ثقافة

«مسك التل» لسحر الموجي: رواية تحرر «أمينة» من سطوة «أحمد عبد الجواد»

احتفى صالون «الجزويت»، بالقاهرة، الذي يدير جلساته الكاتب الصحفي هشام أصلان، بأستاذة الأدب الإنجليزي، بكلية الآداب بجامعة القاهرة، الأديبة سحر الموجي، لفوزها بجائزة «ساويرس» للرواية، عن رواية «مسك التل»، مناصفة مع الكاتبة نادية كامل عن رواية «المولودة».

«مسك التل»، ليست العمل الأدبي الأول لسحر الموجي، بل سبقته عدة أعمال أخرى منها «نون» و«دارية» و«سيدة المنام» وغيرها. لكن ما يميز هذه الراية الجديدة هو صعوبة تصنيفها وإلى أي صنف من صنوف الرواية تنتمي. حيث تساءل هشام أصلان خلال تقديمه للرواية عما إذا كانت تنتمي لمدرسة الواقعية السحرية، أم لعالم كتابة الواقع الغرائبي، المخلوط بدرجة كبيرة بالكتابة النسوية؟

 أسئلة وجودية

الدكتورة نيفين نصيري، أستاذ الآدب الفرنكفوني في أمريكا ترى أن رواية «مسلك التل» تطرح العديد من التساؤلات الوجودية العميقة، عن ماهية الحياة وهموم الإنسان، والعلاقات الإنسانية المعقدة، والكثير من الأسئلة عن الحياة والموت، وهل الإنسان مخير أم مسير ، وعن الزمن وتقلباته، وعن الحب وكيف يغير رؤيتنا لذواتنا وللعالم.. وكما تطرح أسئلة وجودية كثيرة فإن الرواية تتضمن أيضا أجوبة عديدة، تختلف باختلاف الشخصيات والأزمنة التي ظهرت فيها الشخصية.

أما على مستوى البنية السردية، فإن الرواية عبارة عن مزج غريب بين عناصر متعددة ومتداخلة، تعكس تعقيدات اللحظة، التي تكشف عنها الرواية، بين الماضي والحاضر، الواقع والحلم، دمج الواقع بالأسطورة، والموروث الشعبي، بين المنطقي وغير المنطقي، مع حضور واضح لتقنيات السينما، من قطع ومونتاج ومشاهد منفردة بذاتها، وتقاطعات بين الماضي والحاضر، باستخدام أسلوب «الفلاش باك»، وتداخل الأصوات، وهى في مجملها، لم تكن تقنيات جديدة على سحر الموجي، – وفقا لنيفين نصيري- وإنما هي تقنيات استخدمتها في أعمال سابقة لها مثل رواية «نون».

الحلم يعد عنصرا أساسيا في رواية «مسك التل»، كما هو في أغلب روايات سحر الموجي بعوالمه الضبابية، بالإضافة إلى أن الرواية تتضمن مزجا لعدد من الأنواع الأدبية المختلفة، حيث استخدمت الأسطورة لسرد الحياة المعاصرة، وتفسير معاني الحياة، بحيث تعطي الأسطورة أجوبة للعديد من الأسئلة الوجودية.

تعتمد الرواية في أحداثها على احدي الأساطير اليونانية، «السرينيات» وهى نصف امرأة، ونصف طائر، كانت تغوي البحارة، وتقودهم إلى الهلاك بأغنيتها الساحرة، وقد دمجت سحر الموجي تلك الأسطورة عبر تصوير «بيت السرينيات» الذي وصفته بكونه بيتا مليئا بالخضرة، توجد بجواره بحيرة، ويضم البيت عددا من النساء، بطلات أعمال روائية وأديبات من أزمنة مختلفة. بالإضافة لذلك تعتمد الرواية على أنواع أدبية أخرى مثل الشعر وأدب اليوميات، التي كتبت بالعامية المصرية، ممزوجة بسلاسة شديدة مع اللغة الفصحى.

فرصة لحياة جديدة

لكن العنصر الأكثر إثارة في هذه الرواية، وفقا لنيفين نصيري، يتمثل في كيفية إعادة شخصيات من روايات قديمة، إلى الحياة مرة أخرى، حيث منحت سحر الموجي حياة جديدة لأبطال عدد من الأعمال الروائية من روايات كلاسيكية، وبصورة مغايرة لما هو مترسخ في خيال القارئ عن تلك الشخصيات، فبطلات الرواية الثلاثة عشن في أزمنة مختلفة، منهن مريم الطبيبة النفسية بنت القرن الحادي والعشرين، والتي تعاني من الاكتئاب والعزلة، وعدم الرغبة في الحياة، فتستبدل واقعها المؤلم وتجاربها المؤلمة، بالعيش في عالم الهلاوس والأحلام، مع أبطال شخصيات عالمية، تعيد إحياءهم، فتلتقي بأمينة من ثلاثية نجيب محفوظ، وكاثرين بطلة «مرتفعات وذرينغ» لإميلي برونتي، وهاتان الشخصيتان ستساعدانها على اكتشاف العديد من الأجوبة، لعدد من التساؤلات التي شغلت ذهنها لفترات طويلة، حول ماهية  وجودها وهل الإنسان عنصر فاعل في الحياة؟

سحر الموجي منحت كلا من كاثرين وأمينة فرصة خلق حياة جديدة مختلفة، حيث أدركت كاثرين أن الإنسان، هو من يصنع شقاءه، ويبني راحته.

أما أمينة التي عاشت من عام 1919 حتى عام 2010، زوجة أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، مكسورة الجناح، والتي تعامل معها الجميع على أنها «طيشة»، فإنها في عالم «مسك التل»، وعلى يد سحر الموجي، تعيد اكتشاف ذاتها لتكتشف أنها «مش طيشة». فأمينة «مسك التل»، تتمسك بالفرصة التي أتيحت لها، لتعيش برضا وتؤمن بالأشياء القدرية، غير أنها تظهر في قالب جديد، فهي ليست خاضعة، بل تؤمن بقدرتها على تشكيل واقعها، مع الإيمان بقضاء الله، أمينة الجديدة تحب القراءة، حتى أنها تعلم نفسها بنفسها لتصير مترجمة، أمينة في نسختها الجديدة، أكثر تعقيدا من أمينة نجيب محفوظ.

وهنا تؤكد نيفين نصيري أن رواية «مسك التل» هي بمثابة إعادة كتابة لنصوص أخرى، وهو ما يؤكد على المعنى اللامتناهي لأي نص، واختلاف القراءة باختلاف الخلفية الثقافية للقراء، حيث يدخل القارئ في علاقة تأويلية مع النص، فيقارن بين أمينة نجيب محفوظ، وأمينة سحر الموجي.

وعى نسوى

وفي هذا السياق تتساءل الأديبة ميرال الطحاوي، عن شخصيات الرواية، التي استعانت بها سحر الموجي من روايات سابقة ومن أزمنة وسياقات ثقافية مختلفة، وحول ما إذا كانت قد خشيت من القارئ غير الملم بتلك الأعمال الأدبية؟

ميرال الطحاوي

تجيب سحر الموجي عن ذلك التساؤل مشيرة، إلى أنها في بداية الشروع في كتابة النص، ساورها الكثير من القلق، غير أنها تمكنت من التعامل مع هذا القلق، عبر الإشارة إلى بعض مشاهد من النصوص القديمة، التي تضيء معالم الشخصية، كما أن رؤيتها للقارئ أصبحت مختلفة عن ذي قبل، حيث أصبحت أكثر ثقة فيه، حتى أنها تعمدت مع نهاية الرواية، التي تتسم بكونها نهاية مفتوحة، أن تلقي الكرة في ملعب هذا القارئ، كي يستكمل بخياله ما قد يراه غير مكتمل.

وعن سبب اختيارها لشخصية أمينة من ثلاثية نجيب محفوظ، تقول سحر الموجي إنها انشغلت بها لما رأته من إقبال الكثير من الشباب على أن تكون فتاة أحلامهم، تلك الفتاه التي تشبه أمينة نجيب محفوظ، كما أن بعض الفتيات قد يتلبسن دور أمينة كي يصبحن مقبولات اجتماعيا.

أما عن التساؤل الخاص بالكتابة النسوية، فتؤكد سحر الموجي على أنها ترى نفسها كاتبة تحمل وعيا نسويا بالعالم، وبالتالي فهي ترى العالم بشكل مختلف، «فالنسويات يلتقطن ويقفن عند أشياء مختلفة، لا يقف عندها الرجال.. أنا لا أكتب كي أنتصر لقضية بعينها تخص النساء، أنا أكتب حدوتة، ولكن تلك الحدوتة تتضمن همومي، ورؤيتي للعالم، كما أن هناك كتابا رجال كتبوا نصوصا تنتمي للكتابة النسوية، حتى وأن لم يروا هم ذلك، مثل رواية «ذات» لصنع الله إبراهيم، و«الحرام» ليوسف إدريس، وحيث استطاع يوسف إدريس أن يقدم المرأة بصفتها كائنا مركبا داخل النص، وليس بوصفها مجرد ديكور».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق