دار الكتب

حلمي شعراوي ورحلته مع إفريقيا.. السيرة الذاتية حين تكتب التاريخ

يُعد حلمي شعراوي بلا مبالغة شيخا للدراسات الإفريقية، فهو المفكر المصري المهموم والمفتون بأفريقيا، الداعي دائما إلى المزيد والمزيد من التقارب والارتباط بين مصر ومحيطها الإفريقي، بدأ ارتباطه بأفريقيا مبكرا من خلال عمله بمكتب شئون إفريقيا بمؤسسة الرئاسة فى عصر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذى كان داعما وسندا للشعوب الإفريقية ولحركات التحرر بالقارة السمراء.

فقد عمل حلمي شعراوي في عام 1960 منسقا لمكاتب التحرير الإفريقية بمصر وكان عددها وقتها 23 مكتبا ،وكانت أولى زياراته الإفريقية في عام 1961 حين سافر ضمن وفد مصري إلى تنجانيقا (تنزانيا)، للاحتفال بمرور عام على استقلالها، وهناك فُتن شعراوي بهذا البلد الإفريقي، فتخلف عن العودة مع الوفد المصري، ليقيم في تنجانيقا بعض الوقت دارسا ومحللا، وليبدأ تاريخ ودور للرجل فى الشأن الإفريقي لا يمكن تجاوزه.

عاشق إفريقيا

إفريقيا الثقافة والنضال وحركة التحرر الوطني، كانت محور كتاب «حلمي شعراويسيرة مصرية إفريقية»، للكاتب والباحث، عاشق إفريقيا، المناضل الداعم لحركات التحرر الوطني الإفريقي، هذا الكتاب الذي كان موضوعا للمناقشة من جانب نخبة من الباحثين والكتاب والمفكرين، بالصالون الثقافي لدار العين للنشر، التي تبنت نشر الكتاب، لتضيف للمكتبة العربية،  عملا موسوعيا هاما في تناول تاريخ وقضايا قارة إفريقيا.

أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، الدكتور أحمد زايد اعتبر أن هذا الكتاب، سيرة ذاتية، كتبت بطريقة مغايرة تماما لما هو متعارف عليه في كتابة السير الذاتية، فوفقا لوصف زايد، فإن «حلمي شعراوي يكتب سيرته منخرطا في إفريقيا، فيتلاحم الجسد الإفريقي مع جسد حلمي، ليصبحا جسدا واحدا، فحلمي يتحدث عن نفسه، وعن إفريقيا في آن واحد، فتشعر بأنه  إفريقيا، وإفريقيا هي حلمي».

ويشير زايد إلى أن حلمي شعراوي عاش حياته من أجل قضايا إفريقيا، وتعددت سفرياته إلى مختلف المدن الإفريقية، وآمن ايمانا شديدا بأن مصر تحيا بإفريقيا، وإفريقيا تحيا بمصر، كما لو كانت مصر هي الرأس وإفريقيا الجسد.

وقد توقف زايد عند تناول الكتاب للدور العظيم الذي لعبته مصر في دعم حركات التحرر الوطني بإفريقيا، ودور حلمي شعراوي في هذا الإطار، غير أن الكتاب ينتهي إلى إنحصار الدور الراهن لمصر، فيما يتعلق بقضايا إفريقيا، الأمر الذي دعا أحمد زايد إلى التاكيد على أهمية أن يتم قراءة هذا الكتاب من قبل مسئولي الدولة في مجال العلاقات المصرية الإفريقية، حيث يعد الكتاب وثيقة جيدة يمكن أن تفيد وتوجه صانع القرار المصري في تعاطيه مع الشأن الإفريقي الراهن.

الدكتور والأديب إيمان يحيى، وصف كتاب حلمي شعراوي بأنه «قطعة حية من تاريخ مصر وإفريقيا»، فالكتاب يتضمن شهادة حية عن الجامعة المصرية في الخمسينات، إلى جانب تناول الدور الهام الذي لعبته دراسات الفلكلور (التراث الشعبي) التي تخصص فيها حلمي شعراوي، في بداية حياته العلمية وتعامله مع قضايا إفريقيا. وهنا يشير إيمان يحيى إلى الدور البارز الذي لعبه أحمد رشدي صالح، والذي تتلمذ حلمي شعراوي على يديه، كأحد الرواد المؤسسين لدراسات الفلكلور في مصر، والذي تم نسيان دوره وجهده التأسيسي من قبل الأكاديميين المصريين، على حد وصف إيمان يحيى.

يختتم يحيى حديثه بطرح عدد من التساؤلات متوجها بها إلى حلمي شعراوي، حول الوضع الراهن فيما يتعلق بدراسات الفلكلور والتراث الشعبي، إلى جانب الوضع الراهن فيما يتعلق بالدراسات الخاصة بقضايا إفريقيا، ودور مصر الحالي في إفريقيا ومستقبل العلاقات المصرية الإفريقية، إضافه إلى تساؤله عن كيف تمكن حلمي شعراوي، من الجمع بين العمل الرسمي بمؤسسة الرئاسة المصرية، والإنتماء لجموع اليسار المصري في آن واحد؟

رحلة ممتدة

السفير سمير حسني رئيس هيئة التعاون المصري الإفريقي، بجامعة الدول العربية، والباحث المتخصص في مجال الدراسات الإفريقية، وهو واحد ممن تتلمذوا على يد حلمي شعراوي، قال إن عنوان الكتاب كان يجب أن يكون «حلمي شعراوي .. سيرة مصرية عربية وإفريقية»، فحلمي شعراوي لم يكن فقط  فاعلا في مجال القضايا الإفريقية، وإنما إلى جانب ذلك كان فاعلا في مجال العلاقات المصرية العربية الإفريقية.

ويؤكد سمير حسني على أهمية تلك المذكرات وكيف أنها ستلعب دورا بارزا في فهم قضايا إفريقيا، حيث جمع حلمي شعراوي بين خبرة التجوال في إفريقيا على مدى أكثر من نصف قرن، إلى جانب مناصرته لحركات التحرر الوطني في إفريقيا، وبين مشاركته في العديد من اللقاءات الفكرية والثقافية، في الجامعات الإفريقية، وهو ما يجعل هذه المذكرات بمثابة رحلة ثقافية فكرية نضالية ممتدة عبر إفريقيا.

من جانب أخر  أشار سمير حسني إلى دور حلمي شعراوي- عبر كتاباته المختلفة -في التعريف بعدد من كتاب ومفكري إفريقيا، إلى جانب التعريف بمختلف التحديات الثقافية التي تعوق بناء الدولة الحديثة بإفريقيا.

خارطة طريق للتفاعل مع إفريقيا

الدكتورة أماني الطويل الخبيرة في الشؤون الافريقية ومساعد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مداخلتها خلال الندوة، تشيد بهيكل وتنظيم الكتاب، الذي قالت إنه ينقل القارئ من مرحلة إلى أخرى بسلاسة ويسر. وفي هذا الإطار نوهت بحرص حلمي شعراوي على التأكيد على الدور الهام  الذي لعبه العديد من أصدقائه في فتح العديد من المجالات التي مثلت نوافذ جديدة رسمت وشكلت معالم رحلته. وتضرب المثال بإلتحاق حلمي شعراوي بالرابطة الإفريقية بالزمالك والتي تعرف عليها عبر صديقه فتحي صالح، وكيف أن تلك الخطوة شكلت مسار رحلته فيما بعد.

الأمر اللافت للنظر في تلك المذكرات – من وجهة نظر أماني الطويل- يتمثل في حرص شعراوي على الإستعانة بالعديد من الوثائق، لتوثيق مختلف الأحداث التي يتناولها، فكأنه ،وهو يروي سيرته الذاتية، يقوم في ذات الوقت بالتوثيق لمرحلة هامة من تاريخ العلاقات المصرية الإفريقية. فالمذكرات بصفة عامة تعد بمثابة: «درس في كيفية التعاطي مع الشأن الإفريقي، أي الطرق نسلك، وأيها لا يصح، المذكرات تكشف لنا أهمية أن تكون هناك دراسات عن دور مصر في حركات التحرر الوطني في إفريقيا».

في هذا الإطار تروي أماني الطويل واقعة تقديم عبد المنعم القيسوني وزير التخطيط ووزير المالية الأسبق، ورقة إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تم نشرها بمجلة روزاليوسف في اليوم الأول من يناير عام 1956، وتتضمن خارطة طريق لكيفية تفاعل مصر مع إفريقيا، وما هى آليات العمل التي يجب ان تستند عليها خارطة الطريق تلك، من توظيف لمجمل أدوات ومؤسسات الدولة المصرية، لتفعيل دور مصر في إفريقيا. لكن المؤسف في الوضع الراهن ،وفقا لأماني الطويل، أن مثل هذه الآلية لم تعد متاحة الآن، حيث لا يوجد تنسيق فيما بين مؤسسات الدولة التنفيذية بعضها البعض، ذلك أن البيروقراطية المصرية حتى اللحظة الراهنة، تلعب دورا في إعاقة العلاقات المصرية الإفريقية.

هنا تشيد أماني الطويل بدور دورية «أفريقيون» التي تصدر عن مركز البحوث والدراسات العربية والإفريقية، الذي يديره حلمي شعراوي، في نقل الخبرات البحثية فيما يتعلق بقضايا إفريقيا، وبالدور الذي لعبه شعراوي في دعم حركة البحث المتعلقة بقضايا إفريقيا، حيث دأب على تقديم جائزة مالية لأفضل الدراسات المتعلقة بالقضايا الإفريقية، من ماله الخاص، وهو العمل الذي لا يوجد مثيل له في مصر، في مجال دعم مثل تلك الدراسات.

يعقب حلمي شعراوي، على مجمل ما قد أُثير بأعمال الندوة، بالإشارة إلى أن هذا الكتاب جاء استجابة منه لمطالبة العديد من أصدقاء رحلته في الحياة، بضرورة رواية شهادته بشأن علاقته بإفريقيا، وأنه بدأ كتابة تلك المذكرات في يوم عيد ميلاده عام 2016، وانتهى منها في عيد ميلاده عام 2018، على أن تتولى الدكتورة ريم أبو الفضل المدرس بكلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن، ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية، إضافة إلى دورها في تحرير النص العربي في صورته النهائية.

يروي حلمي شعراوي عن شغفه الشديد بدراسة علم الأنثروبولوجيا، وكيف أنه كان يتمنى أن يصبح أستاذا في هذا العلم، وكيف أن شغفه هذا ساعده  في دراسة الفلكلور والدراسات الإفريقية، ومن ثم يروي شذرات من مساهماته المختلفة في حركات التحرر الوطني في إفريقيا، وكيف كان حريصا عند تناوله لتلك المواقف أن يشير إلى أحد الشهود على تلك الوقائع.

ذكريات

روى حلمي شعراوي كيف تمكن من التنقل بسلاسة بين دوره في العمل بمؤسسة الرئاسة في الصباح، في الستينات، والسهر مساء مع اصدقائه من اليساريين، على أحد المقاهي المنتشرة آنذاك، والتي كانت مقر تجمع العديد من المثقفين، بوصفها مركزا ثقافيا، إضافة إلى كونها مركزا للتعبئة السياسية. وهنا يشيد حلمي شعراوي بإنتشار العديد من الدوريات في فترة الستينات، مثال مجلة الطليعة والسياسة الدولية ومجلة الكاتب، والفكر المعاصر، ومجلة المجلة، وكلها تمثل تيارات فكرية مختلفة، فهي لم تكن مجرد إصدارات فحسب، وإنما كانت هذه المجلات تمثل مواقع للتفكير الحر.

يختتم حلمي شعراوي حديثه بالتعقيب على الأحداث الجارية بالجزائر والسودان، مشيرا إلى أن مختلف الأحزاب السياسية، بمختلف دول العالم، قد شهدت حالة من التراجع، حيث تهاوى دورها، وحلت مؤسسات وهيئات المجتمع المدني محلها، مثل تجمع المهنيين بالسودان الذي يلعب دورا محوريا في الحراك بالسودان. تراجع دور الأحزاب بهذا الشكل سيكون له – وفقا لشعراوي –جانب سلبى في مجتمعاتنا العربية بشكل عام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تقرير مهم عن لقاء مهم بخصوص كتاب مهم عن شخصية متفردة فى وطنيتها و انسانيتها.
    هذه الشخصية الراءعة تمثل نموذج غير عادى لمايطلق عليه منظومة خبرات أو Expert System.
    بلاشك هو كتاب عظيم لرجل عظيم .
    ومع تقديرى لهذا الموقع وللناشر وللمعقبين، فإن إيمانى بعظمة هذه الشخصية يجعلنى أذكر بأن جاءزة النيل ترتفع قيمتها إذا ما إحتفت به.

  2. تقرير مهم عن لقاء مهم بخصوص كتاب مهم عن شخصية متفردة فى وطنيتها و انسانيتها.
    هذه الشخصية الراءعة تمثل نموذج غير عادى لمايطلق عليه منظومة خبرات أو Expert System.
    بلاشك هو كتاب عظيم لرجل عظيم .
    ومع تقديرى لهذا الموقع وللناشر وللمعقبين، فإن إيمانى بعظمة هذه الشخصية يجعلنى أذكر بأن جاءزة النيل ترتفع قيمتها إذا ما إحتفت به.
    محمد رؤوف حامد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق