رؤى

20 عاما على قصف يوغوسلافيا (2 – 2): كيف تواطأ صندوق النقد الدولي على تصفية الاتحاد اليوغسلافي؟

*مايكل تشوسودوفسكى – أستاذ الاقتصاد في جامعة أوتاوا

*ترجمة وعرض أحمد بركات

«يسير تاريخ العالم عبر منحنى دائري وليس في خط مستقيم كما قد يعتقد البعض، فهو يعيد نفسه على مستوى السياقات والأنماط، حتى لو لم يكن ذلك جليا على مستوى الوقائع والأحداث»، هذا ما يخلص إليه البروفيسور مايكل تشوسودوفسكي، أستاذ الاقتصاد في جامعة أوتاوا والذى نواصل معه قراءته التحليلية الشائقة لأسباب وتفاصيل ووقائع إنهيار يوغسلافيا وتفكيك الإتحاد اليوغسلافى إلى مجموعة دول ضعيفة  عبر كتابه الذي يحمل عنوان The Globalization of Poverty and the New World Order (عولمة الفقر والنظام العالمي الجديد) وذلك بمناسبة مرور 20 عاما على القصف الغربى  الذى قادته أمريكا ضد يوغسلافيا

يقول مايكل تشوسودوفسكى فى كتابه المهم:إن السياق التاريخي الذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرضه دائما يقوم على زعزعة الاستقرار وتدمير الدول لنهبها وتجريدها من مواردها السيادية، وهو – في حقيقة الأمر – التاريخ الخفي للعالم في القرن الماضي، والذي لا يزال يطل بوجهه القبيح حتى يومنا هذا.

مايكل تشوسودوفسكي

فحلف الناتو الذي تقوده أمريكا يمثل ماكينة الحرب العابرة للحدود. والكيان الرأسمالي الإمبريالي التوسعي الذي قصف يوغوسلافيا قبل عشرين عاما، ومن بعدها العراق ثم ليبيا هو نفسه الذي يقوم حاليا بتلويث البيئة وتبديد الثروات الطبيعية. كما تقود الآلة العسكرية التابعة للقوى الرأسمالية التي تنتشر في أغلب الأنحاء الفوضى المناخية التي تشكل خطرا وجوديا على الحياة على هذا الكوكب، حيث تبلغ نسبة الانبعاثات الكربونية أرقاما غير مسبوقة في التاريخ.

وفي الذكرى العشرين للعمليات العسكرية التي شنتها منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» على يوغوسلافيا يواصل موقع «أصوات أونلاين» عرض ترجمة -نراها ضرورية- لأهم المقاطع الواردة في كتاب تشودوفسكى عن الحرب على يوغوسلافيا، ومن ورائها اشتراكية السوق. وننوه أن الطبعة الأخيرة للكتاب تضم عشرة فصول جديدة تقدم تحليلا عميقا لأسباب وتبعات المجاعة في أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، والانهيار الدراماتيكي للأسواق المالية، وانحسار البرامج الاجتماعية التابعة للدولة، والدمار الناتج عن تقليص حجم الشركات وتحرير التجارة، وكلها نكبات وأزمات عالمية تقف أمريكا وراءها

Related image

الدور المدمر

«في يناير 1990، بدأ العلاج بالصدمة. وبرغم التأثير العميق الذي تركه التضخم على الأرباح، إلا أن صندوق النقد الدولي قرر تجميد الأجور عند مستوياتها في نوفمبر 1989، وهو ما أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار بلا هوادة، وانهيار الأجور الحقيقية بنسبة 41% في الشهور الستة الأولى من عام 1990».

تحكم صندوق النقد الدولي أيضا بفاعلية في البنك المركزي اليوغوسلافي. وأعاقت سياساته المالية قدرة البلاد على تمويل برامجها الاقتصادية والاجتماعية. وبدلا من أن تذهب عائدات الدولة إلى الجمهوريات كأموال تحويلات اتجهت إلى خدمة دين بلجراد لناديي باريس ولندن. وتُركت الجمهوريات إلى حد كبير لتعتمد على أدواتها الخاصة. وفي يناير 1990، تم إطلاق الحزمة الاقتصادية بموجب «ترتيب احتياطي لصندوق النقد الدولي» (SBA) و«قرض التكيف الهيكلي من البنك الدولي» (SAL II). وأدت استقطاعات الميزانية التي تطلبت إعادة توجيه العائدات الفيدرالية صوب خدمة الدين إلى وقف أموال التحويلات الموجهة من بلجراد إلى حكومات الجمهوريات وأقاليم الحكم الذاتي.

«وبضربة واحدة قاضية، قام الإصلاحيون بهندسة الانهيار النهائي للهيكل المالي الفيدرالي ليوغوسلافيا والقضاء على مؤسساتها الفيدرالية السياسية. وعن طريق قطع الشرايين المالية بين بلجراد والجمهوريات ودعمت الإصلاحات التوجهات الانفصالية للجمهوريات التي كانت تستمد وجودها وقوتها من المشكلات الاقتصادية والانقسامات الإثنية. وخلقت أزمة الميزانية التي سببتها برامج صندوق النقد الدولي واقعا اقتصاديا كئيبا مهد الطريق أمام انفصال كرواتيا وسلوفينيا بصورة رسمية في عام 1991».

«ضربت الإصلاحات التي طالب بها الدائنون بقوة في عمق النظام اليوغوسلافي القائم على المشروعات التي يديرها العمال ويمتلكها المجتمع. ففي عام 1990، انهار المعدل السنوي للناتج المحلي الإجمالي إلى سالب 7.5%. وفي عام 1991، ازداد انخفاض هذا المعدل ليصل إلى سالب 22.5%، كما تراجع المنتج الصناعي بنسبة 21%»

Related image

اليد الخفية الساحقة

«كان برنامج إعادة الهيكلة الذي طالب به دائنو بلجراد يهدف بالأساس إلى إلغاء نظام الشركات المملوكة اجتماعيا. ونص «قانون الشركات» لعام 1989 على إلغاء «المنظمات الأساسية للعمل الاتحادي» (BAOL) التي كانت عبارة عن وحدات إنتاجية مملوكة للمجتمع وتخضع لإدارة ذاتية ويمثل «مجلس العمال» الجهة العليا المنوط بها اتخاذ القرارات. كما نص أيضا على تحويل «المنظمات الأساسية للعمل الاتحادي» إلى شركات رأسمالية خاصة واستبدال مجلس العمال بما أطلق عليه «المجلس الاجتماعي» الذي كان يخضع لسيطرة ملاك الشركات بمن فيهم الدائنون».

«شمل الهجوم على الاقتصاد الاشتراكي أيضا سن قانون مصرفي جديد يهدف إلى تصفية البنوك الاتحادية المملوكة اجتماعيا. وفي غضون سنتين فقط، أقفلت أكثر من نصف البنوك، وحل محلها مؤسسات مستقلة موجهة نحو الربح. وفي عام 1990، تم تفكيك النظام المصرفي الثلاثي، الذي كان يضم كلا من البنك الوطني اليوغوسلافي، والبنوك الوطنية للجمهوريات الثمانية وأقاليم الحكم الذاتي، والبنوك التجارية، تحت إشراف البنك الدولي. وتم تأسيس «الوكالة الفيدرالية لإعادة التأهيل التأميني والمصرفي» في يونيو 1990 بتفويض لإعادة هيكلة  وخصخصة البنوك المعاد هيكلتها أساسا تحت إشراف البنك الدولي».

Image result for ‫جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية الاتحادية ‬‎

«في أقل من عامين، أدت ما أطلق عليها «آلية التحفيز»، التي انتهجها البنك الدولي بموجب قانون العمليات المالية، إلى تسريح 614000عامل من إجمالي قوة عاملة في قطاع الصناعة تقدر بـ 2.7 مليون. وشهدت صربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا وكوسوفو أكبر عمليات تسريح للعمال وإفلاس للشركات».

«حاولت كثير من الشركات المملوكة اجتماعيا تجنب الإفلاس من خلال عدم دفع الأجور. ولم يتسلم نصف مليون عامل (حوالي 20% من القوة العاملة الصناعية) أجورهم في الشهور الأولى من عام 1990، وذلك حتى تتمكن الشركات من تلبية متطلبات الديون بموجب إجراءات تسوية نص عليها «قانون المنظمات المالية». أدى ذلك إلى انهيار البرامج الاجتماعية وإفلاس الشركات والمشروعات الصناعية وتفشي البطالة، وهو ما أفضى إلى حالة من اليأس الاجتماعي الخانق».

العلاج بالصدمة

«في أعقاب «اتفاق دايتون للسلام» في نوفمبر 1995، وجه الدائنون الغربيون انتباههم صوب الدول التي خلفت الاتحاد اليوغوسلافي. كان الدين الخارجي على يوغوسلافيا قد تم تقسيمه بعناية فائقة على الجمهوريات التي خلفتها، والتي كانت تنوء بحمل اتفاقات التكييف الهيكلي وإعادة جدولة الديون».

Related image

«بعد أن أثبتت إصلاحات الاقتصاد الشامل التي فرضها صندوق النقد الدولي على يوغوسلافيا الاتحادية فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها، كان ثم إجماع من قبل الجهات المانحة والهيئات الدولية على ضرورة اللجوء إلى العلاج بالصدمة حتى يتمكن الاقتصاد من استعادة عافيته في الجمهوريات التي خرجت من رحم الاتحاد اليوغوسلافي. في هذه الأثناء، كانت الإدارة الاستعمارية الجديدة، التي فرضها «اتفاق دايتون للسلام» ودعمتها القوى العسكرية التابعة للناتو، قد ضمنت أن مستقبل البوسنة سيتحدد في واشنطن وبون وبروكسيل، وليس في سراييفو بأي حال من الأحوال».

«أبدت الحكومات والشركات الغربية اهتماما بالغا بالوصول إلى الموارد الطبيعية الاستراتيجية. ومع اكتشاف احتياطيات طاقة وفيرة في المنطقة، اكتسب تقسيم البوسنة بين اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة «صربسكا»، بموجب «اتفاق دايتون للسلام»، أهمية استراتيجية جديدة. وتشير الوثائق الموجودة لدى الكروات والصرب البوسنيين إلى أنه تم تحديد أماكن احتياطات النفط والفحم في المنحدر الشرقي من دينارايدز ثرست، التي تم استردادها من صرب كرابينا من قبل الجيش الكرواتي المدعوم أمريكياً في العمليات الأخيرة التي سبقت اتفاقات دايتون. وكان مسئولون بوسنيون قد أفادوا أن شركة «أموكو»، التي تتخذ من شيكاغو مقرا لها، كانت ضمن شركات أجنبية عديدة بدأت عمليات مسح استكشافية في البوسنة».

Image result for ‫حقول البترول في يوغسلافيا‬‎

«تقع حقول البترول الكبرى أيضا في الجزء الذي يسيطر عليه الصرب من كرواتيا عبر نهر سافا من ناحية توزلا، حيث يقع مقر قيادة المنطقة العسكرية الأمريكية. وقد استمرت عمليات الاستكشاف أثناء الحرب، إلا أن البنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات التي اضطلعت بعمليات التنقيب أبقت الأمر طي الكتمان عن الحكومات المحلية لتمنعها من التحرك للاستيلاء على المناطق الغنية المحتملة».

يمكنك مطالعة نص الكتاب من هنا 👉

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: