الحدث

إنجي أفلاطون.. الفنانة المتمردة التي حولّت جدران السجن إلى مرسم كبير

مجددا يثبت محرك البحث العملاق «جوجل» أنه أكثر وفاء من كثيرين منا لهولاء المبدعين والفنانين الذي أثروا حياتنا وساهموا بعطائهم وأبداعاتهم الفنية، في تشكيل وجدان أجيال عديدة، وذلك من خلال الاحتفاء بذكرى ميلاد أو رحيل هؤلاء المبدعين. آخر من أحيا «جوجل» ذكرى ميلادهم، كانت الفنانة التشكيلية والمناضلة الراحلة أنجى افلا طون التي تعد أحدى رائدات الحركة الفنية التشكيلية البارزات في مصر والعالم العربي، والتي ولدت يوم (16 أبريل 1924 حيث وضع المحرك صورة الفنانة الراحلة على صفحته الرئيسية.

عُرفت الراحلة أنجى أفلاطون طوال مسيرتها الحياتية والفنية الحافلة(1924-1989) بأنها فنانة متمردة وثائرة حيث عبرت لوحاتها وأعمالها الفنية ومواقفها عن روح المقاومة ضد الاحتلال الانجليزي لمصر، وخلدت في بعض هذه الأعمال كفاح الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني لمصر ونضاله المسلح مثل لوحتها (لن ننسى) التي كانت تخليدا لكفاح وتضحيات الفدائيين المصريين الذي سقطوا في المعارك ضد الاحتلال في منطقة قناة السويس.

 ورغم نشأتها الارستقراطية، فإن إنجي أفلاطون اختارت منذ البداية أن تنحاز لقضايا وهموم المهمشين والبسطاء من أبناء الوطن في الحياة والحرية والكرامة، وكان هذا الأمر شغلها الشاغل منذ بواكير حياتها، ولم تكتف بالتعبير عن هذا الإنحياز عبر لوحاتها وأعمالها الفنية فحسب، بل انخرطت في الحياة السياسية دفاعا عنهم من خلال انضمامها لحركة «إسكرا» اليسارية عام 1944، وهو ما دفع الصحافة آنذاك إلى أن تطلق عليها إسم «الآنسة الشيوعية».

إقرأ أيضا:

إنجي أفلاطون.. الفن في خدمة القضية

 

 كانت أنجي أفلاطون تؤمن بأن مكانها الحقيقي بين ومع عامة الشعب، حيث وصفت هى نفسها بالمتمردة منذ الصغر، وعن ذلك تقول أنجي افلاطون في مذكراتها، التي بعد سنوات من رحيلها: «ومن هنا أستطيع أن أقرر دون فخر، وأيضا دون تواضع، أن التمرد كان السمة التى لازمت حياتى فيما بعد»، فإنجى أفلاطون كانت متمردة على كل شيء، بدءا من شخصيتها مرورا بكل تفاصيل حياتها.

سنوات السجن والإبداع

 وبعد ثورة يوليو 1952 واصلت إنجي افلاطون تمردها ونضالها السياسي من أجل هذه القضايا التي آمنت بها، لتدفع ثمن هذا التمرد من حريتها وحياتها، حيث دخلت السجن 1959 بسبب نشاطها السياسي وكانت التهمة الانتماء لتنظيم شيوعي، لتظل به قرابة خمس سنوات، وحتى خرجت منه نهاية عام 1963، لتواصل رحلتها في الدفاع عن حق المصريين في الحياة والحرية، ولتولى مزيدا من اهتمامها بقضايا وحقوق المرأة، سواء من خلال ابداعاتها ورسوماتها الفنية، أو  من خلال نشاطها في المجتمع المدني، او من خلال الكتب التي أصدرتها عن هذه القضية.

 كانت سنوات السجن بالنسبة لإنجي أفلاطون بمثابة ضريبة إشتغالها بالقضايا الوطنية والسياسية، لكنها  في الوقت نفسه  كانت جواز مرورها إلى عالم الفن الرحب متجاوزة إرهاصتها الأولى كهاوية. ففي السجن تمسكت بحقها في أن ترسم وحصلت على ذلك، حيث نجحت في أن تحول جدران السجن إلى مرسم كبير، بعد أن  تمكنت بإصرارها من الحصول على  الألوان وأدوات الرسم. وعن تلك التجربة تقول «إن الضوء المنبعث من النافذة الصغيرة ذات القضبان في زنزانتها كان ملهما لها  لترسم، بينما ألهمها وضع السجينات خلف القضبان التعبير عن قيمة الحرية ومعاناة البشر، لتجسد معاناة هولاء السجينات في عنابر النوم وطوابير الطعام وحصص الوعظ ومشاغل التأهيل المهنى.. إلا أن أهم ما رسمته في سجنها كان ما شاهدته من وراء قضبان نافذة  الزنزانة من طبيعة خلابة للنيل وأشرعة المراكب المنطلقة  على صفحته، والحقول والفلاحين.

المواويل الملونة

 وبعد خروجها من السجن راحت إنجي أفلاطون تجوب قرى ونجوع وجبال مصر من شمالها لجنوبها لترسم وتسجل وتعبر عن الطبيعة والمجتمع والحياة في تلك المناطق، بلوحات فنية أشبه بالمواويل  الملونة. فقد كانت ترسم كأنها تغني، فرسمت  راكبي المعديات في النيل، والعاملات في الحقل ،وجبال الصعيد، وحقول القصب والذرة والبرسيم وجنى القطن وبساتين الموالح والموز والبرتقال. ورسمت النخيل والغروب في أسوان، والبيوت في الواحات وأبراج الحمام، وقد تعانق كل هذا في ضوء باهر يشع بالتفاؤل والحيوية، لتعوض بهذه الأعمال المبهجة سنوات السجن والبحث الدائم عن هويتها وطموحاتها، كما يقول الفنان والرسام عصمت داوستاشي.

 وخلال مذكراتها التي صدرت عن دار الثقافة الجديدة عام 2015 تحت عنوان «مذكرات إنجى أفلاطون.. من الطفولة إلى السجن»، يمكن أن تقرأ صفحات من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، وأن ترصد كفاح أبنائه فى سبيل الحرية والكرامة وتحقيق الذات. ففي تلك المذكرات تحكى إنجي أفلاطون جوانب من تاريخها الشخصى الذى هو في الوقت نفسه تاريخ «مصر» وتاريخ وعيها وثورتها من عشرينيات وحتى «ستينيات» القرن الماضى، حيث التاريخ الشعبى مضفرا فى التاريخ الرسمى، فمصر تواجه العالم فى العدوان الثلاثى ونساء مصر يواجهن النظرة المتدنية لهن.

Image result for ‫مذكرات انجي أفلاطون‬‎

 أما فى الفن فقد كانت أنجي أفلاطون ـ كما تقول، مؤمنة بمقولة الفنان العالمي الإيطالي ليوناردو دافنشى عن «إن الفنان الذى لا يستطيع أن يلتقط بالرسم شخصا يسقط من الدور السادس ليس بفنان»، ولذلك فإنها  قالت حتى حصلت على حقها من الرسم فى «المعتقل» لترسم السجينات وتجسد معاناتهن ومعاناة أبنائهن ومن قبل رسمت الطبيعة واستخدمت أساليب فنية مختلفة ومتنوعة.

ومن أهم ما تعرضت له إنجى أفلاطون، فى مذكراتها، بجانب الفن وتجربتها المبدعة معاناتها الشخصية التى هى معاناة وطن كامل، خرجت من إطار الارستقراطية الذى كانت تعيشه، بكامل إرادتها، وعانت بسبب النظرة المتشككة فى الأغنياء الذين تشغلهم قضايا «العامة» وعندما أصبحت جزءا من الحركة النسائية المصرية ومن الحركة الشيوعية المصرية وأطلقت عليها الصحافة «الآنسة الشيوعية» دفعت ثمن ذلك، من حياتها التى أصبحت غير مستقرة.

ولدت أنجي أفلاطون واسمها بالكامل «إنجي حسن أفلاطون» في 16 أبريل عام 1924، بأحد قصور القاهرة الفارهة لعائلة ارستقراطية كبيرة، وتوفيت في نفس شهر ميلادها (17 أبريل) عام 1989   

تلقت تعليمها في عدة مدارس أهمها مدرسة «القلب المقدس» التي رفضت الاستمرار فيها وتمردت على تقاليدها الصارمة، لتنتقل بعدها إلى مدرسة الليسية الفرنسية حتي حصلت علي البكالوريا.

كانت بداية إنجي أفلاطون الفنية، كفنانة ورسامة هاوية، قبل أن تشق طريقها في الإبداع الفني بالدراسة الأكاديمية للرسم من خلال معلم خاص بالمنزل، قبل أن تلتقي بكامل التلمساني أحد الفنانين الذين اثروا في الحركة الفنية آنذاك، وكانت أولى لوحاتها في بداية مشوراها الفني لوحة (الوحش الطائر) 1941. لتنضم بعد ذلك إلى جماعة «الفن والحرية» والتي كانت من  أشهر أعضائها الرسامان المعروفان محمود سعيد وفؤاد كامل.

 ومن أشهر لوحات إنجي أفلاطون: جمع الذرة، حاملة شجرة الموز، جمع البرتقال، الشجرة الحمراء، سوق الجمال، صياد بلطيم. وقد صدرت لها عدة مؤلفات من بينها كتاب بعنوان (80 مليون امرأة معنا) 1947، و(نحن النساء المصريات) 1949، وكتاب (السلام والجلاء) 1951.

وبعد عيد ميلادها الخامس والستين بيوم واحد، وفي السابع عشر من إبريل 1989 رحلت الفنانة إنجي أفلاطون بعد رحلة عطاء انساني وفني حافلة، تاركة وراءها ميراثا عظيما من الأعمال واللوحات الفنية الرائعة التي حجزت بها مكانة خالدة ورائدة في عالم الفن والإبداع الرحب.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق