ثقافة

أحمد كمال أبو المجد: «الطليعي المجدد» الذي كتب مقدمة «أولاد حارتنا»

يحدثك في القانون والدستور فتجد نفسك أمام فقيه قانوني ودستوري من الطراز الرفيع، ويناقشك في التراث والفكر الإسلامي، فإذا أنت أمام أحد المجددين العظام لهذا التراث وذلك الفكر.. يتكلم في السياسة فإذا به رجل دولة صاحب رؤية ثاقبة قادرة على تشخيص علل وأوجاع الأمة.

وفي كل ذلك هو شخصية إصلاحية بامتياز، معتدلة من غير ذي عوج، منفتحة بلا ذرة انغلاق أو تعصب، متسامحة بكل ما يعنيه التسامح من تعايش وقبول للآخر. إنه المفكر القانوني والإسلامي البارز الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي رحل عند دنيانا عن عمر ناهز التاسعة والثمانين عاما قضاها منحازا لقيم الإسلام الوسطي وسماحته، ودفع  شبهات تعارض الدين الإسلامي مع منجزات الحضارة الإنسانية في الفن والسياسة والقانون.

رحل أبو المجد تاركا وراءه ميراثا عظيما من العطاء القانوني والفكري والإنساني، الذي جسد من خلاله صورته كأحد رموز تلك المدرسة الإسلامية الوسطية التي صنعت لنفسها أرضية خاصة تنافح من خلالها القيم الإسلامية، وتكشف عن وهم  التعارض لدى الكثير من أتباع التيارات الإسلامية الراديكالية ما بين «الإسلام» كدين وحضارة، وما بين الكثير من المنجزات الفكرية والثقافية التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة كمفاهيم حقوق الإنسان، والديمقراطية، والدستور، و القانون، والفنون.

ابن أسيوط الطليعي

ولد أحمد كمال أبو المجد في 28 يونيو 1930 بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1950، ثم حصل على دكتوراه القانون من جامعة القاهرة عام 1958، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة حيث حصل على ماجستير في القانون المقارن، من جامعة ميتشجان عام 1959.

انخرط في الحياة السياسية مبكرا حيث كان مؤسسي ما يمكن اعتباره أقوى تنظيم شبابي سياسي عرفته مصر في الستينيات وأوائل السبعينات عندما قاد منظمة الشباب، وعلى يديه تشكل التنظيم الطليعي، وهما التنظيمان اللذان تأسسا في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لإعداد كوادر سياسية من شباب الجامعات وغيرهم من شباب مصر.

وفي منتصف ستينيات القرن الماضي عين مستشارًا ثقافيًا لمصر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكانت المفارقة أن تعيينه في هذا المنصب جاء بعد فترة وجيزة من دخوله السجن الحربي لعدة شهور بعد وشاية من أحد خصومه اتهمه فيها بأنه  ينتمي لجماعة الاخوان المسلمين، التي كانت محظورة في ذلك الوقت، وهي  الحكاية التي رواها عنه الدكتور سعد الدين إبراهيم  أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة في مقال نشره في صحيفة المصري اليوم في ديسمبر 2015، حيث كان سعد الدين إبراهيم رئيسا لاتحاد الطلبة المصريين في أمريكا حينما عين أبو المجد ملحقا ثقافيا في واشنطن.

بعد وفاة عبد الناصر وبينما كان لايزال في واشنطن تلقى أبو المجد، اتصالا من مكتب الرئيس الراحل أنور السادات، بترشيحه أمينا للشباب بالاتحاد الاشتراكي عام 1971 حيث عاد ليشغل هذا المنصب إلى أن تولى منصب وزير الشباب في عام 1973، ليصبح أصغر وزير في الحكومة، وبعد حرب اكتوبر 1973 ، وتحديدا في أبريل عام 1974 عين وزيرًا للإعلام والثقافة وحتى أغسطس 1975.

وعن علاقته بكل من الرئيسين عبد الناصر والسادات قال أبو المجد -في حوار تلفزيوني إنه لم تكن هناك علاقة مباشرة بينه وبين عبدالناصر، لكن علاقة إنسانية جمعته بالرئيس السادات، جعلت الأخير يختاره وزيرا عقب توليه السلطة بعد وفاة عبد الناصر.

المجدد الإسلامي

كانت حقيبة الإعلام التي تولاها في عهد السادات، هي آخر المناصب السياسية الرسمية التي شغلها الدكتور أحمد كمال أبو المجد، تفرغ بعدها ومنذ أواخر السبعينات لعمله كمحام وخبير قانوني كبير، وتولى العديد من القضايا المهمة التي كان يمثل الحكومة المصرية فيها. كان أبو  المجد أحد أشهر المحامين والقانونيين في مصر والوطن العربي وظل أستاذًا متفرغًا بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، وسبق أن عمل لسنوات مستشارًا لأمير الكويت في مرحلة بناء الدولة الوليدة، كما كان  أحد قضاة البنك الدولي في فض المنازعات.

حتى وفاته ظل عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، حيث أولى الرجل منذ منتصف السبعينات اهتماما بقضايا الفكر الاسلامي وتجديد التراث  الديني وتنقية ثوب الإسلام مما لحق به من تفسيرات ومفاهيم مغلوطة وصور غير صحيحة. وعرف عنه – كما وصفه البيان الذي أصدره الأزهر لنعيه – «سماحة الفكر وسعة الأفق وغزارة الإنتاج الفكري والقانوني، حيث قدم للمكتبة العربية والإسلامية العديد من المؤلفات القيمة في مجالات عدة».

كانت أول مرة تتاح فيها لكاتب هذه السطور فرصة اللقاء والاستماع إلى الدكتور أحمد كمال أبو المجد، قبل  ما يزيد عن ربع قرن وخلال محاضرة له بدار الأوبرا المصرية، وكانت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان الحديث عن محمد النبي الزوج وعلاقته بزوجاته وخصوصا أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها، وكيف كان يتعامل معها ويسابقها وتسبقه وكيف كان يخرج لها رأسه من إحدى فتحات مسجده خلال فترات اعتكافه به لكي تمشط له شعره. ليختم أبو المجد محاضرته بمقولة للإمام أبي حامد الغزالي «من لم يطربه العود وأوتاره والربيع وأزهاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج»، فإذا بنا أمام وجه جميل مبهج وساحر للإسلام لا غلو فيه ولا غلظة، وصورة مبهجة لهذا الدين، وهي الصورة التي أراد بعضهم إخفاءها أو تجاهلها وتصدير صورة متجهمة متشددة شديدة الغلظة والقسوة، وكأن هذا الدين، الذي جاء ليُخرج البشرية من الظلمات إلى النور، دين معاد للحياة والجمال والمحبة.

منذ سبعينات القرن الماضي شغلت قضية تجديد الفكر الإسلامي حيزا كبيرا من اهتمام  وتفكير وكتابات الدكتور أبو المجد، حيث بدأ يكتب فيها بانتظام، داعيا إلى التيسير والبعد عن التطرف، واستمر على هذا النهج حتى سنوات عمره الأخيرة. وفي كل هذه الكتابات، كان دائم التأكيد على ضرورة أن يكون الدعاة قريبين إلى الناس في سلوكهم ومعاملاتهم بحيث يقدمون  المثل فى التسامح والمحبة والتراحم.

وعبر كل هذه السنوات قدم الدكتور أبو المجد عشرات المقالات والأوراق البحثية عن قضية تجديد الفكر الإسلامي، تطرق  خلالها إلى عناصر الجمود أو الشطط في بعض صور الخطاب الديني، منتهياً إلى ضرورة مراجعة ذلك الخطاب، وتصحيح فهم كثير من القائمين به للإسلام ذاته بجوانبه المتصلة بالعقيدة أو بالأخلاق أو بالشريعة، بما يعين على تجديد الفكر الإسلامي بصفة عامة والفقه الإسلامي بصفة خاصة.

فالشريعة الإسلامية، كما يقول أبو المجد، بنيت على التيسير ورفع المشقة والحرج عن الناس، ولم تُبن أبداً على التعسير والمشقة والحرج، وهذا من أصول الإسلام الكبرى التي تشهد لها نصوص عديدة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة.

هكذا كان أبو المجد يضع نصب عينيه المصالح والاحتياجات المتغيرة لعموم المسلمين كأولويات ضرورية لا يجوز إغفالها عند التشريع، بل يجب الاجتهاد لتلبيتها، في إطار المواءمة بين التكاليف الشرعية ومقاصدها. «فالأحكام  الشرعية حين تنفصل عن غاياتها، وتنفك الرابطة بين التكاليف الشرعية ومقاصدها، فإن المنفعة تفوت والمصلحة تغيب، ويقع الناس بذلك في العسر والعنت والحرج».

اعادة الاعتبار للعقل

في عام 2002 أعد أبو المجد دراسة مهمة قدمها في المؤتمر الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية عن التجديد في الفكر الإسلامي، بعنوان «تجديد الفكر الإسلامي: إطار جديد ومداخل أساسية». وفي هذه الدراسة يؤكد أبو المجد: «أن العقل المسلم المعاصر يحتاج إلى أن يعيد النظر -في جسارة وثقة – في كل  المقولات التي تقف في طريق التجديد، وتحبس الأمة في إطار التقليدلا يرده عن ذلك تخويف المخوفين أو لوم اللائمين «فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين» (التوبة:13).

في هذه الدراسة فنّد أبو المجد المقولات التي تقف عائقاً في وجه التجديد، ومن بينها  ضرورة الحفاظ على قدسية النصوص القرآنية، ونصوص الأحاديث الصحيحة، والتفسيرات المبكرة، والمبالغة في رفض كل الأفكار الوافدة. ورد على ذلك بقوله: «إن أحداً من المسلمين، عامتهم وعلماءهم، لا يخطر بباله أن يهون من قدسية النصوص القرآنية، أو نصوص الأحاديث النبوية الصحيحة.. وهم جميعاً مأمورون بالامتثال لما جاءت به تلك النصوص نزولاً عند أوامر الله تعالى» .

لكن النصوص الجزئية- كما يوضح  أبو المجد في دراسته – تحتاج إلى تفسير، «ولهذا التفسير أصول ومناهج مقررة.. كما أن وراء النصوص الجزئية مقاصد كلية عامة لا يُتصور الغفلة عنها أو الذهول عن إدراكها.. وإلا استوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. ولوقع جملة الناس في الحرج والعسر والمشقة بسبب التزامهم ما لا يلزم، و لفاتت مصالح ومنافع شرعها الله سبحانه لهم».

والإتباع الذى أُمرنا به- كما يقول أبو المجد – «هو اتباع العقلاء المبصرين الذين يرون آيات الله تعالى في الآفاق وفى أنفسهم.. لا اتباع المقلدين الذين سدوا على أنفسهم وعلى الناس مسالك كثيرة من طرق الحق والخير والعدل ظناً منهم منافاتها للشريعة، لكنها لم تناف الشريعة، وإنما نافت ما فهمه هؤلاء من الشريعة».

ويضيف أبو المجد: «الابتداع الذى نهينا عنه، هو أن يدخل على الدين ما ليس منه، زيادة فيه أو نقصاً منه.. تحريماً للحلال أو تحليلاً للحرام، أو قولاً على الله  بغير علم.. وهناك ابتداع محمود هو ثمرة الاجتهاد في استقراء الحكم الشرعي  في ظل من الوعى بمقاصد الشريعة الكلية».

كما دعا أبو المجد إلى ضرورة إنهاء ما وصفها بـ«الثنائية التقليدية التي سممت الحياة الفكرية لملايين المسلمين عبر قرون طويلة، وهى الثنائية التي تقابل بين العقل والنقل..» فينحاز بسببها بعض الناس إلى العقل وإعماله، وينحاز بعض آخر منهم إلى النقل وإنزال حكمه.. كما لو كان أحدهما من عند الله والآخر من عند غيره «.. ولا نقول في هذا إلا أن العقل آية من عند الله.. وأن النقل، قرآناً وسنُة، نعمة ورحمة من عند الله.. وليس يصح في العقول أن تتناقض آيات الله مع رحمته».

وشدد أبو المجد على «أن التجديد الذى به خلاص هذه الأمة، لا أمل فيه ولا رجاء في تحققه إلا إذا أعيد العقل من جديد إلى عرشه الذى أنزلته عنه مخاوف الخائفين وهواجس المرتابين الذين يحسبون كل صيحة عليهم».

مقدمة أولاد حارتنا

ولأن «أبو المجد» أحد القامات الفكرية التي انتصرت للعقل والتنوير والإصلاح الفكري والديني فلا يمكننا القفز على إحدى الوقائع المهمة في هذا المقام والتي تُظهر- بجلاء – أن انتصاره للعقل لم يكن على حساب الدين أو العقيدة أو النقل، وهي كتابته لمقدمة أول طبعة رسمية لرواية الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ الشهيرة «أولاد حارتنا» التي ظلت ممنوعة عن الجمهور نحو نصف قرن منذ نشر فصول منها في جريدة الأهرام.

ففي هذه المقدمة التي كتبها بناء على طلب من نجيب محفوظ (وبحسب رواية الناشر ابراهيم المعلم) ، يقول أبو المجد: «الرواية أحدثت في حياتنا الثقافية دويًا ظلت أصداؤه تتردد سنوات طويلة أساء البعض فهمها. وكان المغزى الكبير الذي توجت به أحداثها، أن الناس حين تخلوا عن الدين ممثلاً في (الجبلاوي)، وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ممثلاً في «عرفة» أن يديروا حياتهم على أرضهم التي هي حارتنا، اكتشفوا أن العلم بغير الدين تحول إلى أداة شر، وأنه قد أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم، فعادوا من جديد يبحثون عن (الجبلاوي)».

مواقفه السياسية

وكما كان أبو المجد إصلاحيا عظيما في مجال الفكر الإسلامي، فإنه كان كذلك في مواقفه السياسية، وقد بدا ذلك بوضوح في موقفه من ثورة 25 يناير، حيث بدا مثل كثيرين من النخبة الفكرية والسياسية المصرية التي فأجاها الحدث، حذرة  متوجسة من التغيير الشامل، فانحازت إلى منطق الاصلاح لا التغيير، ففي الأيام الاولى لثورة يناير انضم الدكتور ابو المجد إلى عدد من الشخصيات السياسية والفكرية، فيما سمي وقتها بـ «لجنة الحكماء» والتي طالبت نظام مبارك بإدخال إصلاحات سياسية، وهي الدعوة التي لم تلق صدى تحت ضجيج الشارع الثوري آنذاك والذي كان يطالب برحيل النظام لا إصلاحه.

ورغم اتهام بعض خصومه له بأن له ميولا إخوانية، وهي التهمة القديمة جدا، فإن الدكتور أبو المجد ومع وصول الإخوان إلى السلطة بعد الثورة، لم يخف – مثله مثل كثيرين – هواجسه من النزعة الإقصائية والرغبة في السيطرة على كل شىء «أنا أرى أن أداء الإخوان سلبى منذ عام 1948 ويرغبون فى التكويش على كل شىء، وكانت غلطة حسن البنا الكبرى تأسيس تنظيم سري».

وفي أعقاب الاطاحة بحكم الإخوان المسلمين عقب الموجة الثورية الثانية لثورة يناير في 30 يونيو 2013، طرح  الدكتور أبو المجد مبادرة للمصالحة الوطنية وهي المبادرة التي قدمها إلى الرئيس السابق عدلي منصور وللفريق عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، وكانت تدعو إلى إعادة دمج الإسلاميين في الحياة السياسية بعد إعادة تأهيلهم، لكن هذه المبادرة لم تلق تجاوبا. رحل أحمد كمال أبو المجد وبقيت آثاره شاهدة على أنه كان هنا فى مصر المحروسة «مفكر وطنى مستنير» ما أحوجنا إلى أن نعيد قراءة ما ترك لنا من ميراث فكري عظيم.

الوسوم

شحاتة عوض

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق