فن

فؤاد قاعود.. (1-2): شاعر الرفض والاعتراض

«أنا ببيع الحي بالميت.. وبدون تردد بادوس ع المكسب المحسوس.. عشان عيون فكرة ف علم الغيب». هذا مقطع من إحدى قصائد الشاعر الكبير الراحل فؤاد قاعود، الذي تحل ذكرى ميلاده في الخامس من إبريل، مقطع من قصيدة ساحرة شدا بها الشيخ إمام في إحدى تجلياته الغنائية.

ولد فؤاد قاعود في الخامس من أبريل 1936 بمدينة الإسكندرية مسقط رأس النديم وبيرم وسيد درويش، وحمل في قلبه وخز تلك السنوات الشاقة التي بدأها في السادسة من عمره عاملا بسيطا في ورش الإسكندرية ومطابعها الصغيرة، دون أن يتلقى تعليما إلزاميا، قبل أن يستقر به الحال كعامل تحويلة (سويتش) في إذاعة الإسكندرية. وكان قد اشتهر ببراعته في فن الشعر والزجل وعندما تيقن من طريقه بدأ يهتم بتثقيف نفسه.

 صلاح جاهين وبدايات قاعود

عن بدايات فؤاد قاعود يقول صلاح جاهين: «فؤاد قاعود بدأ يقول الشعر قبل أن يتعلم القراءة والكتابة، وكان يراسل المجلات المهتمة بالأشعار الشعبية عن طريق الآخرين، الذين يدونون له ما كان ينظمه، وظل يصارع الفقر طويلا قبل أن يستطيع أن يعلم نفسه بوسائله الخاصة، وعندئذ أقبل علي المطالعة بنهم.. تأثر بالمتنبي فكثر في شعره الفخر والتعالي، وتأثر بالمهجريين فنحا نحوهم في الشعر الفكري الذي يناقش الفلسفة، وتأثر ببيرم التونسي، فأجاد النظم وسيطر على الكلمات وطوعها للأغراض الشعبية.. كما تأثر بعصره  فأصبح واحدا من الذين يعملون على أن تصبح العامية المصرية لغة أدبية تستطيع أن تحمل في أحشائها كل الصور والرؤى الشعرية العالمية».

Image result for ‫الشاعر فؤاد قاعود‬‎

«صلاح جاهين»

ويستطرد صلاح جاهين: «التقيت بفؤاد قاعود فوجدته شابا صغيرا جدا، ولكن شيئا في عينيه كان عجوزا جدا.. وأشعاره سمعتها فوجدتها تنبض بنبض عجيب، ولها نبرة حادة مقلقة، فهو حين يسخر يصبح كالسياط، وحين يبث مكنونات قلبه تنفجر من داخله الينابيع الحارة والعواصف الثلجية، وتمطر كلماته في النفس مطرا مر المذاق ومسكرا في آن.. فقلت له: هذا هو الشعر».

في عام 1960 بدأ فؤاد قاعود نشر أعماله الشعرية في مجلة «صباح الخير» بعد أن قدمه صلاح جاهين لقرائه.. وإذا كان قاعود  قد بدأ نشر شعره وهو في الرابعة والعشرين من عمره، إلا انه بدأ كتابة الشعر وهو في الثانية عشرة، وعندما وصل إلي السابعة عشرة كان أحد شعراء العامية الذين يشار اليهم بالبنان في مدينة الإسكندرية.. عرفه السكندريون من خلال الندوات الثقافية التي كانت تعقد بشكل شبه منتظم بقصور الثقافة في هذه الفترة.

في عام 1963، طلب منه صلاح جاهين أن يمر عليه بمقر مجلة «روز اليوسف» عندما  يزور القاهرة في إحدي إجازاته ـ حيث كان قاعود مجندا بالقوات المسلحة آنذاك – ذهب قاعود إلى صلاح جاهين بـ«روز اليوسف» فأخذه جاهين من يده ودخل به إلى حجرة رئيس التحرير إحسان عبد القدوس وقال له: «هو ده الشاعر اللي كلمتك عنه».. رحب إحسان عبد القدوس بقاعود وفي نهاية اللقاء سأله: «تحب تتعين في مجلة صباح الخير؟»…

اندهش قاعود: «بس أنا مجند وبنزل أجازة خمسة أيام كل شهر»

عبد القدوس: «مش مطلوب منك حضور وانصراف.. المطلوب إنك تيجي مرة واحدة في الشهر عشان تقبض مرتبك.. وكل ما يجيلك شعر تبعته»

قاعود: «وإن ماجاليش شعر؟»           

جاهين: «الطير ماهوش ملزوم بالزقزقة»

«إحسان عبد القدوس»

انتصار العامية

ويعد الفيض المتنوع والخصب من قصائد فؤاد قاعود إسهاما ضخما لا غنى عنه في الانتصار الذي أحرزه شعر العامية في معركته المصيرية مع أعدائه من الشعراء والنقاد ورجال الأدب الرسميين والتقليديين، الذين أصروا بعناد مستميت علي تحديد إقامته في حيز الزجل الشعبي الدارج وعلى نفيه بعيدا، قدر الاستطاعة.

في حكاية مليئة بالدلالات حول الصراع الذي كان قائما في ذلك الوقت بين فرسان الشعر العامي وأعدائه من الشعراء والنقاد ورجال الأدب الرسميين والتقليديين.. يقول سيد حجاب: «بعد فترة من جلستي الأولى مع فؤاد قاعود كنا قد أصبحنا أصدقاء، فاصطحبني ليعرفني بصلاح جاهين، في يوم لا يُنسى، قدمني لعمنا صلاح جاهين وكان أول ما قال لي: سمعنا يا سيدي.. كان متجهما وصامتا ومتكورا على نفسه ولا توجد أي ملامح مطمئنة، كنت مرتبكا بالطبع وأنا ألقى الشعر في حضرة صلاح جاهين، ويطلب بإشارة من يده قصيدة أخرى دون أن يغير وضعه فألقيتها بارتباك أكثر وبخوف من ردة فعله المجهولة، فهو لا سعيد ولا حزين لا راض ولا غير راض، فقط يشير بيده وهو في نفس الوضعية المتكورة ويطلب مني قصيدة ثالثة دون أن تتغير أي تفصيلة من تفاصيل تكوينه أو ملامح وجهه، فأُلقى بثالثة وأنا فاقدٌ لأعصابي وفى قمة توتري، وما إن انتهيت من إلقاء القصيدة الأخيرة حتى تفككت هذه الكرة البشرية لتقفز في الهواء وتحتضن فؤاد قاعود، ليقول عمنا صلاح جاهين وهو في غاية السعادة له: كده بقينا كتير يا فؤاد».

Image result for ‫الشاعر فؤاد قاعود‬‎

«سيد حجاب»

«كده بقينا كتير يا فؤاد».. يستطرد سيد حجاب: «وهذا القول كان بسبب عدم وجود الشعر العامي على الساحة إلا من صوت جاهين ـ اللي ما صدق وقابل قاعود ـ ثم غمرته فرحة شيخ القبيلة الذي وجد بين أبناء قبيلته شاعراً… ففؤاد حداد رفيق عمر جاهين، والشابان محسن الخياط وسمير عبد الباقي.. الجميع من شعراء العامية كانوا في المعتقل، فكان جاهين محاربا وحيدا في قلب ساحة المعركة (معركة إثبات وجود الشعر العامي)، إلى أن التقى الفارس فؤاد قاعود ثم شاعرا مثلى كجندي بجانبهما».

شاعر يعتد بنفسه

كان قاعود شديد الاعتداد بنفسه وبشعره… وفي هذا يقول:

اللي انطلق في الجو ويا الريح

يعتل قلبه لو زحف ع الأرض

وما يستريح

غير لما يرجع للفضا عطشان

للدود مكان

وللجوارح مكان

إن هذا الترفع الجليل، ونفض اليد من تراب السفح، لا يجسد لدي قاعود موقفا هروبيا من الواقع أو متعاليا عليه.. فقاعود المهموم دوما بقضايا الوطن والناس، لم يفقد الأمل أبدا في أن تشرق الشمس التي توزع الضوء والدفء على الجميع دون تمييز.. لكن هذه الشمس لن تأتي من تلقاء نفسها، فالحلم يتحقق بفعل فاعل، ومساحة الفعل لديه تتجاوز حدود الشعر والتهويمات…

امسك يا واد مطرقتك السودا

وهيج في الكون

البس يا واد جلابيتك الزرقا

واعزق بفاسك في الوشوش القزاز   

وكان أكثر ما يميز أسلوب قاعود تلك الروح المصرية الساخرة التي لا تملك إزاءها إلا أن تبكي وأنت تضحك…

رقبتي آه رقبتيأ

أرجوك تخف تُقل جزمتك

رقبتي تحت جزمتك

وعندما وقعت نكسة 67 لم يستطع قاعود أن يهضم الموقف إلا بعد مرور عام كامل على هذا الحدث الجلل ، الذي زلزل وجدانه كما زلزل أركان الوطن… وفي يونيو عام 68،  أي بعد عام كامل، يكتب قصيدة «الصدمة»…

لو النجوم تنزل وتمشي في الشوارع

ولو العمارات تطير

ولو الضفادع في الشتا عرقت

والجو أصبح في أغسطس مطير

ولو الحمير اتكلمت بفصاحة

والنملة صبحت في ضخامة الفيل

مش هاندهش

بعد اللي فات

علشان أنا من سنة

إحساسي بالدهشة مات

الوجه الرافض

يقول الناقد الراحل فاروق عبد القادر: «إن أوضح وجوه الشاعر فؤاد قاعود هو الوجه الرافض المعترض…. لقد لخص الشاعر في قصيدته “الاعتراض” (وهي من أشهر قصائده) موقفه الرافض لكل أشكال القهر، وكل أشكال السكوت عليه والرضوخ له، ونكاد نلمح في كل أعماله الأخرى موقفا مشابها ، بل إن معظم  أعماله هي في الحقيقة رفض لهذا الواقع المليء بالتناقضات.. التناقض بين المظهر والحقيقة، التناقض بين الغنى والفقر، والتناقض بين الزيف والصدق».

Image result for ‫الناقد الراحل فاروق عبد القادر‬‎

الناقد الراحل فاروق عبد القادر

ففي قصيدة «حفلة رأس السنة» يبلور في آخر مقطعين من القصيدة هذا التناقض الذي يرفضه…

سنة سعيدة

واتكونت آخر ساعات في السنة

والسيدات والسادة

 تعبوا من الليل والخمور والصخب

ناموا في أماكنهم

وقال رئيس الخدم

حتى الترف فيه تعب

***********

وفي زقاق ضيق في ضهر القصر

طلع النهار

على عيلين من لمامين الورق

لموا الطراطير والقزاز الفارغ

ونفضوا م الزبالة باقي تورتايه

وأكلوا وابتسموا بسمة حزينة

زي اللي مرسومه علي الأقنعة

سنة سعيدة  

ورغم أن قاعود لم يكن ينتمي لأي تنظيم سياسي أو حزبي، إلا أنه كان شديد الاهتمام بالشأن العام، وكان مهتما كذلك بالحركة الطلابية ومظاهرات 1972/1973، فقد التقيت به (أنا كاتب هذا المقال) وتعرفت عليه بشكل شخصي في هذه الفترة داخل معتقل القلعة، وظلت علاقتنا مستمرة حتى الفترة الأخيرة من حياته.. وفي إحدى لقاءاتنا، كان يشعر بالظلم من تجاهل وسائل الإعلام والحركة النقدية لأعماله، فقلت له: أنت اخترت طريقك، وهو طريق لا يؤدي بك إلى أن تكون شاعرا مشهورا.. فضحك وقال لي: شاعر مشهور؟!.. أنا لا أسعى إلى ذلك.. فالشاعر ليس ظاهرة شعبية.. هل تعلم ماذا قال «تي إس إليوت» في مؤلفه «في الشعر والشعراء».. قال عندما يكون لشاعر ما جماهيرية، فهذا شيء مشكوك فيه، حينئذ، فتش عن الدرك.. هذا رأي قاعود على أي حال.

وقد شارك فؤاد قاعود الشيخ إمام في تقديم بعض الأغنيات مثل: العزيق.. البياع (بكش).. أحزان القرد.. مرمر زماني.. الشجرة بتخضر.. على الربابة.. الماريونيت.. حبيبتي بنت أرض.. الانتفاضة (لكل فعل رد).

ونكمل في المقال القادم الحديث عن سيرة ومسيرة فؤاد قاعود، ذلك الشاعر المدهش الذي رفض الشهرة، مكتفيا بالإخلاص للشعر إخلاصا لا حدود له.

(يتبع)

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق