منوعات

مثل «ماء البحر» كلما شربنا زدنا عطشا.. رحلة البحث عن السعادة

يفتقد الإنسان أشياء كثيرة فى حياته، ويظن أنه لو حققها سيصبح سعيدا بكل تأكيد، فإذا تحققت، هل يشعر بالسعادة ؟ ربما ستكون الإجابة بنعم لمن لم يحقق أحلامه بعد. أما من حقق بعضا مما حلم به فالإجابة ستكون مختلفة لكن كيف؟ مثلا نحن نعمل، ونتزوج، وننجب أطفالًا، ونسافر بلادًا مختلفة، بحثًا عن السعادة.

وفي كل خطوة من حياتنا نظن أن كل ما ينقصنا هو شئ ما إذا حققناه فُتحت لنا أبواب السعادة، فيظن الأعزب أنه ليس سعيدًا لأنه لم يجد نصفه الآخر، وبمجرد أن يجده ستحل كل مشاكله، فيتزوج ليجد أنه لم يصبح سعيدًا كما تخيل. إذن ربما ينقصه المال، وتمر الأيام ويصبح غنيًا ولكنه ليس سعيدًا أيضا، ربما بعد مجيء الأطفال، فيرزقه الله بالبنين والبنات، لكنه أيضا لا يشعر بأنه سعيد كما كان يظن، فلماذا كلما حققنا حلماً سعينا له اعتدناه، وبدأنا بالتململ والبحث عن آخر بلا نهاية، وكأن تلك السعادة مثل ماء البحر المالحة، كلما شربنا منها ازددنا عطشا لا ارتواء؟ الإجابة هي: إنها «حلقة المتعة المفرغة».


 حلقة المتعة المفرغة
 

طرح عالما النفس الأمريكيان «فيليب بريكمان» و«دونالد كامبل» هذا المفهوم للمرة الأولى عام 1971 تحت مسمى «التكيف على المتعة»، حيث وجدا أن لكل شخص مستوى معينا من السعادة ثابتا عند نقطة معينة، فعندما تحدث لنا مواقف سعيدة كالحصول على ترقية مثلًا أو شراء سيارة الأحلام، يرتفع مستوى سعادتنا عن النقطة الافتراضية لمدة زمنية محددة، ولكن بعد انقضاء تلك المدة واعتيادنا على الوضع الجديد، نعود تلقائيًا مرة أخرى إلى حالتنا الطبيعية من مستوى السعادة الافتراضي.
ووفقًا لدراسة أجريت عام 1987 على مجموعة من الفائزين بملايين الدولارات في اليانصيب، مقارنة بمجموعة من الأفراد الذين تعرضوا لحوادث مفاجئة أدت إلى إصابتهم بالشلل سواء النصفي أو الكلي، وجد الباحثون أنه في بداية الأمر ارتفعت مستويات سعادة المجموعة الأولى بشكل ملحوظ، بينما تراجعت مستويات سعادة المجموعة الثانية لأدنى معدلاتها، ولكن على المدى البعيد بعد مرور فترة زمنية كافية تساوت المجموعتان تقريبًا دون وجود اختلاف يذكر.

الجري وراء السعادة

هذا الأمر دفع عالم النفس البريطاني «مايكل آيزنك» ليشبه هذا المفهوم في أوائل التسعينات بجهاز الجري الموجود في الصالات الرياضية، حيث يظل الإنسان يجري ويزيد من سرعته فقط ليبقى في مكانه، ويساعد هذا النظام النفسي على حماية الإنسان واستقراره، فسواء حدثت لنا مواقف مشحونة بالعواطف السعيدة أو الحزينة، نتأثر بشكل كبير لحظيًا ثم نعتاد على النعم لنسعى للمزيد، أو نتكيف على الأوضاع السيئة لنستمر في الحياة، وهو ما يعني أن الظروف الخارجية تؤثر بنسبة ضئيلة جدًا على سعادتنا في معظم الأحيان.

العوامل الجينية والظروف الخارجية 

في كتابها «طرق السعادة» أوضحت الطبيبة النفسية «سونيا ليوبوميرسكي» أن 50% من سعادتنا متوقف على عوامل جينية، وفقًا لما أثبتته دراسة أجريت على 1300 من التوائم المتماثلة وغير المتماثلة، حيث تابع الباحثون مستوى سعادة تلك التوائم لسنوات، ليجدوا أن التوائم المتطابقة التي تحمل الجينات نفسها تمامًا بلغت مستويات السعادة ذاتها تقريبًا، سواء نشأوا معًا أو حتى عاشوا بطرق مختلفة وفي بلاد مختلفة، في حين أظهرت نتائج التوائم غير المتطابقة اختلافا ملحوظا في مستوى سعادتهم، لذا فإن لجيناتنا دور كبير في سعادتنا.

أما عن ال50% الأخرى فتنقسم إلى 10% فقط متوقفة على الظروف الخارجية، في حين يتبقى لدى الإنسان 40% كاملة مرهونة باختياراته، وهي نسبة ليست قليلة أبدًا، حيث يميل بعض الأشخاص إلى تفسير المواقف والتعامل مع مصاعب الحياة بطريقة أكثر إيجابية من الآخرين، وهو ما يرجع إلى تنوع القرارات الفردية، كما تختلف نقطة السعادة الافتراضية من شخص لآخر، لذا فمستوى السعادة نسبى ويتفاوت بشكل كبير باختلاف العوامل والأشخاص.

و لكن وعلى الرغم من أن الأحداث الخارجية تشكل نسبة ضئيلة جدًا من سعادة الإنسان في الظروف الطبيعية، إلا أن هناك صدمات قاسية في حياة البشر تجعل نقطتهم الافتراضية من السعادة تتراجع، دون أن يتمكنوا من العودة إليها والتكيف مرة أخرى، في حالات مثل فقدان شريك الحياة أو التسريح من العمل أو التعرض لتجربة مريرة مثل دخول السجن، وهو ما يعني أن الإنسان قادر على اعتياد النعم بشكل تلقائي دائمًا تقريبًا، ولكن في حالة التجارب القاسية لا يمكن ضمان الاعتياد  على ذلك بشكل مؤكد.

السعادة والمال

لكن بغض النظر عن تفاوت ظروف الناس واختلاف استجاباتهم، إلا أنه في جميع الأحوال يبدو أن الممتلكات التي نحوزها، وكم الأموال التي نملكها لا تؤثر على مستوى سعادتنا بالشكل الذي نتصوره، بل وفي أحيان كثيرة قد تجلب زيادة الأموال بشكل زائد عن الحد التعاسة لمالكيها، وهذا لا يعني بالطبع أن المال غير مهم بالنسبة لرفاهيتنا واستقرارنا النفسي، إلا أنه بعد اكتساب الإنسان لكم معين من المال يكفيه ويغطي احتياجاته لا يصبح للمال أي معنى بمجرد امتلاكه فهو وسيلة فقط، ولكن ليس غاية لذا ينصح متخصصو علم النفس الأغنياء باستثمار أموالهم في تجارب  تحقق القيم الإنسانية النبيلة بدلًا من شراء المزيد من الممتلكات، ويعتبر العطاء للآخرين من أهم مسببات السعادة حيث يزيد من مستوى سعادتنا بشكل ملحوظ مهما تكرر، على عكس اقتناء الممتلكات التي يمكن أن تجعلنا سعداء بشكل لحظي فقط ولعدد محدود من المرات، كما أثبتت الدراسات أيضًا أن السفر والتعرف على ثقافات مختلفة والاستمتاع بالحياة مع أصدقاء موثوق بهم وعائلة محبة وشبكة من العلاقات المريحة هو ما يمكن أن يجعل المال وسيلة تحقق لنا سعادة إن استثمرناها بحكمة.

في النهاية يمثل التكيف عاملًا رئيسيًا في حياة الإنسان، يدفع الطموحين دفعًا لتحقيق المزيد من أهدافهم، وعدم الركون إلى ما وصلوا إليه والاكتفاء به، وهو ما يجعلنا نرى يوميًا اختراعات جديدة وأدوية لأمراض كان  من المستحيل الشفاء منها في الماضي، ويجعل الإنسان في بحث وسعي مستمرين  مهما وصل من تقدم، في الوقت نفسه يعطي التكيف أملًا لمن اختبر تجربة مؤلمة ليخرج منها دون أن يسقط في منتصف الطريق، لذا فأيًا ما كان ما تمر به الآن يمكنك دائمًا اتخاذ قرارك والوصول لأهدافك مهما كانت ظروفك.

المصادر

Hedonic treadmill

Is Happiness Hiding in our Genes?

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: