منوعات

«السبرتاية».. ملكة الحكايات التي لا يعرف قيمتها إلا «أصحاب المزاج»

هكذا دخلت تلك الصغيرة اللامعة بيوتنا، لتضبط «مزاج أيامنا»، نشتاق إليها، ونبحث عنها، كلما مسّنا الحنين إلى فنجان قهوة «يعدل» الدماغ، و«يزن الأمور»، ويزيل التوتر ويجعل الأجواء مناسبة للتفكير بتأن وروية وتعقل. إنها «السبرتاية» ذات الأرجل الثلاث والنار الهادئة الخجول  التي تستقبل «الكنكة» وقد طفا البن على سطح مائها، فما أن يستوى وتلفح الرائحة المميزة أنوفنا حتى نتجلى فى حضرة تلك الساحرة «القهوة»

«السبرتاية» بالنسبة لنا هي: مايسترو «مسك السيرة» والثرثرة الأسرية ونميمة العجائز وإفشاء الأسرار، هي صديقة الجدات والأرامل وأرباب المعاشات، تؤنس وحدتهم وتشاركهم حكاياتهم وأحاديثهم الغارقة في رائحة الماضي والذكريات.

هي ملكة الحكايات، على نارها الهادئة نجتر الماضي وأحداثه، فنمتلئ بالشجن، لذا تصاحب لهيبها دموع كثيرة، فهي مسكينة وضعيفة وناعمة وهادئة وصابرة، ومع ذلك فإن أجمل وأحلي فنجان قهوة في العالم بـ «وش» لا يكون إلا على شعلتها الذابلة الصغيرة.

في الحقيقة لم أكن اعرف إنني سوف أتعب كثيرا «وأدوخ السبع دوخات» كي أعثر على «السبرتاية»، وعندما استطعت الحصول عليها، لم أكن أعلم أن جلستي مع أهل بيتي أو مع بعض الأصدقاء، ستمتد وتمتد، وأن عبير الذكريات يحضر، في جلسات مليئة بالحكي والذكريات والبكاء أحياناً، حيث تشعرنا «السبرتاية» أن الماضي كان أبسط وأمتع برغم كل ما يحيط بنا من مدنية وحداثة، وبصحبة «كنكة» القهوة والسبرتاية ندردش ونحكي عن أيامنا وأحلامنا ومستقبلنا، لتقلب السبرتاية، حياتي، وتصبح طقسا محببا لي، وتصبح جلستها هي ملاذي الذي ألجأ إليه كلما ضاقت بي الظروف.

أنظر اليها ،وهي تقف مرتكزة على أرجلها الثلاث الممتدة، والتي تصبح أطرافها قاعدة توضع عليها الكنكة كي لا تقع أو تسقط، وبطنها المكتنز الصغير الذي أملؤه بالكحول، ثم أشعل فتيلتها الصغيرة بعود كبريت، وكأني أخشي على تلك الطقوس أن تنسي أو تتلاشي. ثم أجلس أشاهد تلك العين الصغيرة وهي مشتعلة، قبل أن أضع عليها كنكة البن ثم أتابعها  حتى  لحظة فوران القهوة وانبعاث رائحتها في المكان، بعدها أضع الطربوش النحاسي عليها، ليخمد لهيبها الأزرق الصغير.

القهوة الأحلى

غذاء «السبرتاية» هو الكُحُول الذي ينتج من تخمر السكر والنَّشاء، ويعرف بروح الخمر، لذا تعرف السبرتاية بـ «الموقد الكحولي» أو «وابور سبرتو»، نسبة إلى معناها باللغة الإنجليزية Spirit burner = spirit lamp، ومن السبرتو أي الكحول جاءت كلمة «سبرتاية».

وعلى لهيبها الواهن، تُصنع أحلي «كنكة بن» أو أحلى «فنجان قهوة»، وهما مسميان يطلقان على أجمل فنجان قهوة يتم صنعه عليها ،ويمكنك أن تحتسيه في حياتك، ففنجان القهوة المميز يجب أن يكون له «وش» أي وجه على السطح، وهذه مهارة لا يتقنها الكثيرون الآن.

فإذا كنت من عشاق القهوة، فأنت لن تتنازل عن فنجانك الذي صنعته على«السبرتاية»، حيث شاهدت الكثيرين يأخذونها معهم في رحلاتهم وتحركاتهم، نظراً لخفتها وصغر حجمها، مرددين دائماً عبارة «أحسن فنجان قهوة من السبرتاية»، لذا نصف صاحب هذا الطقس بأنه «صاحب مزاج» وله طقوس في تحضير فنجان بن أو قهوة، يضاف إلى ذلك أن رائحة القهوة المعُدة على «السبرتاية» مميزة لا يمكن أن تنسي مهما سافرت وتجولت واحتسيتها في أي مقهي من مقاهي الدنيا.

طقوس ملكة الحكايات

والجميل في تلك «السبرتاية» أنها لا تقدم هذا الطقس منفردة، فيجب أن تكون معها «عدة القهوة» والتي تشتمل على: علبة البن، والكنكة النحاسية ذات المقبض الخشبي، والصينية النحاسية التي يوجد معها أربعة أو ستة فناجين صغيرة من الخزف الصيني بدون يد للإمساك بها، وتسمي هذه الفناجين «فناجين بيشة»، وهي مفضلة عند كبار السن، ولا يوجد معها أظرف وهي الأطباق الصيني الصغيرة التي توضع عليها الفناجين.

حول جدتي و«السبرتاية» كانت تتحلق نساء الأسرة: أمهات وخالات وجارات، هي تقوم بإعداد فنجان القهوة لهن على  السبرتاية، وبينما النسوة  ينتظرن دورهن في تناول القهوة، يستمر الحكي وتتواصل الثرثرة، بلا ملل، وبجوارهن يقبع مذياع صغير تفتحه جدتي على صوت الشيخ محمد رفعت أو أم كلثوم أو لسماع آخر اخبار الدنيا.

وقد رأيت حول لهيب السبرتاية الواهن، جلسات التفاوض والاتفاق قبل الزواج وجلسات الصلح بعد الزواج. 

وعلى لهيبها الهادئ الضعيف، نتلمس دفء العواطف والحب والحنين بشغف للماضي ولأشخاصه وأنفاسهم التي كانت تحيط بنا، وكذلك يرتبط إعداد فنجان القهوة على «السبرتاية» بالحالة المزاجية العالية التي يكون فيها الشخص، كالرقة والحكي والهمس والابتهاج.

قراءة الفنجان

كما أن فنجان القهوة المُعدة على السبرتاية لا يكتفي بطقس الحكي أو النميمة النسائية، أو ذكريات الماضي للجدات، بل يمتد بعد ذلك لفن«قراءة الفنجان»، وهو ما تتقنه العجائز كما تتقن السبرتاية إنضاج القهوة، لذا يتفاءل الكثيرون بهذا، خاصة لو حمل الفنجان أخبارا سعيدة أو، أو جاء بقراءة تريح صاحب أو صاحبة الفنجان.

ولأن الجلسة النسائية حول «السبرتاية» تكون هى السبب الأساسى في زواج الكثير من الفتيات عندنا في الشرق، إلا أننا نجد الأمر مختلفا في الغرب، ففي إنجلترا على سبيل المثال، إذا أرادت فتاة أن تختار شاباً زوجاً لها، عليها أن تراقبه أثناء تناوله القهوة، فإذا رأته يضع السكر في فنجانه قبل صب القهوة، تخلّت عنه، باعتباره قليل الميل إلى الإناث.

ومع أن السبرتاية النحاس كانت من أساسيات جهاز العروس وهي تنتقل إلى بيت الزوجية، إلا إن  هذا الأمر تلاشي تماماً، ولم تعد السبرتاية من أساسيات بيت الزوجية، ولم تعد العروس تبحث عنها وهي تشتري جهازها وأجهزة مطبخها، بل إنها اصبحت من أدوات الزينة والديكور لشكلها النحاسي اللامع. لذا فقد أخذت خلال السنوات الأخيرة، بعدا جماليًا، حيث كثر إستخدامها كقطعة ديكور في المنازل، ولأنها مصنوعة من النحاس، فقد أتاح ذلك تطويرها بإضافة النقوش عليها عبر فنيي الحفر والنقش اليدوي، بوضع رسوم جميلة وتصاميم زخرفية عليها، وهو ما يجد إقبالا من جانب السياح الأجانب والعرب الزائرين لأسواق خان الخليلي والحسين والأزهر في وسط القاهرة .

ومع ذلك ستظل السبرتاية، بهجة لأصحاب المزاج، وطقسا محببا لنفوسنا، مهما طغت علينا المدنية، فهي طقس لا يمكن ان ينسي أو يغيب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق