منوعات

سليمان باشا الفرنساوي.. مؤسس العسكرية المصرية الحديثة

يحلو للبعض أن يطلق عليه لقب (أبو الجيش المصري)، ويطيب لآخرين الزعم بأنه مؤسس العسكرية المصرية الحديثة، والحقيقة أنَّ الجيش المصري كان قد خاض حربا ضروسا امتدت لنحو سبع سنين في شبه الجزيرة العربية أنهى خلالها وجود الدولة السعودية الأولى (1744-1818) قبل ظهور الرجل على مسرح الأحداث بنحو عامين.

عاد الجيش من جزيرة العرب عودة مظفّرة؛ لكنه كان قد تكبد خسائر جسيمة، فكان من المتوجب على «محمد علي» أن يعيد بناء جيشه على أسس علمية، حتى يستطيع به مقارعة أقوى جيوش العالم؛ محققا الانتصارات، تنفيذا لأحلامه التوسعية التي تحولت إلى كابوس بعد معارك استمرت لثلاثة عقود ونصف.. أنهكت الدولة الناشئة وأجهضت المشروع.

محمد علي

 لكن اللافت للنظر أن الجيش المصري ظل محافظا على كيانه قويا متماسكا بعيدا عن عوامل التفكك والانهيار والانزواء بعيدا عن مسرح الأحداث لأكثر من عقد من الزمان بُعيد رحيل محمد علي، ولا عجب إذا علمنا أنَّ قائده العام حتى 1860، كان هذا العسكري الفرنسي الفذ الذي ساقته الأقدار ليكون نجما لامعا في سماء الشرق.

المقاتل الشرس الذي واجه الإعدام

إنَّه «جوزيف أنثليمي سيف» المولود في «ليون» عام 1788، لأب من أرباب الصنائع أراد لابنه أن يكون مساعدا له؛ فلما أبى الفتى دفع به وهو في الثانية عشرة إلى القوة البحرية في ذروة الحروب النابليونية.. لكنه يظهر براعة وتفوقا فيرقَّى برغم ما عُرف عنه من شدة وعدم انصياع.

ثم تقذف به الأقدار في أتون معركة «الترافلجار» وهو بعد في السابعة عشرة ،فيصاب إصابة بالغة كادت تنهي حياته؛ لكنه يتعافى سريعا ويعود إلى الخدمة ليواجه حكم الإعدام عقب تحطيمه لعصا غليظة على ظهر قائده المباشر، بعد أن وجَّه له الأخير السباب محاولا الاعتداء عليه بالضرب.

Related image

ويتدخل الكونت «دي سيجور» لإسقاط العقوبة عن «جوزيف» اعترافا بجميله، إذ أنقذه من الموت قبل سنوات.. وفور إطلاق سراحه يسافر إلى إيطاليا للالتحاق بالجيش الفرنسي الذي كان يخوض حربا مظفرة ضد التحالف الرباعي، وعلى مدار عامين يشترك «سيف» في معارك طاحنة، يظهر فيها شجاعة غير عادية حتى لُقب بالشرس؛ لكنه يصاب في إحدى المعارك بالقرب من «ميونخ» مما يتسبب في وقوعه في الأسر؛ ليقضي عامين في أحد السجون الهنجارية؛ لكنه يعاود الالتحاق بالجيش فور تحرره في 1811، ويخوض المعارك مجددا في الحرب الفرنسية الروسية، فيقاتل في «هانوفر» ويدخل «موسكو» بعد الانتصار الفرنسي الخادع في «بورودينو» ثم يبرز كأحد أهم أبطال معركة «دريسدن» التي قهر فيها «نابليون» جيوش التحالف السادس في السابع والعشرين من أغسطس1813، وهي المعركة التي رُقِّي بعدها لرتبة الملازم ثان وكاد يمنح ميدالية «لوجيون دونور» لولا عدم تقبله لطريقة «نابليون» في المزاح عندما خاطبه قائلا «هل أنت سيف الذي طالما حدثوني عن شراسته» مما جعله يستأذن في الانصراف قبل منحه الميدالية حسب الرواية التي أوردها الأمير «عمر طوسون» في كتابه الجيش المصري البري والبحري- بشكل تفصيلي.. إلا أن ذلك لم يحل دون ترقيته بسرعة ليصل إلى رتبة الكولونيل.

Image result for ‫الحرب الفرنسية الروسية‬‎

الخطأ الذي جعله يذهب إلى مصر

بعد انتهاء المغامرة النابليونية عقب الهزيمة في «ووترلو» سُرِّح الكولونيل سيف من الخدمة العسكرية بعد عودة الملكية، وحاول العمل بالتجارة في باريس، ثم مندوبا لإحدى الوكالات التجارية الفرنسية في إيطاليا؛ لكنه وعلى مدى أربع سنوات لم يحرز نجاحا يذكر؛ فهو لم يخلق لمثل هذه الأعمال؛ إنما خلق ليكون قائدا عسكريا؛ ربما حدثته نفسه بذلك مرارا؛ وفي غمرة الأسى تذكر «سيف» الكونت «دي سيجور» فكاتبه طالبا منه خطاب توصية للالتحاق بخدمة شاه فارس الذي أعلن عن حاجته لضباط لتدريب الجيش الفارسي؛ إلا أن خطاب التوصية الذي وصل إلى الكولونيل كان موجها إلى نائب السلطان في مصر «محمد علي» باشا، مع شرح مستفيض لمزايا الالتحاق بخدمة الباشا جعلت الكولونيل سيف يقرر وبشكل نهائي التوجه إلى أرض الكنانة.

بوصوله إلى مصر فتح الرجل صفحة جديدة سطّرها بمداد قلبه، إذ لم يدخر وسعا في سبيل إتمام كل ما كُلِّفَ به على أكمل وجه وفق ما يفرضه عليه شرفه العسكري ونزاهته الشخصية، وكانت أولى المهام التي كُلِّفَ بها من قبل الباشا التوجه إلى السودان للبحث عن الفحم الحجري، ولم تكلل المهمة بالنجاح فعاد إلى القاهرة وقدم للباشا تقريرا وافيا عما قامت به بعثة التنقيب من أعمال؛ وكأن الباشا قد أراد قياس مدى جدية الرجل وصلابته، وكانت النتائج مرضية جدا بالنسبة له، ثم كلفه بإقامة أول مدرسة حربية في أسوان، ودفع إليه بأربعمئة من مماليكه، وأمر كبار رجال الدولة بإرسال صفوة مماليكهم حتى اكتمل العدد ألف مملوك، استمر «سيف» الذي صار اسمه «سليمان» بعد أن أعلن إسلامه ومنح لقب أغا- في تدريبهم ثلاث سنوات عانى خلالها أشد المعاناة من صعوبة المناخ وعناد المتدربين، كما تعرّض لمحاولتي اغتيال؛ لكنه تغلب على كل ذلك بذكائه الشديد وشخصيته القاهرة وشجاعته ومروءته التي حفظت للمتآمرين حياتهم بعد قراره معالجة الأمر بنفسه وعدم إبلاغ الباشا.

بالتزامن مع ذلك رأى «محمد علي» أن يطبق ما عرف بالنظام الجديد على المصريين ممن تم إلحاقهم بالمدارس التي نشأت وعملت تحت إشراف سليمان بك كالمدرسة الحربية بـ «الخانقاه» ومدرسة الفرسان بالجيزة ومدرسة «الطوبجية» كما أنشأ في القاهرة معامل لسكب المدافع وورشا ومصانع لسائر حاجيات الجند.

Related image

الرجل الثالث

ووفقا لجميل عبيد في كتابه قصة احتلال محمد علي لليونان استطاع سليمان باشا الفرنساوي بحلول عام 1823، تكوين ستة «آلايات» (ألوية) قوامها 25000 جندي وضابط، وإن تم تعديل طفيف في عدد الأورط (الكتائب) في «الآلاي» من خمسة إلى أربعة، وعدد الجنود في كل «أورطة» من 800 إلى 816 جندي، وقد توجه «الآلاي» الأول إلى «كردفان» والثاني إلى الحجاز أما بقية «الآلايات» فقد توجهت وعلى رأسها إبراهيم باشا وسليمان باشا لإخماد ثورة اليونان على الحكم العثماني، فيما عرف بحرب «المورة» التي استمرت من 1824: 1827، وقد حقق الجيش المصري في هذه الحرب انتصارات عظيمة لولا تدخل الدول الأوروبية بعد الدعوة التي أطلقها الشاعر الإنجليزي «جورج جوردون بايرون» لإنقاذ بلاد الحضارة الإغريقية من البرابرة -على حد تعبيره- كما أزكى الحمية الأوروبية وفاة الشاعر ذاته على أرض اليونان في مدينة «ميسو لونجي» التي نسب الدور الأكبر في فتحها لسليمان باشا وفق عدد من الروايات.

وفي حروب الشام كان سليمان باشا قائدا للمدفعية وكان تحت إمرته ستة آلاف مقاتل استطاع أن يرد بهم قوات العثمانيين في أكثر من موقعة أشهرها «بيلان والإسكندرون وقونية» برغم أنه كان يواجه بقوات أضعاف قواته، وعندما عاد إلى القاهرة أثنى عليه الباشا ومنحه رتبة «الميرميران» وولّاه رئاسة أركان الجيش المصري ليصبح الرجل الثالث في الدولة بعد «محمد علي» وولده إبراهيم الذي سيصحبه إلى فرنسا في 1846، ليشهد الحفاوة البالغة التي استقبل بها من قبل الملك لويس فيليب الذي منحه وسام جوقة الشرف، ودعاه لحضور مناورات الجيش الفرنسي والاجتماع بكبار قادته واطلاعه على أحدث ما توصل إليه الفرنسيون في المجال العسكري، ولم يكتف «سليمان» باشا بذلك بل استغل سفر «إبراهيم» باشا إلى «لندن» وزار عددا من الدول الأوروبية واطلع على ما وصلوا إليه من تقدم حربي. وعندما عاد إلى القاهرة قدم لـ «محمد علي» تقريرا وافيا بمشاهداته فوقع من «محمد علي» موقع التقدير. وبعد رحيل «إبراهيم» باشا المفاجئ، ثم رحيل «محمد علي» ظل «سليمان» باشا سر عسكر والقائد العام للجيش المصري طوال فترة حكم عباس الأول. كما بقي في منصبه فترة حكم «محمد سعيد» باشا إلى أن وافاه الأجل في الحادي عشر من مارس 1860.

ابراهيم باشا

إن التحول الكبير الذي شهدته حياة هذا القائد العظيم بقسميها، يجعلنا نتعجب ونتساءل كيف تم ذلك؟ ولعل الإجابة تتلخص في أنه وُهِبَ نفسا عزيزة أبية جُبلت على الشرف والإخلاص والترفع عن الدنايا والتماس المجد والرفعة في كل عمل وُكل به، فلا معنى للانتماء ما لم تكن هناك قيم تتسامى بالنفوس وتطبعها بطابع التفرد الذي يهبها الخلود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: