رؤى

أحمد كمال أبو المجد وثنائية «السلفي» و«التجديدى» في الفكر الإسلامي

عٌرف المفكر الراحل الدكتور أحمد كمال أبو المجد، كأحد أبرز رموز مدرسة (الإسلام الوسطي المعتدل)، تلك المدرسة التي صنعت حالة في الوسط الثقافي على مدار العقود الماضية إنحازت فيها لقدرة الإسلام على صياغة مشروع حضاري معاصر، ودفعت شبهات تعارض الإسلام مع كل منجزات الحضارة الإنسانية في الفن والسياسة والقانون.

ويرجع لتلك المدرسة الفضل في إعادة الثقة بالذات لعديد من شرائح المثقفين العرب والمسلمين، بعدما نجحت في أن تصنع لنفسها أرضية خاصة تنافح من خلالها عن القيم الإسلامية، وتكشف عن وهم التعارض لدى الكثير من أتباع التيارات الإسلامية الراديكالية ما بين «الإسلام» كدين وحضارة، وما بين استيعاب الكثير من المنجزات الفكرية والثقافية التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة كمفاهيم (الديمقراطية)، و(الدستور)، و (القانون)، و (الفنون) بمختلف أشكالها وألوانها، وهو ما تجلى واضحا في العديد من المساهمات الفكرية للمفكر الراحل الذي لم ييأس حتى الرمق الأخير من محاولات وضع يديه عن أسباب الانتكاس، ومعوقات الانبعاث الحضاري.

ففي دراسة له قدمت ضمن أعمال المؤتمر الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية عام 2002 عن التجديد في الفكر الإسلامي، حاول أبو المجد الإجابة على العديد من الأسئلة الضاغطة على واقع المجتمعات والنخبة الإسلامية المتسائلة عن أوان وزمن وشروط التجديد في الفكر الإسلامي، بما يحقق حلم اللحاق بالركب الحضاري الذي تخلفت عنه المجتمعات العربية والإسلامية.

هذه الدراسة التي جاءت بعنوان «تجديد الفكر الإسلامي: إطار جديد ومداخل أساسية» بدت محاولة لتفنيد الفكرة التي تقدم الحضارة الإسلامية باعتبارها حضارة فريدة بلا سوابق في حال قوتها، أو تضعها في موضع الضحية  التي يتآمر عليها الجميع في حال تراجعها. إذ يرى الدكتور أبو المجد أن ها الطرح غير صائب، وهو أحد معوقات محاولات النهوض ذاتها، فالحضارة والثقافة الإسلامية، في نظر أبو المجد كما هي عند ابن خلدون، تمر بمراحل نمو وازدهار وأفول طبيعي كتلك التي تمر بعمر الإنسان، وهي جزء من السياق الحضاري والإنساني العام الذي لا يعرف الاستثناء.

 ولذلك فإن الدكتور أبو المجد ينفي هنا عن الحضارات الإنسانية بما في ذلك (الحضارة الإسلامية) صفة الثبات والجمود، أو وجود صفات ثابتة مطلقة لها عبر التاريخ، إذ من طابع الحضارات التطور والنضوج والوصول لمرحلة الشيخوخة والانكماش، وهو ما ينطبق على سائر الحضارات الإنسانية، ومن المشتركات الهامة أيضا بين الحضارات الإنسانية المختلفة والمتعاقبة،  وجود تيارين يتمسك أحدهما بالمحافظة والجمود، بينما يسعى الآخر إلى التطوير والتجديد بما يتناسب ومتطلبات الواقع، وأن بقاء الحضارات وتقدمها مرهون باستمرار وبقاء هذا التيار الساعي للتجديد والتطوير.

وعلى الرغم من تأكيد أبو المجد على دور الوحي (الدين) في تأكيد الثوابت الحضارية، وتحديد موقف الثقافة الإسلامية فيما يتعلق بالقضايا الوجودية والكونية الكبرى إلا أن إثارة الصراع حول امكانية الاعتماد على العقل في قراءة الوحي من عدمه، هو سؤال مفتعل- من وجهة نظره- لأن العقل كما الوحي مصدرهما إلهي، فالحضارات الإنسانية في عمومها بما في ذلك الحضارة الإسلامية تتعرض لمراحل المد القوة والنشاط كما تتعرض لعوارض الجزر والانحسار، وتحتاج للعمل على تحفيزها واستثارة روحها وبعثها من خلال الاستجابة لشروط التطوير التي تجري على سائر الحضارات الانسانية.

ثنائية غير محمودة

ينتقل أبو المجد لتطبيق فكرته السابقة في رصد تيارين أساسيين تجاذبا الثقافة الإسلامية على مدار تاريخها، أحدهما محافظ يتمسك بظاهر النصوص، ويظن أنه بذلك إنما يحافظ على ثوابت الإسلام، معتقدا أن هذه النصوص وحدها هي ما تمثل الخصائص الذاتية للإسلام وما يرتبط بها من اعتقادات، في مقابل تيار آخر يسعى للتجديد معتمدا على العقل، ومعتقدا بأن النصوص ارتبطت بسياقات وظروف تاريخية..هي بطبيعة الحال متغيرة بتقدم الزمن، وتغير الظروف والسياقات، وفي حين يسمى التيار الأول ب(السلفي) يتسمى الآخر بالتيار ( التجديدي) مستندا للحديث الشريف بأن الله يرسل لهذا الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. وقد انبثق عن هذين التيارين فيما يختص بالفقه وأصوله ما عرف بمدرسة  (الحديث) بالمدينة، ومدرسة (الرأي) التي نشأت  في كل من بغداد و الكوفة. وقد صار الصراع والجدال بين هذين التيارين يستهلك جهدا كبيرا من طاقة المسلمين، ويقف حجر عثرة في طريق محاولة النهوض والانطلاق الحضاري.

 ويبدي أبو المجد انحيازه التام والضروري للتيار الثاني، توافقا مع روح النصوص القرآنية ومصداقا للآية الكريمة (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)..

من هنا ينطلق أبو المجد في إحصاء وتوضيح مثالب التيار الأول الرافض للإصلاح والتجديد في حركة معاندة لحركة التاريخ،  وأول هذه السلبيات التي يرصدها أبو المجد  هو الوقوف عند الأحكام الفرعية التي يستقونها من ظاهر بعض النصوص، دون الوقوف على المقاصد الكلية، أو النظر في إمكانية تغير الأولويات باختلاف الأزمنة والأمكنة، ثم تقديم سوء الظن إزاء كل محاولة للاجتهاد والتجديد باعتبارها محاولة للنيل من الدين، والمبالغة في تقديس أشخاص وآراء وفتاوى علماء القرون الأولى ،والذين باتوا يحظون بقدر من القداسة مرتبط بتقديس القرون الأقرب لزمن النبوة (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم).

 ويؤكد أبو المجد على أن الأمة الإسلامية ليست مٌلزمة بتكرار كل ما  يتعلق بالقرون الأولى، بل هي مطالبة بالتحديث والتطوير والإبداع، فليس صحيحا أن كل محدثة بدعة وإنما هناك ابتداع محمود بما يخدم مصالح المسلمين ولا يعارض المقاصد الكلية للشارع الحكيم.

ثمة سلبية أخرى يرصدها أبو المجد فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر المختلف حضاريا، إذ يقف التيار الرجعي موقف العدو الجاهل إزاء كل فكرة وافدة ،والتقوقع داخل حدود الإسلام التاريخي والإسلام الجغرافي، والحضارات إنما تنهض بالتلاقح والتثاقف والتأثير المتبادل، هذه الأفكار في جملتها إنما تعمل على انكماش المسلمين وتراجعهم، وتلزم المسلمين بما لم يلزمهم به الله، فالعقل المسلم في حاجة إلى أن يناقش ويقتحم في كل جرأة وجسارة وثقة كل مقولة تحبط محاولات التجديد والانطلاق.

ويختتم أبو المجد دراسته بعدد من التوصيات الهامة والتي يأتي على رأسها التأكيد على أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، وإسدال الستار على تلك الثنائية الفكرية بين التيارين المحافظ والتنويري والتي سممت الحياة على ملايين المسلمين، فما دام الغرض هو صالح الناس ومنفعتهم فالتناقض موهوم ومفتعل ولا يخدم أيا من الطرفين، وقد آن الأوان ليعود العقل إلى عرشه و مكانه ومنزلته كما كرمه الله، وليكون لدينا قدرة الإنفتاح على الآخر الحضاري والأخذ عنه بعقلية الواثق في دينه وفي ذاته، فتصور إمكان العزلة وأن يعيش المسلمون بمعزل عن العالم وعن مسار الحضارة والتاريخ هو توهم غافل عن حقائق التاريخ.

 

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: