالفًا الأغلبية التي تعاملت مع الكتاب بوصفه كتاب تاريخ، كتبه مؤرخ مدقق. فهذا التهويل من قيمة الكتاب التاريخية جلب الإساءة إلي أبرياء وبريئات كما سترى.

محمود شاكر

صعلوك بين الملوك

من ضمن أبرز قصص الكتاب قصة عن «أشعب الطامع» وأشعب هذا سيكون سببًا في الإساءة للسيدة سكينة ابنة الإمام الحسين بن على بن أبي طالب.

في التاريخ المحقق لا وجود لأشعب هذا، إنه مثل «جحا» وغيره من الشخصيات التي تخترعها الأمم لتروي من خلالها النكات والمواعظ التي تريدها. وأشعب من هذه النوعية، قال عنه أبو الفرج إنه من موالي عثمان بن عفان «المولى فوق الخادم ودون الصاحب» وقال إنه شهد موقعة قتل عثمان، ثم فجأة نري أشعب هذا حيا يُرزق في زمن الخليفة المهدي بن المنصور!.. أبو الفرج نفسه يستهول كل هذا العمر، ويقول إن بين قتل عثمان وخلافة المهدي أكثر من مائة وأربعين سنة.

ثم تري هذا الأشعب الذي لا ينشغل سوي بطمعه وبملء بطنه يُجالس بل يجادل رجالًا مثل عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وأبان بن عثمان بن عفان، ولا ندري كيف لهذا الصعلوك الذي كانت أمه تعترف بالزنا علانية، مجالسة هؤلاء ومجادلتهم؟!.. المؤكد أن تسلية الأصفهاني هى التي جاءت بهذا الصعلوك بين هؤلاء الملوك.

Related image

قصة الضيعة والبيض والفراريج

أشعب الذي هو اختراع شعبي ،سيخترعون له ولدًا يواصل سيرة أبيه في التسلية التي بعضها غاية في الشناعة والأذى، ومن ذلك ما رواه أبو الفرج في كتابه «الأغاني» عن أمير عباسي هو إبراهيم بن المهدي، يقول أبو الفرج: إن عبيدة بن أشعب الطامع، كان من سمّار الأمير إبراهيم، وذات ليلة سأله الأمير: «هل لك قرابة في المدينة» أهل ونسب يعني؟

فرد عبيدة : «اللهم غفرانك، لي بالمدينة قرابات وأي قرابات».

فسأله إبراهيم: «هل هم عشرات»؟

فرد عبيدة «اللهم غفرانك، لا تذكر العشرات ولا المئات وتجاوز عن ذكر الألوف».

الأمير العباسي يعرف يقينًا عائلات المدينة المنورة ،ولذا لم يصدق كلام عبيدة الذي قص قصة طويلة عريضة انتهت بالتشنيع علي السيدة البريئة سكينة ابنة الإمام الحسين بن علي.

قال عبيدة إن سكينة كانت زوجة لزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان. وهنا نتوقف لنشير إلي أن أغلب من كتب عن سيرة السيدة سكينة، قال إنها تزوجت مرة واحدة وليس سبع مرات كما ذكر أبو الفرج، وإن زوجها المعروف هو ابن عمها عبد الله بن الحسن بن علي.

واجمع المؤرخون علي فضلها وزهدها وعلمها وانصرافها إلى العبادة، ولكن تسلية الأصفهاني كان لها رأي آخر.

يقول عبيدة بن أشعب إن السيدة سكينة كانت تغار على زوجها زيد بن عمرو كل الغيرة، وكان لزيد هذا «ضيعة = عزبة) بها المئات من جواريه، وكانت سكينة تمنعه من الاقتراب من الضيعة لكي لا يعاشر جارية من الجواري، واستمر الحال على هذا المنوال، حتى جاء يوم وقال فيه زيد لسكينة إن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك سيحج وهو لا يستطيع تجاهل هذه المناسبة، ولابد أن يشاركه رحلة الحج هذه، فوافقت سكينة على مضض واشترطت عليه ألا يذهب إلي الضيعة وأن يصحب معه أشعب الطامع لكي يكون عينا لها عليه.

وافق زيد على الشرطين، وبعد انتهاء شعائر الحج قدم أربعمائة دينار رشوة لأشعب ،لكي يسمح له بالذهاب إلى الضيعة ومعاشرة الجواري ثم لا ينقل ذلك إلي سكينة عندما يعودان إليها.

قبل أشعب الرشوة، وترك زيدًا يعاشر جواريه كما يحلو له، بل في فترة غياب زيد انتحل أشعب شخصيته وركب فرسه ولبس ملابسه وتصرف في الحياة كأنه زيد حفيد عثمان بن عفان وليس أشعب ابن الزانية.

يواصل عبيدة قص حكاية أهله الكثيرين بالمدينة المنورة فيقول للأمير العباسي: عندما عاد أبي مع سيده زيد بن عمرو، سألته سكينة عن تفاصيل الرحلة، فقص كل شيء إلا خبر معاشرة زوجها لجواريه، استوقف ذلك الكتمان السيدة سكينة التي راجعته لكي يشهد بما حدث، فحلف بكل قسم بأنه لم يمكن سيده من الذهاب إلي الجواري.

هنا وقف زيد حفيد عثمان بين يدي زوجه السيدة سكينة وقال لها: «أي بنت عم، يا بنت رسول الله، لقد كذبك هذا العلج، وقد أخذ مني أربعمائة دينار مقابل أن يأذن لي بالذهاب إلي الضيعة، وقد ذهبت وأقمت بها يومًا وليلة وعاشرت عدة من الجواري، وها أنا ذا تائب إلى الله تعالى مما كان، وقد جعلت توبتي هبتهن لك، وهن موافيات المدينة في عشية هذا اليوم، فبيعهن أو عتقهن بيدك».

Related image

يكمل عبيدة قصة أبيه مع السيدة سكينة فيقول: إن السيدة سكينة قد غضبت الغضب كله وأمرت أشعب الطامع أن يعيد لها الأربعمائة دينار التي هي رشوة زوجها له، فقدم لها أشعب صاغرًا المال، فقامت ببناء بيت كبير من الخشب تكلف ثلاثمائة دينار «لاحظ أن هذه المبالغ كبيرة جدًا في ذلك الوقت» والمائة الباقية قسّمتها بين النجارين الذين صنعوا ذلك البيت الخشبي، وبين شراء البيض. وأمرت أشعب الطامع أن يرقد علي ذلك البيض، ففعل، حتى فقس البيض وخرج منه ألوف الفراريج.

يكمل عبيدة القصة فيقول : عن هذه الفراريج هم بالنسب أخوته، لأنهم أولاد أبيه، ومن هنا فهو له عائلة كبيرة جدًا بالمدينة.. تنتهي القصة بضحكة مدوية من الأمير العباسي الذي قدم عشرة ألاف دينار هدية لعبيدة علي قصته المضحكة.

هذه الحدوتة وغيرها من الحواديت التي جاءت في كتاب الأصفهاني ليست علمًا وليست تاريخًا، إنها ليست سوى حدوتة قد يطرب لها مترف من المترفين، ولكن لا يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة تاريخية تقام علي أساسها محاكمة لأخلاق السيدة سكينة، التي قدمها أبو الفرج بوصفها ثرية مشغولة بجسدها وجمالها وصاحبة صالون أدبي تجتمع فيه مع أمجن شعراء زمانها، ومن ذلك قصة رواها أبو الفرج ودارت حول لقاء جمع بين السيدة سكينة وشاعر من الشعراء، ودخلت عليهما جارية من جواري السيدة لتقديم واجب الضيافة إلي الشاعر الذي رأت السيدة سكينة في عينيه الإعجاب بالجارية فقالت له: «تمنى علىّ»، وفي خاطرها أنه سيريد أن تهبه الجارية، فما كان من الشاعر إلا أن قال للسيدة سكينة: «أتمني إن مت أن تدفنوني في حر هذه الجارية».

وما الحر، إلا الاسم القديم لفرج المرأة!

هذا الكلام البذيء لا يمكن أن يتفوه به شاعر معاصر في حضور راقصة، فكيف نصدق أن سكينة بنت الحسين بن علي الزاهدة المنصرفة للعبادة تسمح لشاعر أيًا كان بأن يتحدث في حضورها بهذه الطريقة؟.

الكتاب ممتلئ بحواديت خرافية كتلك التي توقفنا عندها. وإن كان هذا خطأ قد أرتكبه أبو الفرج، فنحن نرتكب الجرم الأشنع عندما نقدس كل تراث ونصدق كل رواية ونتشنج دفاعًا عن أى قصة.

Related image

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق