رؤى

إصلاح التعليم الديني في مصر.. عقبات ومسارات

التعليم «الديني» ظاهرة موجودة في العديد من البلدان العربية والإسلامية، فعلى سبيل المثال توجد مدارس «الزيتونة» في تونس، ومدارس الحوزات الشيعية في العراق وإيران، وأبرز وأقوى هذه النماذج للمدارس الدينية في الوطن العربي تتمثل في المدارس والمعاهد وجامعة الأزهر في مصر، حيث تتنشر المعاهد الأزهرية في جميع ربوع البلاد.

 Image result for ‫مدارس الزيتونة بتونس‬‎

جامعات وجوامع

من الكتب المهمة التي تتناول موضوع التعليم الديني في مصر، كتاب «جامعات وجوامع.. جدل التعليم المدني والديني» للدكتور عمار علي حسن الذي صدر بداية هذا العام 2019، عن دار غراب للنشر والتوزيع في نحو ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط. يناقش هذا الكتاب العديد من قضايا التعليم الديني والمدني، ساعيًا لوضع خارطة لإصلاحه وتخليصه من الأفكار التي قد تؤدي إلى التعصب والتطرف، وسنركز في هذا المقال على تلك القضايا التي تخص التعليم الديني في الكتاب.
ويثير الكتاب العديد من القضايا الجديرة بالمناقشة حول سبل إصلاح التعليم الأزهري، بل والتعليم الديني بشكل عام بحيث يكون داعما بالفعل لقيم الحوار والتسامح وقبول الرأى الآخر، طالما كان ملتزما بالأسس المنهجية المعتمدة للعلوم الإسلامية، وهو ما يحول دون أن يصبح التعليم الديني في بعض الأحيان منصة يمكن أن تغذي التشدد والتطرف دون قصد، وينتهي بانتشار خطاب ماضوي سلفي، يرفض كل جديد، ويعيش في الماضي، وهو المناخ الذي يصب في النهاية لصالح الجماعات التي تنتهج العنف والإرهاب سبيلًا لفرض أفكارها على المجتمع.

د. عمار علي حسن وكتابه «جامع وجوامع»

تعليم أم تعاليم؟

في كتابه يعقد الدكتور عمار علي حسن، مقارنة مهمة للتفريق بين التعليم والتعاليم، يخلص فيها إلى أن التعليم قائم على الحوار والأخذ والرد والنقاش، فيما التعاليم تعتمد على التلقين، والتصديق، كما أنها يقينية مقطوع بها، غير قابلة للنقاش، فالتعليم لا يضع أمام العلم والمعرفة أي سدود أو قيود، بينما «التعاليم» تتجافى مع طبيعة العلم المتسائلة المتشككة دومًا. فإذا كان الإيمان والعلم يسعيان للوصول إلى الحقيقة، فلكل منهما طريقه  في ذلك.. الحقيقة الدينية تنزل عن طريق الوحي وغير قابلة للشك، ثابتة وراسخة، بينما الحقيقة التي يبتغيها العلم متغيرة ومتجددة، وهذا ما فطن إليه العديد من المفكرين العرب منذ القدم. فالفيلسوف العربي الكبير ابن رشد يرى أن الوحي الذي جاء به القرآن لا يهدف إلى إعطاء الناس علماً، وإنما يهدف إلى هدايتهم وإصلاحهم، وليس غرض الشارع في رأيه تلقين العلم، بل أخذ الناس بالطاعة، وبالأعمال الصالحة،  ويضرب مثلًا على ذلك بأن القرآن على سبيل المثال قد ذكر أن الله قد خلق الكون، لكنه لم يوضح كيف تم هذا الخلق، ولا زمانه.

فإذا كانت التعاليم مقبولة في الأمور الإيمانية، فهي مرفوضة تمامًا في العلم، ويجب أن تكون الإجابة على سؤال ماذا تقدم المدارس تعليما أم تعاليم؟ هي الفيصل في الحكم على جودة التعليم أيا كان نوعه مدنيا أو دينيا. وفي هذا الصدد يرى الدكتور عمار، أن التعليم الديني في مصر قد ألقى بظلاله على التعليم المدني في بلادنا، فصار المدرس ينهض بدور الشيخ الواعظ، وتحولت المدارس إلى أشبه بالكتاتيب التي كان «العريف» يقوم فيها بتحفيظ الأطفال بعض سور القرآن والأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقواعد الإملاء والنحو، التي كانت تقتضي في مراحل متقدمة أن يحفظ الطفل ألفية ابن مالك عن ظهر قلب.

Image result for ‫إصلاح التعليم الديني في مصر‬‎

عيوب التعليم الديني

ومن القضايا المهمة التي رصدها الكتاب هي عيوب الخطاب السائد في مضمون التعليم الديني وأسلوبه. وهنا يحدد الدكتور عمار عشرة عيوب أساسية في النهج الخاص بالتعليم الديني، وهى «المبالغة، و الصخب، والحدة، والنفعية، و التقليدية،  والمحافظة، والتأزم، التفليق، الإطلاقية، والإقصاء». ويلاحظ أن هذه العيوب العشرة لا تقتصر على بعض العلماء العاملين في التعليم الأزهري وحده، وإنما تمتد – وربما بشكل أكثر حدة – إلى  بعض التيارات الدينية سواء في على القنوات الفضائية الخاصة، أو في الخطب والدروس بالمساجد، بل إن هذه العيوب أكثر التصاقًا بالتعليم الديني غير الرسمي.
لكن أكثر هذه العيوب خطورة، هو خطاب الأزمة الذي يصدره بعض القائمين على التعليم الديني، وهو خطاب يرى أن المسلمين تخلفوا بينما تقدم غيرهم، ليس بسبب إهمال العلم، ووضع المتشددين له في صراع مع الدين، إنما نتيجة ترك الإسلام، ونشدان العزة في غيره.

ويرى الدكتور عمار «إنه وفي العموم لو راجعنا المناهج والكتب المعتمدة لآلاف المدارس الدينية ومعاهدها ومراكزها المنتشرة على امتداد العالم الإسلامي سنجدها بعيدة عن علوم ومعارف وثقافات العصر، ومعزولة عن أهداف الناس واحتياجاتهم، وتلقن الطلاب رأيا فقيها أحاديا، يقدم نفسه بوصفه حقيقة لا تقبل النقاش ولا الجدل ولا الاختلاف في الرأي، وتركز على تدريس مغلوط لبعض القضايا والمفاهيم، مثل الجهاد والحسبة والولاء والبراء والحاكمية والشريعة والخلافة.. الخ، وتختار من الآراء الفقهية أكثرها غلوا وتشددا، وتنغمس في الغالب الأعم في خلافات حول أمور شكلية، تتعلق بقشور الدين ومظاهره، لا لبابه وجواهره».

إشكالية التعليم الأزهري

أما القضية الثالثة التي من الضروري عرضها هنا، فتتعلق بالإشكالية التي تواجه التعليم الأزهري، والخيارات المطروحة أمامه، والمتمثلة في الاستمرار في التركيز على علوم الدين فقط، أم المزاوجة بين علوم الدين وعلوم الدنيا، التي فرضتها التطورات، وتخصصت فيها جامعات مدنية، دونما تفاعل خلاق بين النوعين من العلوم. أما الخيار الثالث فهو عصرنة العلوم الدينية بحيث تستفيد من عطاءات العلوم الأخرى، والتطور الذي شهدته مناهج العلم في القرنين الأخيرين، والذي ظل غائبا عن تجربتنا التاريخية والمعاصرة.

ويلفت الدكتور عمار أن هناك اتفاقا تاما بين الأزهريين علي الخيار الأول، اقتناعا منهم بأن الدور الأساسي للأزهر هو العناية بعلوم الدين ورعايتها، لأن هذه هي المهمة الرئيسية التي علي الأزهر أن ينهض بها، بينما هناك خلاف فيما بينهم على الخيار الثاني، فهناك فريق منهم يتمنى أن يتوقف الأزهر عن تدريس العلوم التي تنهض بها الجامعات المدنية، ويتفرغ للدراسات الدينية، وحجتهم في ذلك أن انشغال الأزهر بغير العلوم الدينية أثر على اختصاصه الأساسي، فلا هو تقدم بعلوم الدين إلى المستوى المطلوب حاليا، ولا قدم إسهاما في علوم الدنيا يساوي ذلك الذي حققته الجامعات الأخرى، وزادت حجة هؤلاء من ظهور مهنيين وطلاب دراسات عليا منتمين إلى جماعات وتنظيمات متطرفة من خريجي الأزهر، وهى ملاحظة تبقى لها قيمتها رغم تأكيد الإحصاءات على أن هؤلاء تبقى نسبتهم محدودة مقارنة بغير الدارسين في الأزهر.

أما الخيار الثالث، فيثير جدلًا كبيرًا في أوساط الأزهريين، بل إن من بينهم من ينظر إليه بعين الريبة، لأنه سيؤدي  إلى تفكيك العديد من المقولات والتصورات التي يتعامل معها البعض، على أنها ذات قداسة بدرجات متفاوتة، رغم أنها منتج بشري.

الإصلاحيون في الأزهر

والقضية الرابعة التي يتطرق اليها الكتاب فتتعلق بما يعانيه الإصلاحيون في الأزهر وفي المؤسسات القائمة على التعليم الديني، من حصار وتهميش. حيث تتم الحيلولة بينهم وبين تطبيق ما يرونه، وتضيع شكواهم سدى، مع غيبة الإرادة الحقيقة في الإصلاح الديني، وبدلا من أن ينفتح الأزهر على التنويرين أو الإصلاحيين من داخله، فإذا به يضيق الخناق عليهم.

أما القضية الأخيرة فهي مرتبطة بالقضية السابقة، وهي أن الكثير من الأفكار الإصلاحية التي يقدمها بعض الدعاة والمفكرين، الذين يعملون خارج المؤسسات القائمة على التعليم الديني، لا تجد طريقها إلى المناقشة الجادة داخل الأزهر، خاصة أن من يقومون بالتدريس في هذه المؤسسات يتعمدون تشويه أصحاب هذه الأفكار متهمين إياهم، إما بأنهم «غير متخصصين»، وهو الاتهام الأقل ضراوة أو بأنهم «متغربون ومتأمركون» أو علمانيون يعملون على هدم الإسلام.
وفي ختام كتابه يقترح الدكتور عمار السير في ثلاثة مسارات متكاملة لإصلاح التعليم الديني الرسمي. المسار الأول يتمثل في إصلاح المؤسسات من أعلى: والمقصود هنا وضع قوانين وتشريعات وخطط لإصلاح المناهج، والثاني الإصلاح الذاتي: وهو خيار أفضل، لكنه يتطلب أن يأتي على رأس المؤسسات التعليمية الدينية، أو تلك التي تنتج الخطاب الديني، من يؤمن بأهمية الإصلاح ويعمل من أجله، ويمتلك الرغبة الدائمة والقدرة على النهوض بهذه المهمة، أما المسار الثالث  فهو المساعدة من خارج الأزهر، من خلال المؤمنين من خارج مؤسسات التعليم الديني، بأن إصلاحه ضرورة اجتماعية، وأن التأخر في ذلك لا يضر خريجي هذا النوع من التعليم فحسب، بل يمتد ضرره إلى الجميع  وهذا  المسار يقتضي تضافر جهود نخبة من العلماء والمثقفين من داخل الأزهر وخارجه لتجسير الفجوة بين الطرفين .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: