منوعات

«النيش».. متحف الأسرة ومنطقة النفوذ الأنثوي المحرمة على الرجال

يقف شامخًا في غرور، يعيش في منطقة محرمة، كثُكنة عسكرية ممنوع الإقتراب أو التصوير، نادرًا ما تُمَّد إليه يد، وصعبٌ أن تُفتح أبوابه ونوافذه، تتطلع إليه العيون بشغف، و بسببه تنشأ خلافات زوجية كثيرة. وقد أصبح مادة وموضوعا للتندر على صفحات التواصل الإجتماعى، إذ يشكو الأزواج دائما من تلك الغضبة النسوية العارمة التى ترتسم على وجوه زوجاتهم كلما عنَّ لهم أن يقتربوا منه أو حتى ينظروا إليه، إنه النيش (سلطان أثاث البيت)

للعرض فقط

«النيش»، هذا المبني الخشبي الخرافي، المكسو بالزجاج، الذي يسيطر على مساحة مهولة، من بيوتنا الضيقة، يبدو للضيوف وكأنه «متحف تاريخي» لا يمس، هو للعرض و المشاهدة فقط، لأنه – ببساطة – يحمل الغالي والنفيس، ودليل على ثراء الأسرة، أو على أيام مجدها السعيد.

وكلمة «النيش- Niche» فرنسية المنشأ، و تعني المكان المناسب للشيء الثمين، و يقصد به مكان «شيك» ولائق تحتفظ فيه سيدة البيت، بالقطع الخزفية والفضية الغالية الثمن، والمحببة على نفسها. ولأن «النيش» يبدو كمستعمر بغيض في بيوتنا، فقد استولي على فكرة «دولاب الفضيات» في الماضي، وهو قطعة أثاث صغيرة الحجم، عبارة عن دولاب زجاجي يتم  فيه عرض القطع الثمينة من الفضة- خاصة غالية الثمن أو التي ترثها العروس من والدتها أو جدتها- والآن وبعد أن أصبح هذا «النيش» هو السائد فإن السيدات يحرصن حرصا تاما على الحفاظ على مقتنياته، فهن  يضعن فيه جميع الأشياء القيمة، لدرجة أنهن يرفضن أن يقترب أحد منه حفاظًا على سلامة محتوياته.

«النيش» موجود بكل بيوتنا، والسبب في القلق منه، أو عدم القدرة للتعرض له، يعود لأن قيمة مكوناته قد تتخطي أرقاما فلكية، فهو يحتوي على النادر من أدوات منزلية، ورغم أناقته، فإن اسمه يدل على تكلف غربي يداهم بيوتنا المصرية، فبسبب الإصرار على وجوده، تنشأ كثير من المشكلات في بداية تأثيث بيت الزوجية. وذلك لأنه ثمرة الصبر، وشقي عمر «أبو العروسة وأمها»، اللذين تعبا كي يشتريا لابنتهما ما تريده وتحلم به في بيتها، فالنيش يعبر عن كفاح سنوات ما بين بحث، وجمعيات مالية تقام، «وسلف ودين واقتراض» من أجل شراء محتوياته. كما إنه القطعة الفريدة التي سيشاهدها الضيوف في البيت، وبالتالي يجب إظهار الكفاح في تكوينها، وقد يقول الضيوف ساخرين، لو لم يجدوا نيشا ممتلئا بالأطقم «أهلها مجهزوهاش» أو قد يظهر مدي ضيق اليد لأهل العروسة. فالنيش ببساطة يحمل لافتة وواجهة يسر حال أهل العروس. فإذا أضفنا في تقاليد شراء النيش ومقتنياته قول «مثل بنت طنط سعاد»، أي أنني يجب أن يكون لدي «نيش» مثلها، سنعلم حتمية وجوده في بيوتنا.

كل ذلك جعل النيش فى مكانة ومنزلة خاصة، فهو وإن كان يدل على الثراء أحيانًا، إلا أن الحقيقة، ان شراء تلك الأشياء ربما يحدث «بطلوع الروح» وبعد عمل جمعيات، ولف ودوران في المحلات، لاختيارها، حتى لو كانت غير أصلية، فالهدف واحد وهو وضعها داخل النيش.

عاهة اجتماعية

كل هذه موروثات نأخذها دون تفكير، ودون النظر لأحوالنا المادية و والاجتماعية، أو معرفة حدود جغرافيا بيوتنا الضيقة، إنه ليس موروثا بقد ما هو مرض أو «عاهة اجتماعية» نعيش فيها وتحيا  فينا. و الغريب أننا قلما نجد من «النيش» مساهمة له في أي وليمة أو عزومة، أو قدرة محتوياته على الترحيب بأي ضيوف، ناهيك عن عدم إمتداد يد من الأسرة ناحيته. أو أن يمرح الأطفال وألعابهم بالقرب منه.

ولأن الأزواج لا يعرفون قيمته، وقيمة ما دفع فيه، وقيمة تكوينه وما يحتويه، فهم يظلون يخشونه، خاصة لعدم معرفتهم بأسعار الأشياء التي بداخله، هم فقط يشاهدونها رقمًا في قائمة الزواج، لكن خلف هذا الرقم، كفاح ومعاناة واختيارات ورؤية، تظل سرا من أسرار الزوجة وأسرتها في بناء عش الزوجية.

وتتغلغل فلسفة النيش، داخل عقليتنا المصرية، وهي الاحتفاظ بالأشياء دون استعمالها، فالنيش: «مقبرة فرعونية» نراها ولا نستطيع النبش فيها، لذا فإنه متحف الحياة الزوجية، الذي يذكرنا بأيام ماضية أثناء تأثيث الشقة، وكأنه يثبت أن له الفضل في هذا الحنين الروحي، وإن كان استخدام محتوياته بشكل مناسب ودون تعرضها لخطر، يجعله صديقًا للأسرة ومحافظًا على تراثها ، ودليلا عاطفيًا على أيام الزواج الأولي وما تحمله من عاطفة قد تذوب أو تخفت أو تتلاشي مع مرور الأيام، إلا أن النيش يظل صامدًا لينبهنا بها. فأغلب ما فى النيش لا يستخدم مطلقًا، وأحيانًا يتزوج العروسان وتمر بهما الشهور والأعوام وينجبان ثم يشيخان ويموتان دون أن يفتح النيش العظيم إلا لتلميع وتنظيف الأشياء الأسطورية القابعة فى صمت خلف زجاجه  اللامع.

وإذا ما تجاوزنا عن  عملية تكوين «النيش» وشرائه وحجمه ومبررات وجوده، نجده يتسبب في أحد المشكلات الكبري، وهي ترتيب الأشياء بداخله، فهي من العمليات الهامة والخطيرة، أي التي يجب اختيار أشخاص موثوق فيهم، وكأنهم يقومون بصنع «قنبلة ذرية» لإنجاز تلك المهمة،ولما يحتويه من مقتنيات قيمة قابلة للكسر، ولابد أن يكون لديهم موهبة ترتيب الأغراض بذوق عال، حتى يشاهدها الضيوف.

ومن هنا، يظل النيش قطعة هامة، تتنافس كل أسرة في  عرض محتواها وتكويناتها للضيوف، فلا يصح أن تجلس على مائدة السفرة دون أن تلقي عينيك على قطع النيش ومحتوياته الهامة وغالية الثمن. وكثيرًا ما تصاب كثير من النساء بالقلق، لعدم وجوده، نظرًا لآنه القطعة الهامة التي تحتوي على كل غال ونفيس.

منطقة نفوذ!

ورغم مشاعر السخط، ونظرات الكراهية التي يتلقاها النيش يوميًا، إلا أن جبروته – كمحتل – يظهر بوضوح أثناء تجهيز عش الزوجية، فهو يتسلل خفية ليصبح حجر الزاوية في أي اتفاقات زوجية ليؤكد قدرته على الصمود. كما يضاف إلى – حتمية وجود النيش- الأزمة التي تقع فيها الفتيات وهي «هانحط الكاسات والأطقم فين؟»، لذا فإن تصور رفضهن لوجوده في البيت، يتلاشيء فور إخراج تلك الأشياء من  الصناديق، فيحرصن على وجوده مهما حدث.

ورغم كل ذلك، فنحن نراه يملأ بيوتنا، بل ويعيق حركة حياتنا- وكأن حياتنا ينقصها ما يعيقها- إلا أنه في السنوات الأخيرة، بدأ يحدث انقلاب خطير على النيش، نظرًا لضيق  مساحة الشقق السكنية، وثانيًا لتكاليفه الغالية، وحجمه الذي يمكن الاستغناء عنه، وهي مجرد مبادرات ثورية، أو غضب يملأ النفوس، دون أن تصل الأمور للثورة عليه أو تحطيمه. ورغم كثرة المبادرات ضد وجود  «النيش»، إلا أنها  تظل مجرد مبادرات لا تخرج لحيز الاطاحة به، فما زال قادرًا على التواجد، وبقوة، وإن اتخذ بعض الأشكال المغايرة، سواء في حجمه أو مكانه.

وحتى بعد محاولات الثورة عليه- والتي بدأت تنتشر في الآونة الأخيرة، لدي الكثيرين، لايزال «النيش» يمثل منطقة ذات نفوذ و سيادة انثوية، بعيدًا عن رغبات الزوج. بل وفوق قدراته المادية. لذا تظل منطقته، منطقة محرمة، خاصة على الأطفال، أو عيون الحساد وأيديهم. وإذا كان  قد استطاع أن يصمد لسنوات طويلة، فانني اتمني أن يُقصى  هذا «النيش» من بيوتنا، خاصة أنني لا أزال أشعر بالخوف كلما هممت بإمعان النظر إليه أو مد يدى للمسه، فقد تضبطنى زوجتى متلبسا بهذه الفعلة النكراء!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق