ثقافة

«العاصمة» للنمساوي «روبرت ميناسه».. رواية تكشف تناقضات وأزمات المجتمع الأوروبي

«في نهاية النشيد الوطني البلجيكي.. وعند الشدو بالمقطع الذي يقول الأحرار أصدقاء، بدأ المسنون الذين كانوا يغنون بحماسة، بل الذين كانوا يصرخون وكأنهم فرقة مجانيين، عندما يأتي الشطر الذي يقول.. الملك، القانون، الحرية.. كان هناك دائما شخص يسكت الكورال بحركة من يده وكأنه مايسترو، ثم يصيح: لا يمكن أن ننال كل شيء! عن أي شيء نستغني؟ فيصيح الجميع: عن الملك! وعن أي شيء لا يمكن أن نستغني؟ الجميع: القانون والحرية!».. الفقرة السابقة هي مقطع من رواية «العاصمة» للأديب والكاتب النمساوي «روبرت ميناسه»، والتي صدرت مترجمة إلى العربية مؤخرا عن دار آفاق للنشر.

 رواية «العاصمة» كانت موضوع حلقة نقاشية عقدها معهد جوتة بمشاركة المترجم سمير جريس، الذي ترجم الرواية من الألمانية إلى العربية، أدار النقاش الكاتب الصحفي إيهاب الملاح، وهي تعد واحدة من الأعمال الادبية والفنية التي صدرت في أوربا مؤخرا، تتعرض بالنقد لأوضاع الاتحاد الأوروبي ومؤسساته ولأوضاع القارة العجوز ككل والتي تعيش حاليا أجواء وتداعيات محاولة خروج بريطانيا من الاتحاد فيما عرف بـ«البريكست» وما أثاره ويثيره من جدل في بريطانيا وخارجها حول انعكاسات هذه الخطوة.

المتاهة

  في تقديمه لرواية «العاصمة» التي حازت على أحدى الجوائز الأدبية في المانيا عام 2017، وتُرجمت إلى العربية هذا العام، يشير المترجم سمير جريس إلى إن أحداثها تدور في إطارين متوازيين: الأول وهو الإطار الأعم والأشمل ويتمثل في المفوضية الأوروبية بكل ما تتضمنه من إدارات ووحدات وموظفين من مختلف الجنسيات الأوروبية، وبكل ما تحمله تلك المؤسسة من صراعات غير متناهية، الأمر الذي جعل المترجم يختار صورة غلاف الرواية على شكل متاهة. تشبه تلك المتاهة طبيعة تصوره عن عالم المفوضية الأوروبية، والتي تدور أحداث الرواية في محيطها. أما الإطار الثاني للرواية فيتمثل في وقوع جريمة قتل غامضة، يأخذ المؤلف فيها القارىء لرحلة شيقة مثيرة، ليس لمعرفة من هو القاتل فحسب، ولكن لمعرفة من القتيل؟!

عبر الإطار العام المتمثل في عالم المفوضية الأوروبية، يتعرف القارىء على طبيعة الصراعات التي تدار داخل المفوضية، وكيف تحاول كل دولة عبر ممثليها أن تفرض مصالحها القومية، وكيف تتم إدارة تلك الصراعات، وكيف يمكن لموظف بيروقراطي، أن يبدي حماسه الشديد في الظاهر لأحد المشروعات، في حين أنه عبر الإعتماد على الآليات البيروقراطية السائدة بالمؤسسة، يمكنه نسف هذا المشروع من الداخل.

بالإعتماد على هذين الإطارين يمكن التعرف على دهاليز المفوضية الأوروبية، إضافة إلى التعرف على تفاصيل التاريخ الأوروبي في الخمسين سنة الأخيرة، مع التعرف على أهم ملاح ومعالم مدينة بروكسل، حيث تقع المفوضية الأوروبية، بكل تفاصيل تلك المدينة، بإعتبارها أحد أبطال الرواية، وليس بوصفها مجرد مكان تدور فيه أحداثها.

رواية فلسفية

 أما إيهاب الملاح فقد أشار في بداية تناوله لرواية «العاصمة» إلى أن هناك نوعين من الأعمال الأدبية، أحدهما مخصص للتسلية فحسب، والآخر هو نوع  الأعمال الأدبية المنتجة للمعرفة، حيث يصبح الأديب متأملا وفيلسوفا، متصلا بالعديد من الحقول المعرفية المتداخلة، وذلك حتى يتسنى له تقديم عمل أدبي يتسم بالرصانة، مع الحفاظ على القيم الجمالية للنص، وبذلك يجمع النص بين القيمتين المعرفية والجمالية. وفي هذا الإطار يرى الملاح أنه يمكن النظر لرواية «العاصمة» بوصفها رواية غير تقليدية، البعض يسميها رواية أفكار، والبعض يسميها رواية فضاء معرفي، وقد يراها البعض رواية فلسفية، فالرواية تعكس الضمير الأوروبي، والضمير هنا ليس بمعناه الأخلاقي وإنما بمعناه الفلسفي، حيث يطرح المؤلف عبر شخصيات الرواية، العديد من النماذج الأوروبية، من ألمانيا والنمسا واليونان وبولندا، وغيرها.

يضيف الملاح أن شخصيات الرواية تأتي مثقلة بثقافتها وتكوينها المعرفي وأزماتها الشخصية، وتناقضات تعايش تلك الشخصيات، سواء على المستوى الشخصي، أو على مستوى المؤسسة التي تعمل بها، أو على المستوى الأكبر الذي يمثل الكيان الأوروبي ككل. فالرواية تضم معرضا للبشر، ليس بالمعني الدعائي للكلمة، وإنما بالمعنى التحليلي، فالمؤلف يبحث داخل تلك الشخوص بعمق شديد، حيث يمكن للقارىء أن يكتشف أزمة كل شخصية، وجذورها الفكرية، وإحساسها ومشاعرها وانفعالاتها.

 ومع تعدد الشخصيات والتفاصيل، قد يظن القارئ للحظة، والكلام لإيهاب الملاح، أن المؤلف قد فقد سيطرته على خيوط عمله، لكن هذا غير صحيح بالمرة، فكما أبدع المؤلف في تقديم شخوصه، وتجسيد حالة التشظي التي تعاني منها الشخصيات، أبدع في لملمة تلك العناصر المشكلة للمشهد، وكأننا أمام جدارية متكاملة متشابكة، كل عنصر فيها يحمل خصوصيته التاريخية على المستوى الشخصي، وصولا للتاريخ الأوروبي بشكل عام، وفقا لوصف الملاح.

 هنا يعقب سمير جريس على تناول ميناسه لشخصيات الرواية، بالإشارة إلى أن هذه  الشخصيات على تعددها إلا أن كل شخصية لها سماتها النفسية، ولها مظهرها الخارجي المميز، واللغة الخاصة بها، وهى في مجملها شخصيات يسهل التفريق فيما بينها، حيث يتحلى المؤلف بقدرة عالية على رسم معالم الشخصية.

الاهتمام بالتفاصيل

من جانب أخر يؤكد الملاح على أن الإهتمام بالتفاصيل يعد سمة أساسية من سمات الرواية الأوروبية بصفة عامة، ومن سمات رواية «العاصمة» بصفة خاصة، فالمؤلف هنا يهتم برسم التفاصيل الدقيقة لوصف معالم المشهد، حيث عمد قبل الشروع في كتابة تلك الرواية إلى زيارة مدينة بروكسل، لعدة أشهر تمكن خلالها من الإحاطة الشاملة بكل معالم المدينة، وبكل ما يتعلق بالمفوضية الأوروبية. وفي هذا السياق يستشهد الملاح بالناقد الروسي الشهير ميخائيل باختين، والذي يصف الرواية بكونها عالما يضم حالة من التنوع الاجتماعي للغات، والأصوات الفردية، يتجلى فيها تعدد الأساليب واللغات واللهجات، الأمر الذي يجعل منها رواية غير التقليدية من حيث البنية والموضوع.

السمة المثيرة في تلك الرواية من وجهة نظر الملاح تتمثل في الحس الساخر للمؤلف، والذي برع في إستخدامه كوسيلة سلسة في عرض أفكاره، حيث يتناول المؤلف بعض المواقف بحس ساخر، ينتقل منها بسلاسة شديدة للسرد المحايد.

ترجمات اخرى لـ «سمير جريس»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: