منوعات

كريم ثابت.. ربيب الاحتلال الشاهد على ثورات وطنية (2ـ 2)

 يعد كتاب «سعد في حياته الخاصة» لكريم ثابت من أصدق مؤلفاته، والذي كتبه قبل سبعين سنة من عامنا هذا.. الكتاب في صورته الأولى كان مجموعة مقالات نشرها كريم في مجلات «المصور» و«العالم» و «كل شيء والعالم» ثم جمعها في كتاب ظهر في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام 1929.

ظهر الكتاب وكل أبطاله، فيما عدا سعد زغلول، على قيد الحياة، ولم يكذّب أحدهم قصة من قصصه رغم خطورة بعض فصوله، التي كشف فيها المؤلف عن أسرار لم تكن قد نشرت على نطاق واسع. ولم يعد أحد يذكر الكتاب ولا كاتبه حتى قامت دار الشروق بإعادة نشره في سياق احتفالها بمئوية ثورة 1919.

في بداية الكتاب بحث المؤلف عن نسب سعد زغلول وأصل وجود عائلته في قرية «إبيانة» فلم يظفر بشيء سوى أن الأسرة جاءت من مهجر مجهول إلى القرية قبل مولد سعد بقرن ونصف القرن. ويقطع المؤلف بأن ولادة سعد كانت في العام 1860، وقد ولد لرجل بارز تقلد منصب عمدة القرية، وكان والده الشيخ إبراهيم زغلول قد تزوج باثنتين، أولاهما ولدت له خمسة ذكور، وثانيتهما وهى أم سعد ولدت له ثلاثة ذكور، ثم مات الأب وسعد في طفولته، فتولى أخوه الأكبر الشناوي أفندي، وهو أخوه لأبيه تربيته وتربية شقيقه فتحي زغلول، أما الشقيق الثالث فقد توفي طفلًا.

الشناوي أفندي كان رجلًا صاحب بصيرة، فقد رأى أن أشقاءه الأربعة ليسوا من رجال العلم، فعمل على تعليم أخويه من أبيه سعد وفتحي. ألتحق سعد بكتاب القرية وفيه أظهر نبوغًا عظيمًا في حفظ القرآن الكريم، حتى أنه عندما ختم المصحف الشريف حفظًا، كان يراجع في اليوم الواحد ثلاثة أرباع القرآن.

سعد زغلول

كان سعد نابغًا في كل شيء اللهم إلا في لعب كرة القدم، فقد كان الفريق الذي يلعب له هو الفريق الخاسر دائمًا، حتى أن اقرانه كانوا يلقبونه بـ «الخيبة» وهو اللقب الذي كان يناديه به أحيانًا شيخ الكتاب، وعندما يرى غضب سعد من هذا اللقب يحنو عليه ويضاحكه. بعد الكُتاب سافر سعد إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، وهناك تبحر في علوم الشريعة واللغة، لكنه لم يكمل الدراسة في الأزهر حتى يحصل على العالمية، وهى كبرى شهادات الأزهر في ذلك الوقت، وكان وفق علمه مؤهلًا لها ولما هو أعظم منها.

شارك سعد، وهو شاب صغير في أحداث الثورة العرابية مع أستاذه محمد عبده، ثم كُسّرت الثورة وجرت في النهر المياه العكرة، فتخبط سعد كما يتخبط معظم الثوار الذين يشاهدون بعيونهم موت ثوراتهم.

عمل سعد لفترة في المحاماة ومنها ترقى إلى سلك القضاء، فتعرف على أميرات وأمراء البيت الملكي، ومنهم أصابه داء القمار، فتزوج من صفية بنت مصطفى فهمي رئيس الوزراء وحليف العدو الانجليزي المحتل الغاصب. وهكذا عاش سعد هذا التناقض، فهو ثائر تحت جلده أزهري قديم وفي قلبه آيات كتاب الله، ثم هو زوج لابنة حليف للعدو ومقامر عنيد. لكن هذا التناقض لم يصرف سعدًا عن تربيته الريفية المحافظة، فهو مثلًا، وفقا لما جاء في الكتاب، كان يكره زينة النساء وفرض على زوجته عدم وضع «البودرة» على وجهها. وينقل كريم ثابت عنها قولها: «كان سعد يهاجم النساء المتبرجات حتى ولو كن صديقاتي، وعندما أعاتبه كان يصيح في وجهي: هل تريدين مني كتم حق أراه؟».

Related image

سعد زغلول وزوجته صفيه

 وبينما كان يعمل في القضاء كانت ثقافته عربية خالصة، وذات يوم قال رأيًا قانونيًا أعُجب به رئيسه الذي قال له: هذا رأي جدير بالحاصلين على ليسانس الحقوق. أوجعت هذه  الكلمة سعدًا الذي أصر على الحصول على ليسانس الحقوق من جامعة فرنسية.

عكف سعد زعلول ، الذي كان قد تجاوز الثلاثين من عمره، بكل همة على تعلم الفرنسية، ثم كان يسافر في كل صيف إلى فرنسا لكي يؤدي امتحانات الحقوق، وكان يستغل سفره بالباخرة فيقطع الطريق في الدراسة والتحصيل، ليحصل في النهاية على ليسانس الحقوق، بعد أن  أجاد الفرنسية كأنه أحد أولادها. وبعد الفرنسية أجاد الالمانية وكان عمره قد تجاوز الخمسين.

عندما كان سعد على بعد خطوة من الستين من عمره، قاد الثورة ليعود إلى طينته الأولى، طينة الثائر الأزهري، نفاه العدو المحتل وصحبه إلى مالطة، فتفجرت الثورة في ربوع الوطن، وهنا يذكر المؤلف معلومة يتجاهلها عبيد الاحتلال عن عمد وقصد. تقول المعلومة: إن الاحتلال عندما رأى إصرار المصريين على الثورة قام بفتح النار على ثوار الفيوم فحصد منهم في ساعة واحدة أربعمائة نفس (فانظر لهؤلاء الذين يتحدثون عن تحضر العدو وإنسانيته).

Related image

أمام تلاحم الشعب، قرر العدو المحتل إعادة سعد وصحبه من المنفى إلى الوطن، ليسافروا إلى فرنسا لعرض قضية استقلال مصر على مؤتمر الصلح. سافر الوفد المصري وفي يقينه أن قضيته رابحة لا محالة لأن المؤتمر كان قائمًا على مبادئ ويلسون الرئيس الأمريكي الذي نادي بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن في باريس كان ويلسون شخصيًا ضد استقلال مصر.

عاد الوفد بخفي حنين فأشعل سعد الثورة مرة ثانية بمقاطعة كل ما هو بريطاني، فنفاه البريطانيون إلى جزر سيشل ومنها إلى ميناء عدن ومنه إلى جبل طارق. ولكم أن تتخيلوا ربيب النعيم والترف، وهو يتخبط في المنافي وقد جاوز الستين وتكالبت عليه الأمراض، كل هذا وهو رابط الجأش مصر على استقلال بلاده راض بدفع الثمن كاملًا غير منقوص.

التقى كريم ثابت بأصحاب سعد زغلول الذين رافقوه في تلك المنافي، وكان على رأسهم، مكرم باشا عبيد الذي فجر واحدة من مفاجآت الكتاب. لقد كتب مكرم باشا مذكرات أيام المنافي راصدًا تلك الأيام يومًا بيوم، ولكن في واحدة من حملات التفتيش التي خضع لها بيته، قام الأمن البريطاني بمصادرة المذكرات التي لم تظهر من بعدها أبدًا.

Image result for ‫مكرم عبيد‬‎

مكرم عبيد

قال مكرم باشا عن أستاذه ومعلمه سعد زغلول: كان زعيمنا لا يشغله شيء سوى استقلال الوطن والحرص على التعليم، وفي ليالي المنفى القاسية طلب مني تعليمه الإنجليزية، وبدأ يتعلم بهمة شاب في العشرين، كان ينفق يوميًا قرابة العشر ساعات في مذاكرة الإنجليزية، حتى أجادها كأنه أحد أبنائها.

يقول كريم: كان مكرم من أصحاب الأصوات النادرة، فكان ينشد شعر البارودي الذي يطيب لزعيم الأمة سماعه ثم كان يغني لرفاق المنفى القصائد الشائعة في أيامهم.

يقدم المؤلف صورًا لمحبة رفاق سعد له تدفع بالدموع إلى العيون، فقد كانوا يعرفون من هو ويقدرون همته والثمن الذي دفعه لكي يعود إلى صفوف الجماهير قائدًا لها، بعد أن عاش زمنًا تحت رعاية أميرات وأمراء البيت الملكي.

في منفى جبل طارق جاءت السيدة صفية زغلول لكي تعيش مع زوجها الرجل العجوز، وعندما استقبلها ومعها جماعة من الوطنيين المصريين الذي فضلوا العيش في المنفى على البقاء تحت وطأة الاحتلال، بكى الزعيم عرفانًا بجميل زوجته وأصحابه.

عودة سعد زغلول من المنفى

أثناء إعداد الكتاب زار المؤلف بيت سعد الذي ولد فيه بقرية إبيانة، وما كتبه في العام 1929 في وصف البيت، وكان صاحبه قد رحل قبل عامين فقط، يصف كريم ما حل بالبيت من خراب، ويصف أكوام التراب التي تفوح منها الروائح الكريهة، هو طبعًا يقصد أكوام السباخ، لكنه ابن المدينة ولا يعرف الفرق بين التراب والسباخ، ثم يصف الإهمال الذي ضرب بيت زعيم الأمة ويطالب بتدخل المسئولين لإنقاذ البيت. ربما لو عاش كريم لزمننا ورأى أكوام القمامة التي تحاصر ضريح زعيم الأمة الواقع في قلب العاصمة لمات قهرًا.

Related image

منزل سعد زغلول «بيت الأمة»

 كان كريم ثابت، هو الصحفي الوحيد الذي شهد وقائع وفاة سعد باشا وقد نقلها بأمانة مستشهدًا بالحضور، وكانوا يوم نشر الكتاب لأول مرة على قيد الحياة وكانوا جماعة من القيادات الذين ما كان له أن يلفق على السنتهم شيئًا.

يقول كريم: كان سعد باشا يعيش الصيف في عزبته بقرية «مسجد وصيف» الواقعة في مركز زفتى بمحافظة الغربية، ثم اشتد عليه المرض وكان ذلك يوم الخميس 18 أغسطس 1927، وقاوم سعد مرضه، لكن الذين حوله، وكانوا من أبرز رجال الأمة رأوا عودته إلى القاهرة لتلقي العلاج، إلا أن حالته لم تكن تسمح باستخدام القطار أو السيارة، فجاءت باخرة لنقله إلى العاصمة. وهنا يقول كريم: إن الباخرة كانت ستقطع الرحلة من الغربية إلى القاهرة في إحدى عشرة ساعة كاملة.

عاد سعد إلى منزله القاهري، وزاره كريم في مساء الاثنين 23 أغسطس 1927، وكان عنده قيادات الوفد فيما عدا النحاس باشا الذي كان يقضي الصيف في أوربا.

لم يقل سعد باشا قط جملة «مفيش فايدة» فقد قالت السيدة صفية زغلول للمؤلف: إن سعدًا راح يتمتم: «أنا رايح .. أنا رايح». فقالت له السيدة صفية: «هل تحب أن أجيء معك؟». فتطلع إليها وقد أمسك يدها: «خليك أنت»

ثم فاضت روحه في التاسعة من مساء الاثنين 23 أغسطس 1927، فبكته مصر ولاتزال تبكيه.

جنازة سعد باشا زغلول

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: