رؤى

فى قضية تقديس الرموز.. كيف نفلت من الفخ؟

في كل مجال من مجالات الحياة هناك أشخاص كانوا سابقين في المجال، أسسوه ووضعوا نظرياته وعملوا به وبرزوا فيه، وربما أعقبتهم أجيال لم يقم أفرادها بكل ما قاموا به من المهام بل بعضها، إلا أنهم أخلصوا لعملهم وأضافوا إليه إضافات تثريه وتبلغ به القمم العاليات؛ لذا نسمي هؤلاء جميعا بالرموز.. والمعنى أننا نميزهم عن سواهم في مجالهم ممن لم يبذلوا جهدهم ولم يبلغوا قدرهم.

 ليسوا آلهة

الشخص الرمز، باختصار، هو من يمكن اختزال جميع الأشخاص بمجاله فيه، أو اختزال المجال نفسه فيه؛ ففاتن حمامة رمز لفن التمثيل، ومحمد حسنين هيكل رمز للكتابة الصحفية، ونزار قباني رمز للشعر، ومونتجمري رمز للعسكرية، وحسن شحاتة رمز رياضي، ومارجريت تاتشر رمز للإدارة الحكومية القوية، وغاندي رمز سياسي، وعمر بن الفارض رمز صوفي، والشيخ الشعرواي والبابا شنودة رمزان دينيان وهكذا.

محمد حسنين هيكل         نزار قباني            حسن شحاتة                   مونتجمري           

ولرحابة القيمة التي تحتلها الرموز في النفوس؛ فقد يصعب انتقادها (ولو بموضوعية)، ناهيك عن تخطئتها بوضوح أو رميها بالتهم. ولذا يسقط الجميع تقريبا في فخ الثناء المتواصل عليها والإشادة المستمرة بأدائها – مهما يكن – مما يماثل معنى التقديس أو يدانيه. وحتى عندما يجترئ ذو رأي على إبداء رأيه في رمز من هذه الرموز، ولا يكون الرأي إيجابيا، تراه يلف ويدور فيما يقول ،كالحيران الدائخ مبديا ما يريد، وسط عبارات التبجيل والتفخيم الوافرة المتناثرة والجمل الاعتراضية الحذرة المعتذرة، ومثل ذلك مما يطيح غالبا بحقيقة ما يريد قوله ويثَّبت صورة الرمز كما هي لا كما أراد هو أن يظهرها ببرواز آخر مع أنه حر في رأيه ما دام حياديا ومهذبا.

ما أود طرحه هنا، بعمق، أن الرموز، من البداية للنهاية، ليسوا آلهة ولا حتى أنصاف آلهة؛ فلا يصح رفعهم إلى السماء كما لا يليق بأصحاب وجهات النظر المغايرة للسائد عنهم، وأنا واحد من هؤلاء، أن يتجنى عليهم ويكذب بشأنهم وينحدر بهم انحدارا من العلو الشاهق الذي اعتادوه.

Image result for ‫مارجريت تاتشر‬‎

مارجريت تاتشر

الأمر معلق بين الرمز – أيا كان – وبين الراصد الذي من حقه التعليق على جملة الأحوال والتصرفات والتعقيب على مجمل الكلمات والأفعال.. فالأول عليه أن يدرك معنى أنه محط الأنظار أينما ذهب ورجع (بشكل مزعج أحيانا)، والثاني ليس عليه أن يعتبر نفسه صائد أخطاء،بل متابعا ذا ضمير ينشد الحقيقة وحدها، بعيدا عن وهج الأسماء وطبيعة علاقاته بأصحابها. والمؤسف أن كثيرا من الرموز – في بلادنا بالذات- عرفوا كونهم في مدارات العيون، لكنهم عجزوا عن إدراك الأبعاد وربما وصفوا الخلق بالمتلصصين المتطفلين.. وأما الذين تصدوا لرصد الرموز فلم يكن حالهم أفضل، فقد بالغوا في الحالين: الذم، وهو الأقل في العموم، والمدح وهو الأكثر شيوعا. وهنا يجب أن أبين أن الذم، أعني ذم الرموز، قد لا يكون صادقا بالمرة إنما له بعد نفسي يجب وضع اليد عليه، ألا وهو رغبة الراصد في الشهرة على حساب ذي المكانة الرفيعة (فكأنه المدح بمعنى ما).. ولن نعرف مدى وجاهة مثل هذا التصور إلا إذا اتسع علمنا بأخلاق الشخص الذي يتناول رمزا سامقا مبرزا مساوئه.

أوبرا وينفري

 غرباء فى سفينة الرموز

ولأن الرموز نالوا هذه الرتبة العالية؛ فهم الأكثر ظهورا في الإعلام بمختلف وسائله، ولكثرة ما يظهرون ويبدون آراءهم في القضايا المنوعة المتباينة، فإنهم يقعون في الخطأ والخلط والتناقض، مما قد يعني التشظي والتمزق والشتات، وأيضا قد يبين للقارئ والمشاهد والمستمع افتقار بعضهم للثقافة التي تؤهله للحديث في الموضوعات العامة بالأساس. وعليه لا بد أن ينتبه كل من حصل على هذه الرتبة العبقرية لضرورة الاتساق، وضرورة امتلاك ثقافة عريضة لا تجعله قليلا في خواطر المتابعين وهو الكبير عندهم أصلا لتفوقه النادر.

 لكن السقوط في فخ تقديس الرموز يعود في أحيان كثيرة إلى بعض القيم التي ترتبط بهذه الرموز ارتباطا وثيقا وتدور بدوائرها على الدوام. ولبعض هذه القيم (معنوية أو دينية أو سياسية) سلطته النافذة، التي تخيف من يتناول رمزا معينا، من عواقب ذكر عيوبه أو ما شابه. ولا ننسى هنا أن ذلك الذي يصل لمقام الرمزية، تكون له علاقاته الواسعة، التي تحميه.

محمد صلاح

الخوف إذن أسقط البعض في الفخ، وأسقطتهم فيه الغفلة قبل الخوف – بظني-، فالمؤسف أن موضوعا حساسا كموضوع الرموز، بكل أعماقه، لم ينل من الاهتمام ما نالته موضوعات أدنى. والدليل القطعي على صحة هذا الاستنتاج أن الجميع فوجئوا بأسماء تحويها أغاني سطحية عابرة، وبضيوف تضمهم برامج خفيفة للتسلية، لكن هذه الأسماء وهؤلاء الضيوف قدمتهم الأغاني والبرامج الموصوفة بالسذاجة على أنهم رموز للوطن.. وكأن الوطن بلا رموز فعلية، أو كأنه ينتظر أن تحدد له التفاهة رموزه.

سألني صديق واع: من تختاره رمزا للأغنية الشعبية في مصر على مدى تاريخها؟ رددت عليه: قل أنت.. قال: محمد عبد المطلب.. قلت: هذا اختيار (دقيق) رائع يا صديقي.. وأسألك: بماذا ترد على من سألته نفس السؤال فاختار «كتكوت الأمير» مثلا أو شعبان عبد الرحيم؟ رد بأدب بالغ: لا شيء.. الموضوع أنه ليس على دراية كافية بما يعنيه جلال لفظ الرمز.

Image result for ‫شعبان عبد الرحيم‬‎

شعبان عبد الرحيم

ذكرت هذا الحوار القصير المهم تأكيدا على شيء أخير أود قوله: إن تحديد الرمز بشكل علمي جاد هو الأهم أولا، ثم بعد ذلك يكون الكلام عن كيفية التفاعل مع وجوده الآسر.. ولعلي وفيت الفكرة بعض حقها.

 

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري
إغلاق