ملفات

فرسان صاحبة الجلالة (2-3)

تقديم :

في الجزء الثاني من ملف فرسان صاحبة الجلالة، والذي نُعيد من خلاله نشر سلسلة من المقالات التي  أعدها الزميل الأستاذ محمد سعد عبد الحفيظ على مدى أكثر من أربعين حلقة، نقدم كوكبة من أعلام الصحافة وفرسان القلم الذي تبوأوا مكانة مهمة في بلاط صاحبة الجلالة في الفترة التي أعقبت ثورة 23 يوليو 1952 وحتى عام 1970 أي تاريخ رحيل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

صحيح أن بعض هؤلاء الفرسان بزغ نجمه أو كانت بداياته الصحفية في الفترة السابقة على ثورة يوليو، أو ما يسمى الفترة شبه الليبرالية، ومعظمهم واصل مسيرته الصحفية ايضا بعد رحيل عبد الناصر، لكن شمسهم سطعت في سماء الصحافة في الفترة اللاحقة للثورة، فصار بعضهم ملء السمع والبصر، سواء باقترابهم من السلطة ودوائر صناعة القرار في العهد الجديد، مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل، أو لأنهم لعبوا أدوارا تأسيسية في مسيرة مهنة الصحافة ونقابة الصحفيين مثل الأستاذ الراحل حافظ محمود، أو لأنهم خاضوا مواجهات أو معارك سياسية انقسم حولها المشهد الصحفي ما بين مؤيد ومعارض مثل الأستاذ جلال الدين الحمامصي،. أو لأن بعضهم ومن باب الصحافة صار نجما في سماء أخرى مثل  الكاتب الراحل فتحي غانم الذي خان الصحافة خيانة مشروعة لصالح الأدب والدراما وكتابة السيناريو.

تتعدد مشارب هؤلاء الفرسان السياسية والفكرية، وتتباين مواقفهم وأفكارهم إزاء ما شهدته مصر خلال هذه الحقبة المهمة  من أحداث كبرى، لكنهم يبقون جميعا -وبلا تحفظات- نجوما أضاءت سماء الصحافة المصرية، وبددت ظلمة العتمة من خلال ما قدموه من ثقافة وأفكار ومعرفة وتنوير، فصاروا روادا في مهنة الصحافة والكتابة والفكر، لهم تجاربهم التي ألهمت -ولا تزال تلهم- من جاء بعدهم من الأجيال الجديدة من الصحفيين.

«أصوات أونلاين»

رحلة هيكل من الجازيت.. إلى دار العودة

تحت هذا العنوان، وعلى مدى خمسة مقالات يقدم لنا محمد سعد عبد الحفيظ تجربة ومسيرة  الأستاذ محمد حسنين هيكل الحافلة من البداية إلى النهاية مرورا بكل المعارك والمحطات الصحفية والسياسية التي خاضها الأستاذ الذي عاش ومات صحفيا. فهيكل وبتعبير تلميذه الكاتب الصحفي عبد الله السناوي، هو «صانع سياسات على عهدي جمال عبد الناصر وأنور السادات حتى عام 1974 عندما افترقت الطرق، ومؤرخ للصراع على المنطقة من الداخل.. مفكر قومي لا يضارعه أحد آخر في عمق تأثيره على أجيال متعاقبة».

  المقال الأول من هذه المقالات يتناول بدايات هيكل المهنية، حيث  قضي فترة التكوين المهني الأولى 1942- 1944 في  صحيفة «الإجيبشيان جازيت» وكانت وقتها أكبر الصحف الأجنبية، ثم انتقل بعدها من الجازيت إلى آخر ساعة، وبتوجيه من أستاذه محمد التابعي تحول هيكل من الكتابة عن الحوادث إلى الكتابة عن البرلمان.

ثم يتناول المقال الثاني علاقة هيكل بثورة يوليو لحظة قيام الثورة، ثم اقترابه من قادتها وزعيمها جمال عبد الناصر، هذا الاقتراب الذي فتح عليه بعد ذلك أبواب النار سواء من معارضيها أو من محبيها، في بلاط صاحبة الجلالة، خاصة بعد أن افترقت الطرق واختلف مع أنور السادات عام 1974، وحيث اُتهم بأنه أقصى أساتذته وزملاءه لينفرد بمقعده إلى جانب السلطة، لكن الحقيقة أن السلطة هي التي سعت إلى «الجورنالجي» لأن لديه دائما ما يقوله أو ينقله من مواقع الأحداث.تقدم هيكل في عالم السياسة بقدر ما تقدم في عالم الصحافة أو بالتوازي، قال مرة ليوسف إدريس: إنه «يمارس السياسة كصحفي»،

أما المقال الثالث فيسلط الضوء على علاقة هيكل بعبد الناصر وكيف اقترب الرجلان إنسانيا وسياسيا بشكل لافت وبصورة أثارت حفيظة -وحتى غيرة – بعض زملائه في الوسط الصحفي، مثلما حدث في أبريل من عام 1955، وخلال انعقاد مؤتمر «باندونج» الذي أسس لحركة عدم الإنحياز، فقد سأل حسين فهمي نقيب الصحفيين الأسبق الرئيس جمال عبد الناصر: «لماذا تخص محمد حسنين هيكل وحده بالأخبار؟».. فأجابه ناصر بدهشة: «هذا غير صحيح، هو الذي يخصني بالأخبار». ثم تجربته الصحفية الرائدة في صحيفة الأهرام.

ويتناول المقال الرابع عن هيكل علاقته المرتبكة مع السادات حتى من قبل أن يصبح الأخير رئيسا، فعن علاقة هيكل  بالسادات يشير المقال إلى أنه عندما زار عبد الناصر مبنى الأهرام الجديد في 13 فبراير عام 1969 بصحبة نائبه السادات، شعر نائب رئيس الجمهورية أن هيكل أسس دولة مستقلة ذات سيادة، بحماية صديقه عبد الناصر، وحين تولى السادات السلطة، هاجم هيكل وحرمه من منصبه بمؤسسة الأهرام، ووصل الخلاف إلى حد منع هيكل من السفر خارج مصر، عام 1978، وفي سبتمبر من عام 1981، كان هيكل واحدا من سجناء قبضة سبتمبر 1981، التي شنها السادات على عدد كبير من المثقفين المصريين.

أما المقال الخامس والأخير عن هيكل فيجمل فيه محمد سعد عبد الحفيظ محطات اللقاء والافتراق بين هيكل ونظام  مبارك خلال سنوات حكمه الطويلة، وصولا إلى ثورة 25 يناير2011 وموقفه منها من أحداث كبرى تلته، وحتى رحيله عن عالمنا  يوم 17 فبراير 2016.

فتحي غانم.. خيانة مشروعة لـ«صاحبة الجلالة»

فتحي غانم «1924-1999»، عمل بالصحافة على مدى أربعة عقود، وفي عام 1965، فتحت نقابة الصحفيين باب الترشح لانتخاباتها، وترشح غانم في مواجهة حافظ محمود النقيب التاريخي الذي أرادت بعض دوائر السلطة إزاحته من منصبه، فدعمت غانم بشكل معلن. حسم حافظ محمود المعركة بفارق كبير، مع رحيل عبد الناصر وصعود السادات إلى رأس هرم السلطة بدأ غانم صفحة جديدة من حياته، فعُزل من عمله ومُنع من الكتابة أكثر من مرة، إلا أن أعماله الأدبية لم تنقطع قط حتى وفاته.

الحمامصي وعبد الناصر و«حديث الإفك»

عمل الحمامصي بالصحافة وهو لا يزال طالبا، أُعتقل في الأربعينات، والتقى في السجن بالسادات والكاتب الصحفي موسي صبري، وخرج من المعتقل بعد عام، ليعمل مديرا لتحرير جريدة الكتلة في العام ذاته 1944، وأنشأ صحيفة الأسبوع عام  1946، والتي استمرت سبعة أشهر فقط بعد تعرضها لخسائر مالية كبيرة. عمل الحمامصي في العام التالي رئيساً لتحرير جريدة الزمان، واستمر رئيساً لتحريرها حتي عام 1950، وفي العام ذاته انضم إلي دار أخبار اليوم، وعندا صدرت الأخبار في 1952 كان أحد رؤساء تحريرها، ثم ترك الأخبار، وعمل نائباً للمدير العام أنور السادات، في صحيفة الجمهورية عام 1954. وبعد عام واحد، كلفه عبدالناصر بإنشاء وكالة أنباء مصرية مائة في المائة، وهي وكالة أنباء الشرق الأوسط، على النمط الأوروبي، وكان أول مدير لها، عند إنشائها عام 1956.

ثم عاد رئيساً لتحرير الأخبار في 1959 ثم أُبعد، وعمل أستاذا للصحافة بالجامعة الأمريكية، وأنشأ مركزا للتدريب الصحفي بالأهرام في 1968 بتكليف من هيكل، وشارك في إنشاء معهد الإعلام بجامعة القاهرة عام 71، وأصدر صحيفة «صوت الجامعة»، ثم عاد رئيسا لتحرير الأخبار من عام 74 حتي عام 76.

الغريب في الأمر أنه كان من أشد المدافعين عن جمال عبد الناصر في حياته، وفي عهد السادات أصدر كتابا أشار فيه إلى شبهات فساد تمس عبد الناصر، الأمر الذي ثبت كذبه فيما بعد.

حافظ محمود.. الأب المؤسس لنقابة الصحفيين

يستعرض المقال رحلة شيخ الصحفيين حافظ محمود (1907 -1996) الذي شارك في تأسيس جريدة «الصرخة»، عام  1933 وترأس تحريرها وراح يكتب المقال الرئيسي بها فزجت به السلطة إلى السجن. وقد كان لحافظ محمود دور هام في تأسيس نقابة الصحفيين، وفي صباح 31 مارس 1941 تم تعيينه عضوا في مجلس النقابة المؤقت لحين تشكيل مجلس منتخب وبمجرد تأسيس النقابة اشتعل صراع عنيف داخل جمعيتها العمومية، إذ أراد أصحاب الصحف السيطرة علي ميزانية ومجلس الإدارة ومنصب النقيب، فتصدي حافظ للدفاع عن حقوق الصحفيين. وفي عام 1964 فاز حافظ محمود في انتخابات نقيب الصحفيين، واستمر حافظ نقيبا للصحفيين حتى عام  1967 لمدة أربع دورات متتالية  ، حيث فاز في جميعها ، وكان انتخاب النقيب وقتها يتم كل عام ، وبدأ في سن ميثاق صحفي معاصر وقانون للمعاشات وفي تأسيس نادي صيفي للنقابة، وقد لعب حافظ محمود دورا مهما، في إسقاط قانون 93 لسنة 1995، المعروف بقانون اغتيال الصحافة، وكان ضمن الوفد الصحفي الذي التقى الرئيس الأسبق حسني مبارك لإقناعه بخطورة مواد القانون، وعمل حتى سقط القانون في 1996.

محمود عوض.. متمرد لوجه الله

حصل محمود عوض على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ومن ثم عمل بالقسم الاقتصادي بمؤسسة أخبار اليوم، وفي عام 1965 انتقل إلى قسم الدراسات الشخصية، وتم القبض عليه في ذات العام، لمدة ثلاث أشهر، مع مصطفي أمين في قضية التخابر، ثم تمت تبرئته ، وتميز محمود عوض بكتابة السيرة الذاتية حيث وثّق السيرة الذاتية  لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب والسيرة الذاتية لكوكب الشرق أم كلثوم، وقد نكّل به السادات وعصف به موسى صبري رئيس تحرير الأخبار وأوقفه عن الكتابة عام 1977، ومن ثم خاض معركة قضائية للمطالبة بحقه فى العودة للجريدة، إلا أنه لم يكتب له الانتصار فى هذه المعركة، وفي منتصف الثمانينات، عرض عليه مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار رئاسة تحرير جريدة الحزب «الأحرار». وكتب بعدد من الصحف العربية، منها الحياة اللندنية والوطن الكويتية، واستجاب عوض لدعوة عبد الوهاب مطاوع رئيس تحرير مجلة الشباب التي تصدر عن «الأهرام» بالكتابة لجمهورها الواسع من الشباب.

كامل الشناوي.. الهارب من غدر المشاعر إلى الموت

بدأ كامل الشناوي رحلته في بلاط صاحبة الجلالة، مصححاً  لغويا ثم محررا إلى أن وصل إلى قمة الهرم  الصحفى وترأس تحرير عدد من الإصدارات، خلال تلك الرحلة التي لمعت فيها موهبته كشاعر ومحاور وأحد أطرف الساخرين في عصره.

بدأ عمله الصحفي في جريدة «كوكب الشرق» لصاحبها حافظ بك عوض، ثم «الوادي» لصاحبها الدكتور طه حسين، ومنها إلى «روز اليوسف» لصاحبتها السيدة فاطمة اليوسف، ثم «الأهرام» في عهد أنطوان الجميل حتى استقر به الأمر في «أخبار اليوم»، ثم رئيسا لتحرير «الجمهورية» بعد ثورة 23 يوليو 1952. ولأنه أشهر من أجاد الأحاديث الصحفية، فقد خصّه عبد الناصر بأول حديث له في الصحافة العربية والأجنبية علي مدي 4 ساعات بعد أن أصبح رئيسا لتحرير الجمهورية عام 1952. إلى جانب العمل بالصحافة اشتهر كامل الشناوي بأشعاره خاصة تلك التي كتبها للمطربة نجاة الصغيرة والتي قيل أنه كان أسير عشقها. وقد توفي عام 1965.

حسين فهمي.. صديق عبد الناصر ومؤسس الجمهورية

يتناول المقال العلاقة القوية التي ربطت الكاتب الصحفي الكبير حسين فهمي بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والتي بدأت عام 1935 حين كانا يدرسان معا بكلية الحقوق، قبل أن ينتقل عبد الناصر إلى الكلية الحربية، وتواصلت العلاقة فيما بينهما، وحين أراد عبد الناصر إصدار صحيفة يومية للثورة بعد قيامها بأشهر قليلة، عرض عليه فكرة إصدارها، بحيث تكون مهمتها إنارة الجماهير وتوعيتها بقضايا الاستقلال الوطني، وفقا  لما رواه حسين فهمي في مذكراته. وحين ترك حسين فهمي «الجمهورية» نتيجة خلاف بينه وبين السادات، اقترح عليه عبد الناصر تأسيس صحيفة أخرى فكانت «الشعب»، التي تركها أيضا نتيجة خلاف مع صلاح سالم، واعتزل الصحافة وظل بلا عمل سنوات إلى أن قرر عبد الناصر تعيينه رئيسا لتحرير جريدة «الأخبار» سنة 1961.فى ديسـمـبـر عام 1954 تم انتخاب حســـين فـهمـي نقيبـا للصحفـيين على بعد أن فاز على صديقه القديم جلال الدين الحمامصي، وتكرر انتخابه في 1957، و1958، و1959، و1961، كما انتخب عضوا بمجلس النقابة في 5 دورات.

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق