ثقافة

ثورة 1919 في أدب نجيب محفوظ: الأمثولة التي تتجاوز الزمن لتصبح درسا أبديا

ثمة اشتباك وتشابك متواصلان بين الأدب والتاريخ، وكثيرا ما ينظر البعض لأحداث تاريخية من منظور عمل أدبي ما تناول فترة زمنية دارت فيها تلك الاحداث. ورغم أن «الغير منحاز هو غير موجود» وهو ما يعني انحياز الكاتب لوجهة نظر ما في تلك الأحداث والوقائع التاريخية، إلا أن ذلك لا ينفي تلك الأهمية الكبيرة التى تحظى بها الأعمال الأدبية التى تتناول أحداثا تاريخية معينة.

وإذا اعتبرنا أن التاريخ نفسه له زوايا عديدة للنظر، فالتاريخ السائد بالضرورة هو تاريخ المنتصر، لكن المهزومين أيضا لهم تاريخهم وروايته، وبالطبع لم يخرج الأدب عن هذا الإطار وإن كان الخيال يلعب دورا أكبر في سرد ذلك التاريخ لسبب أو لآخر.

نجيب محفوظ وثورة 19

علاقة الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ بثورة 1919، كانت علاقة شغف وإيمان كامل، ليس باعتبارها حدثا تاريخيا مهما مر فى تاريخ مصر الحديث وحسب، ولكن بقيمها وما نادت به، وشعاراتها المرفوعة، كقيم مستقلة قابلة للتطوير وصالحة لكل العهود التي عاصرها محفوظ بعد ذلك دون الوقوع في فخ النوستالجيا  والبكاء على الماضي والتقوقع داخله، مع التعلم منه ومن أخطائه حتى يتم تجنبها في تجربة جديدة، وهو ما جعله في حالة خلاف ممتد مع ما عاصره من أحداث بعد ذلك.

هذه العلاقة اللافتة بين نجيب محفوظ وأدبه  وبين ثورة 19 كانت محل نقاش في الندوة التي نظمها «مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي» منذ أيام وتحدث فيها، الناقد الدكتور حسين حمودة أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة، وقدمها الإعلامي رامي شفيق.

حسين حمودة                             رامي شفيق

في البداية أوضح حمودة أن ثورة 19 في كتابات محفوظ يمكن أن تنقسم إلى قسمين:، الأول موجود في الكتابات غير الأدبية لمحفوظ أو في لقاءاته وأحاديثه مثل الحوار المطول مع رجاء النقاش والذي تحول إلى كتاب فنعرف منه مثلا أن «أول مظاهرة شارك فيها نجيب كانت وهو في السابعة من عمره، في ميدان بيت القاضي، وظن أنها زفة فتوات، وسأل نفسه حينها من يكون هذا الفتوة صاحب هذه الزفة، كما يقول نجيب نفسه، وهذا الحضور في فترة مبكرة ظل ملازما له طيلة حياته، وهو يشير إلى بعض القيم التي تشرب بها منذ الصغر».

نجيب محفوظ صغيرا

ويشير حسين حمودة إلى أنه «نجيب محفوظ، وفي كتاب له ليس أدبيا هو «أمام العرش» تطرق لمسألة محاكمة زعماء مصر عبر التاريخ منذ المصريين القدماء وحتى مبارك، وقد توقف أديب نوبل في هذا الكتاب أمام شخصيتين هما سعد زغلول ومصطفى النحاس، حيث يشير في الكتاب إلى أبنوم، أول من قام بالثورة في التاريخ المصري القديم، والذي يرحب بسعد زغلول ويعتبره خليفته وحبيبه بنص الكلمات في «أمام العرش» وخوفو الذي كان ناقما بشكل ما على أبنوم، يقول أن ثورة أبنوم كانت ثورة نخبة،ولكن ثورة 19 كانت ثورة شعب».

من الرصد إلى الاشتباك

أما القسم الثاني من علاقة محفوظ بثورة 19، حسب حسين حمودة، فيتصل بحضور تلك الثورة في أعمال نجيب الأدبية، والذي قسمه حمودة بدوره أيضا إلى عدة مراحل: أولها مرحلة الرصد والتي نراها مركزة في «الثلاثية» التي كتبت في نهاية الأربعينيات ونشرت في منتصف الخمسينيات، وخاصة الجزء الخاص بـ«بين القصرين» وتجربة فهمي بشكل خاص، لأنه يقدم ما يشبه يوميات ثورة 19، فيشير إلى الإضرابات ومشاركة الطلاب من كليتيْ الحقوق والمهندس خانة ثم اتساع نطاق الثورة وتوالي أحداثها. لكن محفوظ يرصد تلك الوقائع ليس من منظور المؤرخ بل من منظور الراوي، الذي يوازي شخصية فهمي من خلال الانخراط فيها والانفعال بها، ونرى رصد فهمي للمشهد الكبير وتحرك الجموع من ميدان المحطة «رمسيس» إلى ميدان عابدين ويشير إلى مشاركة طوائف الشعب المصري كله كجسد واحد، ويقول نجيب على لسان فهمي «تحولت المظاهرة إلى جسد لا ينفذ منه الرصاص»، لكن الرصاص يصيب المظاهرة ويموت فهمي في تلك المظاهرة».

مشهد المظاهرات «فيلم بين القصرين»

وينطلق محفوظ إلى مرحلته الثانية بعد الرصد، وهي مرحلة الرؤى المتعددة للثورة أو الأصوات المختلفة، فنجد، والكلام لحسين حمودة، أن الثورة ظهرت في أعمال أخرى لنجيب مثل حديث الصباح والمساء، وقشتمر، وميرامار، لكن تلك الإشارات في هذه الروايات لا تقف عند حدود الرصد ولكنها أصبحت موضع المداولة والنقاش، بمعنى أنها أصبحت ترصد من زوايا متعددة.. فمثلا في رواية «ميرامار»، والتي نتابع  فيها شخصية عامر وجدي الوفدي القديم، وهي رواية أصوات متعددة، فنفس الأحداث تروى من شخصيات متعددة تنتمي لخلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، وبالتالي تنظر للثورة بوجهات نظر متباينة، فلن نجد صوت عامر الوفدي فقط ولكن نجد مثلا شخصية طلبة مرزوق الإقطاعي الذي كان يرى الثورة وبالا وشرا مستطيرا، وهكذا تصبح الثورة في أعمال نجيب محفوظ التالية، موضعا للتداول والاشتباك، لأنها تُرصد من زوايا مرتبطة بشخصيات ليست فقط متعددة ولكن مختلفة ومتباينة.

ويرى حمودة «أن ذلك التطور في أعمال نجيب نابع من أن محفوظ كان يعي أنه كاتب روائي وليس مؤرخا، وبحكم ذلك هو مسئول أن يجسد شخصيات مختلفة ومتباينة ولا تمثل صوته فقط بل شخصيات مستقلة عنه، والأمر نفسه في رواية قشتمر».

والمرحلة الثالثة في تطور التعامل الأدبي مع ثورة 19 في أعمال نجيب محفوظ «هي مرحلة يسميها حسين حمود بـ«التحسر أو التأسي» على ما آلت إليه الثورة، فبعد توهجها كانت هناك أحداث تالية مؤلمة مثل وفاة سعد زغلول، بعد هذا الرصد المرتبط بالانفعال بالثورة ثم المداولة حولها نصل إلى التأسي على مصير هذه الثورة. لكن  أعمال محفوظ في هذه المرحلة تؤكد على فكرة تحول ثورة 19 إلى «درس عابر للتاريخ»، حيث تتجاوز حدود الثورة كمجموعة من الوقائع في فترة من الفترات، وهنا يمكن الإشارة إلى  فكرة  الثورة الأبدية أو الثورة المستمرة، وهي الفكرة التي  ظهرت بشكل خاص في الجزء الأخير من الثلاثية «السكرية»، فهناك إشارات من كمال أحمد عبد الجواد مع صديقه رياض لعبارات قالها قريبه اليساري قبل القبض عليه حول إيمانه بالثورة الأبدية، وهي جزء من الإيمان بضرورة التغيير وعدم الاستكانة إلى وضع تم أو تحقق، ولكن هناك مطالب أخرى لا تخص الفرد ولكن تخص الجماعة يجب أن تتجدد باستمرار ، وبالتالي يجب أن تكون هناك ثورة دائمة كما ذكر على لسان شخصيات الرواية.

الثورة الأبدية

هذا المعنى صاغه نجيب محفوظ في عمل متأخر ينتمي إلى منتصف السبعينيات في نهاية رواية «الحرافيش»، والتي يراها نجيب محفوظ عمله الأكبر والأفضل في مسيرته، ففي نهاية الرواية يقود عاشور الأخير جماعته مستعيدا سيرة عاشور الأول في الحكاية الأولى ومتجاوزا له، فيقود الحرافيش لواقع جديد، فيه يتم تجاوز كل الظلم الواقع عليهم وهو يفعل ذلك بصيغة من أهم ملامحها تأكيد مجموعة من القيم، منها تساوي قيمة العمل مع الحرية وتحقيق العدل الكامل والمطلق واختفاء المسافة بين القائد والزعيم وأفراد الجماعة ،فهو بهذا المعنى للثورة في نهاية «الحرافيش» يبني على مجموعة من القيم التي قد تنتمي لثورة 19، لكن من المؤكد أنها تتجاوز الملابسات التي أدت لانحسار هذه الثورة.

ويضيف حمودة «الملمح الأخير في روايات محفوظ التي تناولت ثورة 19 هو تحول هذه الثورة إلى درس كبير يتمثل في نص متأخر من أعماله وهو «أصداء السيرة الذاتية» والذي نشر في منتصف التسعينيات وكان محفوظ قد جاوز الثمانين في ذلك الوقت، وهو نص مراوغ ومغامر في نفس الوقت، لكنه يؤكد في بعض عناوينه فكرة الإيمان والدعوة لتلك الثورة إلى الأبد،  فاستحضار مشاركته في أحداثها صبيا، بعد أن بلغ الثمانين من عمره، يظهر أن الثورة تحولت في عقل نجيب محفوظ إلى أمثولة تتجاوز الأزمنة المحددة إلى زمن أبدي، فثورة 19 لم تكن بالنسبة له حدثا عابرا، لكنها تحولت إلى ما يشبه الدرس الأبدي.

حلقة البرنامج الإذاعي «شاهد على العصر» مع نجيب محفوظ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق