رؤى

فريدوم هاوس: هل لاتزال الولايات المتحدة الأمريكية دولة حرة؟

كتب: بول أر بيلار

ترجمة و عرض: تامر الهلالي

   أصدرت منظمة فريدوم هاوس مؤخراً تقريرها السنوي الأخير عن حالة الحقوق السياسية والحريات المدنية في جميع أنحاء العالم. ويخلص التقرير بوجه عام، إلى أن عدد البلدان التي تدهور أداؤها في عام 2018 أكبر من عدد تلك الدول التى شهدت تحسناً فى حالة حقوق الإنسان السياسية وحرياته المدنية، على الرغم من أن الفرق بين المتراجعين والمتقدمين كان أقل من عام 2017.

   لم يحمل التقرير جديدا فيما يخص احتفاظ الدول العربية وغيرها من دول العالم الثالث بترتيبها المتراجع والمعتاد في التقارير السابقة، ولكن الجديد في التقرير كان يتعلق بتأكيده على استمرار الأداء المتدهور للولايات المتحدة فى مجال الحقوق السياسية والحريات والذي بدأ رصده بوضوح منذ العام 2016 بوجه خاص أى مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وكان هذا التدهور واضحاً إلى درجة أن جزءاً كبيراً من تقرير هذا العام، علاوة على الخلاصات الإقليمية المعتادة ومناقشة الاتجاهات العالمية، خُصّص لمناقشة أوضاع الحريات المتراجعة في الولايات المتحدة. من بين تلك المواد برز مقال، كتبه رئيس لجنة الحريات في المنظمة، مايكل أبرامويتز حول المشكلات ذات الصلة في الولايات المتحدة.

Image result for ‫دونالد ترامب‬‎

دونالد ترامب

ترتيب غير مناسب

    لا يزال يتم تصنيف الولايات المتحدة على أنها بلاد «حرة» في تصنيف ثلاثي الأوجه تكون فيه الفئات الأخرى «حرة جزئياً» و«غير حرة»، لكن في نظام تسجيل الأرقام التابع لمؤسسة فريدوم هاوس، تحتل الولايات المتحدة المرتبة الحادية والخمسين من أصل سبعة وثمانين من البلدان التي تم تصنيفها على أنها «حرة»، ونظراً للمزايا الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة – بما في ذلك ثروتها، وأمنها الجغرافي، وتقاليدها الدستورية وتاريخها، فإنه يمكنها بل يجب عليها أن يكون أداؤها أفضل من ذلك.

   في مقاله يرصد أبرامويتز أن بعض التحديات الحالية التي تواجه الديمقراطية الأمريكية كانت موجودة حتى من قبل مجىء إدارة دونالد ترامب، مشيراً إلى «تعاظم الاستقطاب السياسي، وتراجع الحراك الاقتصادي، والتأثير الضخم للمصالح الخاصة، وتناقص تأثير التقارير المستندة إلى الحقائق لصالح المواد الإعلامية لوسائل الإعلام الحزبية المتحاربة».

   و تزامن اعتلاء ترامب منصبه، مع الانخفاض الحاد الأخير للولايات المتحدة على مؤشر النتائج في تقرير فريدوم هاوس، بين عامي 2016 و 2017 فيما يتعلق بحالة الحقوق السياسية والحريات المدنية. يرصد أبرامويتز قائلا: «ليس هناك من شك في أن الرئيس ترامب يمارس تأثيراً على السياسة الأمريكية التي تجهد قيمنا الأساسية واختبار استقرار نظامنا الدستوري حيث لم يبد أي رئيس في الذاكرة الحية احتراماً أقل لمبادئه وقواعده».

Image result for ‫تمثال الحرية‬‎

ويمكن استخدام هذا النوع من المقاربات العابرة للقارات و البلاد التي يتيحها تقرير فريدوم هاوس بشكل مفيد لوضع العديد من نقاط الجدل في السياسة الأمريكية المحلية من منظور أفضل مما ننظر به إليها الآن. سيكون هذا صحيحاً بشأن قضايا عديدة تتراوح بين الرعاية الصحية ومراقبة الأسلحة، حيث نشير دائما في هذه التقارير لمرجعيات محلية تتسم بقصر النظر في تجاهل الأطر المرجعية الأكبر التي تتجاوز حدود الولايات المتحدة.

إن البدائل السياسية التي قد يتم انتقادها تأتي على هامش الإطار المحدود الذي يميز أغلبية النقاش السياسي الأمريكي، أما بالنسبة لعناصر الحرية والديموقراطية التي ترصدها نتائج فريدوم هاوس بشكل عابر للدول ومعولم، فإن ما ينظر إليه من وجهة النظر الأمريكية المعتادة التي تمثل قصوراً أمريكياً في إظهار القيم الديمقراطية الليبرالية لا تتعدى مؤشراته مجرد «أداء متوسط».

Image result for ‫الليبرالية الأمريكية‬‎

دولة منافقة!

   يجب أن يشعر جميع الأميركيين – حتى أولئك الذين لا تهدد مصالحهم استراتيجيات العلاقات الخارجية – بالقلق إزاء هذا النمط من التراجع. إن أوجه القصور والاتجاه السلبي في مجال العلاقات الخارجية المتدهورة يمثلان مصدرين للقلق بشكل أساسي من – وجهة نظر صحة الديمقراطية الأمريكية نفسها-. أضف إلى ذلك، ثمة آثار مترتبة على هذا التدهور. يعزى ذلك جزئياً إلى التأثير الضخم للولايات المتحدة كقوة عظمى في العالم، كما أن الولايات المتحدة تقدم نفسها باعتبارها أكبر ممثلى أيديولوجية الحرية والديمقراطية. و يجب أن نشير هنا إلى أن ثمة عواقب ستحدث جراء كون العلاقات الخارجية ليس لديها اعتماد على أي استراتيجية كبرى محددة فيما يتعلق بتعزيز الديمقراطية في الخارج.

في السياق ذاته, فإن الآخرين ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها قوة منافقة كلما ألقت نصائح أو محاضرات أو مارست شكاوى أو ضغوطاً على دول أخرى حول كونها حرة وديمقراطية بشكل غير كاف, حيث ستحمل رسالة الولايات المتحدة وزنًا ومصداقية أقل بكثير مما يجب أن يكون عليه الأمر لو كانت تحترم قيمها ودستورها بالفعل، ومن المحتمل أن تكثر وتتعدد الآثار السيئة بالفعل تحت إدارة ترامب.

ثمة تأثير آخر يتمثل في زيادة الشكوك حول أي رسائل أمريكية في أية قضية.والنتيجة الأخرى هي أن الخروج الأمريكي عن قيم الديمقراطية الليبرالية في الداخل يشجع الكثيرين في الخارج، ممن ينتهكون حقوق الإنسان على مواصلة انتهاكاتهم، وبعضهم يسعد بإجراء مقارنات واضحة مع ما تفعله الولايات المتحدة في هذا الإطار.

و يعد هذا صحيحاً حتى بدون تفضيل أمريكى واضح للأنظمة الاستبدادية على الأنظمة الديمقراطية، كما هو الحال مع الكثير من سياسة ترامب تجاه أوروبا. على سبيل المثال، اتبع العديد من الحكام المستبدين في جميع أنحاء العالم ما يفعله ترامب في إطار مهاجمة مفهوم الصحافة الحرة. علاوة على ذلك، هناك نتيجة أخرى تتمثل في أن قادة الولايات المتحدة يتعاملون مع نظرائهم الأجانب دون الكثير من الدعم والشرعية، مثل ممثلي الديمقراطية القوية.

مقارنة كاشفة

لابد أن نقارن مؤشرات الولايات المتحدة ليس بالدول ذات الأنظمة الاستبدادية ولكن مع البلدان المتقدمة الأخرى. في هذا السياق، على سبيل المثال، تعتبر منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كمنتدى واحد جامع لدول متقدمة في مؤشرات الديمقراطية, مرجعاً هاماً للمقارنات الصحيحة. على سبيل المثال, ذكر تقرير سجل فريدوم هاوس، أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الحادية والعشرين من أصل تسعة وعشرين عضوًا في الحلف ـ بمعنى آخر، في الثلث الأسفل. وإذا كان لدى الناتو سبب مستمر للوجود، فيجب أن يكون لهذا السبب علاقة بحماية الديمقراطية الليبرالية الغربية. كانت الولايات المتحدة تتحدث بصوت عالٍ حول تحمل الوزن المادي الأكبر في الإنفاق العسكري، لكن لديها سجل يستحق الانتقاد والشجب في ممارسة أدوارها ومسئوليتها فيما يتعلق بالالتزام بمباديء الديمقراطية الليبرالية.. في هذا السياق نستطيع أن نذكر الاتحاد الأوروبي -الذي يعتبره كل من ترامب ومؤيدي خروج بريطانيا من الكتلة الأوروبية- إهانة للإرادة الشعبية للدول الفردية, ومع ذلك فإن اثنتين وعشرين دولة من أعضاء الاتحاد تسبق أمريكا فى مؤشرات الديمقراطية، وفي مقارنة بسيطة أوسع نطاقًا مع مجموعة العشرين، وهو نوع من مجلس الإدارة العالمي الذي يشمل أنظمة استبدادية مثل روسيا والصين وحتى مع وجود هذه البلدان غير الديمقراطية في مجموعة العشرين، فإن الولايات المتحدة يأتي ترتيبها في المنتصف بالكاد بين الدول الأعضاء في المنظمة,حيث تقبع كتاسعة من بين الأعضاء العشرين.

Related image

لسوء الحظ، فإن الافتراض الراسخ بأن الولايات المتحدة هي مثال للحرية والديمقراطية يعني أن القليل من الأمريكيين من المرجح أن يستجيبوا للمؤشرات التحذيرية لمنظمة فريدوم هاوس حول حالة ديمقراطيتهم الخاصة.

 

تعريف بالكاتب:

بول. آر. بيلار هو محرر مساهم في مجلة «ذي ناشيونال انترست» ومؤلف كتاب Why America Misunderstands the World «لماذا تسيء أمريكا فهم العالم».

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق