ثقافة

علاقة إنسانية تربطه بأبطال لوحاته.. «عمر الفيومى» الذى يتحدى التطرف بالجرافيتى

جلس الفنان التشكيلي عمر الفيومي، أمام لوحته وألوانه، يمسك بيديه فرشاته، ليرسم بورتريها للفنانة المصورة الفوتوغرافية رندا شعث، وفي غفله منه، تمسك رندا كاميرا التصوير الخاصة بها، لتلتقط صورة له، وهو منهمك مع فرشاته ولوحته، لتصبح تلك الصورة، بوستر معرض «أربعون عاما» الذى أقامه الفيومى بمركز التحرير الثقافي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بقاعة مارجو فيلون، بمقر الجامعة بالتحرير.

Image result for ‫الفنان التشكيلي عمر الفيومي‬‎

شارع الفيومى

تنقلنا لوحات المعرض لعالم عمر الفيومي، وعلاقته بالفن والتي بدأت منذ كان طفلا صغيرا، ولد عام 1957 ونشأ بحي بين السرايات، ذلك الحي الشعبي المواجه لجامعة القاهرة، حيث تتجمع خمس بيوت متقاربة لعائلة الفيومي، يتبرع الجد بأحد تلك البيوت، لبناء مسجد، فيطلق أهل الحي على الشارع اسم «شارع الفيومي».

من هذا الشارع تبدأ الرحلة، وحيث اعتاد الصبي أن يقف بشرفة مسكنه، يتابع ويتأمل حركة ووجوه المارة، وحين تسافر الجارة «الست أم حربي» رحمها الله، لأداء مناسك الحج، يطلب الأهل من الصبي عمر- الذي كان تلميذا بالمدرسة الإعدادية- والمعروف عنه حبه للرسم، أن يرسم رسوم الحج، على جدران بيت «أم حربي»، التي اعتاد أهالي المناطق الشعبية، استقبال الحجيج بها، عند عودتهم من مناسك الحج. يطلب الصبي من أهل البيت أن يوفروا له سلما خشبيا، وبعض المواد التي سوف يستخدمها في الرسم على جدران البيت، ليرسم طائرة محلقة فى السماء، ومركبا بالبحر، وجملا يسير بالصحراء، وبعض الكلمات المختارة، «حج مبرور وذنب مغفور».

يكبر الصبي، ويجتاز الثانوية العامة، ليلتحق بكلية الفنون الجميلة، عام 1976، وفى تلك الفترة اعتاد عمر أن يستيقظ مبكرا، ليذهب لأتيليه الكلية، الذي كان يضم ثلاثين دارسا للفن، عشرون منهم يدرسون التصوير، وعشرة يتخصصون في الجداريات، كان عمر واحدا من هؤلاء العشرة.

يصف عمر الفيومي نفسه خلال فترة الجامعة بأنه كان يشبه «الإسفنجة التي تمتص المياه»، يزور المتاحف والمكتبات والمراكز الثقافية، يتعلم ويجرب ويحاول إستيعاب ما تلتقطه عيناه، ويتعرف على زملائه من اليساريين الذين حاولوا ضمه لمنتدياتهم وأنشطتهم، غير أنه كان يعتذر لشغفه بالفن التشكيلى وعشقه له واندماجه فيه.

يروي الفيومي عن علاقته بأساتذته وكيف أنهم كانوا يشكلون فريقين، فريق يرى أن على الطلاب التعلم، وسماع ما يمليه عليهم أساتذتهم من نصائح وتوجيهات، وفريق آخر أقل عددا يرى أن على الطلاب أن يجربوا بأنفسهم ومن ثم يتعلمون من خلال تجاربهم، كان عمر محبا لهذا الفريق الثاني، الذي يمنح طلابه حق التجريب، أما عن أحب أساتذته إلي قلبه فكان حامد ندا، ذلك المعلم، الذي إعتاد توجيه النصح من خلال عمل طلابه ذاتهم، وليس من خلال رؤيته الخاصة لما يجب أن يكون عليه العمل.

رحلة روسيا

يأتي عام 1986، فيسافر الفيومي فى منحة دراسية، عن طريق منظمة الأفروآسيوي، لدراسة الفن بأكاديمية ريبن في سان بترسبورج بروسيا، بدعم وتوصية من الكاتب الراحل السيد ياسين، والذي كان قد شاهد أحد معارض الفيومي بأتيليه القاهرة، ليعجب بعمله ويطلب منه زيارته بمكتبه والتواصل معه، بعد أن رأى فيه فنانا مختلفا، من ثم تبدأ مرحلة جديدة في حياة عمر الفيومي، حيث قضي نحو سبع سنوات فى روسيا، يرسم ويجرب، وفقا لقواعد وأساليب ورؤية جديدة لم تكن متاحة له من قبل، وفي ذات السياق يتزوج، وينجب ليصبح أبا، لشاب حرص أن يقف مع والده بمعرض «أربعون عاما للفنان التشكيلي عمر الفيومي».

Image result for ‫الكاتب الراحل السيد ياسين‬‎

الكاتب الراحل «السيد ياسين»

يعود الفيومي للقاهرة، ليشارك في العديد من المعارض، بأتيليه القاهرة، وقاعة عبد المنعم الصاوي، والمشربية، والمركز الثقافي الروسي، ومجمع الفنون وغيرها من المعارض، وحيث أقام الفيومى عددا من المعارض الفردية وشارك فى عشرات المعارض الجماعية.

وجوه

يتجول عمر الفيومي بمعرضه ويروي بعض قصص لوحاته، حيث تحتل المقاهي وروادها مساحة كبيرة من أعماله، فهو الفنان المحب للجلوس على المقهى، يتتبع حركة روادها يتأملهم في حلهم وترحالهم، في صمتهم وصخبهم، يقف عند لوحة «عم إبراهيم» ذلك الرجل الشيوعي، الذي مكث بسجن الواحات نحو عشر سنوات، ليخرج بعدها يروي الغريب وغير المألوف من الحكايات، يجلس يوما بجوار الفيومي، يتكلم معه كلاما غريبا، يحدثه عن طعامه الذي يتكون من سندوتشات الفول والطعمية، يتبعهم بكوب الشاي، ويقول له أنه سوف يطير إلى السماء.

«عم إبراهيم»

لوحة «بهنسي السوداني» الملاك الذي يقف متأملا صامتا، تحيط به ملائكة صغيرة، تطفو محلقة بالسماء، وبهنسي هذا كان أحد رواد المقهي، رجل سوداني، شديد الصمت، يسير بالشوارع وعند كل شارع جديد يضع كفه على الأرض، ليقدم للأرض التحية، يمر على الفيومي كل مساء يطلب منه سيجارة، فقط سيجارة، ثم يذهب لحال سبيله.

 ذات صباح وجدوا جثته على قارعة الطريق، حيث مات  فى العراء بقسوة برد الشتاء، عرف الفيومي بعدها أنه كان قبل أن يجيء إلى مصر، يعيش في بريطانيا، يعزف الموسيقى ويغني ويرسم، وله عدة لوحات بالمتحف البريطاني، تأثر الفيومي كثيرا لنبأ موته بتلك الطريقة الشنعاء، فرسم تلك اللوحة.

يضم المعرض عددا كبيرا من البورتريهات، للعديد من معارف وأصدقاء الفنان، يختارهم الفيومي بناء على معرفته الشخصية بهم، وعلى ما قد تثيره تلك الوجوه من معاني لديه.

«بهنسي»

نقطة تحول

يروي الفيومي عن أول تجربة له في عالم فن البورتريه، وذلك عام 1983، حين سأله أحد أصدقائه عن الهدية التي سوف يقدمها لصديقه الأستاذ شوقي فهيم، وكان يعمل مذيعا بالبرنامج الثاني، يصفه الفيومي بأنه رجل مثقف، كان يأتي إلى المقهي كل يوم يجلس وحيدا، مسندا رأسه على يديه، رد الفيومي قائلا بأنه سوف يرسم له لوحة ما، عاد الفيومي إلى مسكنه تلك الليلة، وهو لا يدري شيئا عما سوف يرسم بتلك اللوحة، أخذ يفكر مطولا حتى وجد نفسه، على مشارف الصباح، حتى واتته فكرة أن يرسم بورتريه للأستاذ شوقي وهو يجلس وحيدا يفكر بالمقهي. هذه اللوحة بالتحديد يصفها الفيومي بأنها قد غيرت مسار علاقته بالفن تماما، حيث اكتشف ولعه الشديد بالغوص في نفوس البشر عبر تأملهم ومن ثم رسمهم.

تجربة الجرافيتي

جاءت ثورة 25 يناير 2011، لتمتلىء شوارع القاهرة، بفن الجرافيتي، ثم سرعان ما تختفي تلك الرسوم لأسباب كثيرة، فينحصر فن الجرافيتي بالقاهرة، غير أن الفرصة لا تضيع تماما حيث يبدأ الفنان التشكيلي الدكتور عبد الوهاب عبد المحسن، بالإشتراك مع الفنانة التشكيلية إيمان عزت، بالدعوة لمهرجان البرلس- الذي يستمر لمدة أسبوعين- وقد نظم المهرجان بعد ذلك لخمس سنوات متتالية ليشارك فيه الفيومي، وعدد من الفنانين التشكيليين، وبمساعدة محافظ كفر الشيخ يتم تنظيف كورنيش البرلس، ويقوم الفنانون بالرسم على حائط الكورنيش، وعلى جدران البيوت، ليستقبل أهل البلد، هذا المشروع في عامه الأول بعداء شديد، حتى أن أحد الأهالي  وقف مخاطبا الفيومي قائلا، «بدل ما تعملوا الكلام ده، أكلوا الناس الغلابة»، غير أن هذا الوضع ما لبس أن تغير، حتى أن المهرجان الأخير قد شهد مشاركة فعالة من قبل بعض الأهالي، بل  إن بعضهم قد أحضروا الألوان وشاركوا بأنفسهم في تزيين جدران بيوتهم.

يروي الفيوم عن تجربته هذه بحماس شديد، فهو العاشق للبورتريه، قد رسم العديد من البورتريهات على جدران البيوت بالبرلس والفيوم، غير أن البعض قد شوه تلك الرسوم بالفيوم، يعتقد الفيومي أن من قام بذلك التشويه بعض الأهالي المنتمين للتيار الإسلامي المتشدد والذين يرون أن «الفن حرام»، غير أنه قد وعد بمعاودة الرسم على ذات الجدران مرة أخرى.

وبالإضافة للرسم على جدران البيوت، شارك الفيومي بالرسم على المراكب، حيث قام بالرسم على أربعة مراكب، بورتريهات وجوه الفيوم وماري جرجس.

معرض الفيومي المقام حاليا بمركز التحرير الثقافي بالجامعة الأمريكية، ويستمر حتي منتصف شهر مايو القادم، تحت عنوان «أربعون عاما للفنان التشكيلي عمر الفيومي» وهو حقا رحلة ممتعة في عوالم مقاهي القاهرة، وفى وجوه روادها سواء من البسطاء أو من النخبة والمثقفين.

Related image

Related image

Related image

Image result for ‫الفنان التشكيلي عمر الفيومي‬‎

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: