رؤى

رفاعة الطهطاوي (1-2): الفقيه الصعيدي الذي انتصر لحرية المرأة

بعد عودته من باريس بنحو 9 سنوات، تقدم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي للزواج من ابنة خاله، وقبل إتمام العقد، خط الشيخ الأزهري المعمم لعروسه وثيقة أثارت ضجة حينها، تنازل لها فيها عن حقوق أباحها له الشرع، إيمانا منه بحقوق المرأة وحريتها في مواجهة مجتمع فرض عليها الحصار وتعامل معها باعتبارها متاع يملكه الرجال.

كتب الطهطاوي في عقد قرانه على زوجته عام 1840 ما نصه: «التزم كاتب الأحرف رفاعة بدوى رافع لابنة خاله المصونة الحاجة كريمة بنت العلاَّمة الشيخ محمد الفرغلى الأنصاري أن يبقى معها وحدها على الزوجيَّة دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أياَّما كانت، وعلَّق عصمتَها على أخذ غيرها من نساء أو تمتع بجارية أخرى.. فاذا تزوَّج بزوجة أخرى أياَّ ما كانت، كانت بنت خاله بمجرد العقد خالصة بالثلاثة، وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين، ولكن وعدها وعدا صحيحاً لا يُنقض ولا يخل أنها ما دامت معه على المحبَّة المعهودة مقيمة، على الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولخدمها ولجواريها، ساكنةً معه في محل سكناه،  لن يتزوج بغيرها أصلاً ولا يتمتع بجوار أصلاً ولا يخرجها من عصمته حتى يقضى الله لأحدهما بقضاء.. رفاعة بدوى رافع، 14 شوال 1255هـ».

Image result for ‫وثيقة زواج رفاعة الطهطاوي‬‎

منح الطهطاوي بموجب تلك الوثيقة الحرية لابنة خاله أن تطلق نفسها بنفسها لو أقدم هو على ما اتاحه له الشرع من الزواج بغيرها، أو التمتع بجارية يملكها، وكان من رأيه أن تعدد الزوجات يضر بالمجتمع والفرد والأولاد والمرأة إذا لم يكن مقيدًا بالعدل، ولم يكن يرضاه لنفسه.

الطهطاوي الذي سبق قاسم أمين

لخصت الوثيقة نظرة الطهطاوي الذي عاش في باريس خمس سنوات، وتشبع بثقافتها وخبر سر تقدمها، فأدرك أن بناء المجتمعات قائم على المساواة في الحقوق والواجبات بين الفئات والطبقات وبين الرجل والمرأة، فعمل فور عودته عام 1831 على نشر أفكار التطور والحداثة والحرية، وكان أول من دعا إلى تحرير المرأة وتعليمها ومساواتها بالرجل ومشاركتها له في ميادين العمل والعلم، فنادى باتخاذها «صديقة وأختا ورفيقة درب»، سابقا في ذلك قاسم أمين الذي ذكره المؤرخون كأول محرر للمرأة.

قاسم أمين                                            رفاعة الطهطاوي

رأى الطهطاوي أن العلاقة الزوجية ليست علاقة امتلاك الرجل للمرأة، إنما يجب أن تكون علاقة صداقة ومحبة بين الزوجين. فهي التي ينتج عنها الاتحاد والائتلاف بين الرجل وأهله، وما ينتج عن ذلك من تقوية الروابط، وسمر الحديث والمحادثة اللطيفة، والتبسم، وإظهار التعطف والمحبة، وكل ذلك يؤثر على النفس ويؤكد على المحبة، فينشأ الأولاد أيضًا في هذا الجو المفعم بالحب والولاء نشأة سليمة صحيحة، وتنتقل إليهم هذه المشاعر الجميلة التي يرونها في والدهم ووالدتهم، فيتخذوهما قدوة لهم، وعندما يأتي وقت تكوين أسرهم ويخرجون إلى الحياة، تنتشر هذه المشاعر كلها في المجتمع، وبذلك يصبح مجتمعًا يسوده الحب والولاء.

تمرد الطهطاوي (1801-1873) على تفسير النصوص الدينية، وعلى تعامل مجتمعاتنا العربية مع المرأة، رافضا ربط عفة النساء بحجابهن، «كثيراً ما يقع السؤال من جميع الناس عن حالة النساء عند الإفرنج وكشفهن عن حالهن الغطاء، وملخص ذلك أن عفة النساء لا تأتي من كشفهن أو سترهن بل منشأ ذلك التربية الجيدة أو الخسيسة»، هكذا كتب الطهطاوي في كتابه الأشهر «تخليص الأبريز».

يرى الطهطاوي أن تحرير المرأة باعتبارها ضحية التقاليد الاجتماعية السائدة رهين بتغيير العقليات الجامدة، وذلك بالامتثال إلى المبادئ المنصوص عليها في المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية، وبما أن أحكام الشريعة في نظره كفيلة باستيعاب كل التحولات الطارئة على المجتمع العربي الحديث فقد سمح لنفسه بصياغة مشروع إصلاحي تنويري جديد لمسايرة مستجدات عصره، فجعل من التعليم والتربية أهم وسائل النهوض بشخصية المرأة، وجزم بأن حرمانها من الثقافة والأدب هو من صنيع العادات الجاهلية البعيدة عن المقاصد الكلية للشريعة.

يقول الطهطاوي في كتابه «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين»: «ليس التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا للتغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت ،في ميدان الرجال تبعا للعوائد( العادات) المحلية المشوبة بجمعية (مجتمع) جاهلية، ولو جرب خرف هذه العادة لصحت التجربة».

وعن ذلك يرى الباحث الجزائري حفناوي بعلي، في كتابه «بانوراما النقد النسوي في خطابات الناقدات المصريات»، أن الطهطاوي «استفاد خلال إقامته في باريس من ملاحظاته ومعايشته لأسس الحداثة الغربية، واكتشف من خلال دراسته للفكر الغربي أن المدنية تقوم على مبدأي الحقوق والواجبات التي يتساوى فيها الخاصة والعامة والرجل والمرأة على السواء».

في المساواة بين الرجل والمرأة

تبنى الطهطاوي في نظريته مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ورأى أن المرأة مساوية للرجل سواء بسواء، وأن الذكورة والأنوثة وحدهما فقط موضوع تباين وتضاد، ونادى بشرعية الاختلاط والحب، وطالب بمراعاة حب الفتاة وهواها عند الزواج، وكان ذلك الرأي تقدميا بمفاهيم عصره. كما شدد الطهطاوي على أن تعليم المرأة حق من حقوقها: «إن القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة وإنها مكروهة في حقهن ارتكازا علي النهي عن بعض ذلك في بعض الآثار ،فينبغي ألا يكون ذلك علي عمومه ولا نظر إلي قول من علل ذلك».

وتابع: «إن دخول المدارس للبنات والغلمان واجب قانونا في جرمانيا (المانيا)، بل أوروبا كلها تعلم البنات والبنين علي قدم المساواة، وهذا هو السر في أن بلادهم الآن هي أقوي البلدان».

ويستند الطهطاوي في ترغيبه للناس في تعليم البنات إلى منطق الإقناع ،فقد قضت التجربة في كثير من البلاد أن نفع تعليم البنات أكثر من ضرره بل أنه لا ضرر فيه أصلا، كما استند إلى الأحاديث النبوية التي تحض على تعليم البنات، وشكك في الأحاديث التي نهت عن ذلك، وأشار إلى أن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت منهن من تكتب وتقرأ، كحفصة بنت عمر وعائشة بنت أبي بكر، ويشير الطهطاوي إلى أنه في زمان الرسول كان هناك من يعلم القراءة والكتابة من النساء للنساء كالشفاء أم سليمان.

لم يكتف رفاعة، بالكلام فقط وإنما عمل على تأسيس أول مدرسة لتعليم البنات في مصر، فزار المنازل واجتمع بالآباء وناقشهم وذلل العقبات، وأعد عربة مغلقة النوافذ ذات ستائر سميكة تدور على المنازل، وأسدل الستائر على شبابيك المدرسة، ونجح في الحصول على موافقة بعض الآباء وفتحت المدرسة أبوابها.

ثم تجاوز الطهطاوي الدعوة إلى دخول المرأة ميدان العلم إلى دخولها ميدان العمل، «إن كل ما تطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ أيديهن من العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل»، مؤكدا أن العمل يصون المرأة عما لا يليق بها ويقربها من الفضيلة.

Image result for ‫مقولات رفاعة الطهطاوي‬‎

المرأة والولاية الكبرى

وانتقل الطهطاوي إلى مساحة صادمة، مؤكدا على حق المرأة في الوصول إلى «الولاية الكبرى»، مخالفا بذلك الموروث الديني والثقافي الذي تم تأصيله في كثير من كتب السياسة الشرعية مثل «الأحكام السلطانية» للماوردى والذي وضع الشروط الواجبة فى من يتولى «الإمامة العظمى» ومنها أن يكون ذكراً، وذلك لأسباب: إقامة صلاة الجمعة والجماعات، والثاني هو قائد الحروب، وثالثها الإشراف على ثغور الدولة، وفى بعض العصور الإسلامية تولى بنفسه محكمة المظالم والتى لا يجوز فيها القضاء إلا للرجال حسب رأى بعض فقهاء المسلمين.

وبالرغم من أن كل الجماعات الأصولية حتى وقتنا هذا ترفض تولي المرأة منصب الرئاسة كما لاتزال المجتمعات العربية الحديثة التي تنص دساتيرها على المساواة المطلقة تقاوم الفكرة، إلا أن الطهطاوي دعم وصول المرأة إلى منصب الرئاسة،  واستعرض في كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين» موقف الفقه الاسلامي من رفض تولي المرأة مناصب الرئاسة في الدولة.

ذهب الطهطاوي إلى التاريخ، راصدا أسماء ملكات وسيدات حكمن بلادهن بنجاح مثل «كليوباترا وحتشبسوت وشجرة الدر» في مصر، وبلقيس في اليمن، وزنوبيا في تدمر، فضلا عن ملكات أوروبا. وعقد الطهطاوي المقارنة بين مقومات الرجل والمرأة التي تؤهل كل منهما للحكم، ووصل إلى أن النساء ليس لديهن نفس ميل الرجال إلى الاستبداد والتسلط، ومن ثم فهي في الحكم  أقل ميلا إلى الاستبداد، وأكثر ميلا للعدل والانصاف من الحاكم الرجل.

وصلت أفكاره التقدمية والجريئة بالنسبة لعصره إلى أنه مدح الرقص الغربي، وقال: «إنه في واقع الأمر نوع من العيانة والشلبنة لا من العشق، فلذلك كان دائما غير خارج علي قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج الشهوات، أما في باريس فإنه نمط مخصوص لا يشتم منه رائحة العهر».

(يتبع )

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق