رؤى

أمريكا والإخوان والإرهاب

شكّل مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2016، وما رافقه من انقلاب في  جدول اهتمامات وأولويات الولايات المتحدة الأمريكية، مأزقا حقيقا لجماعات الإسلام السياسي في العالم العربي عموما. إذ بدت مواقف وتصريحات ترامب، حتى قبل وصوله للسلطة ،من هذه الجماعات، على طرفي نقيض مع مواقف سلفه الديمقراطي باراك أوباما وإدارته، التي كانت من أشد الداعمين لإتاحة الفرصة لهذه الجماعات، وعلى رأسها جماعة الاخوان المسلمين، للمشاركة في العملية السياسية والانتخابات ومن ثم الحكم والسلطة.

 ففي مقابل موقف أوباما المساندة لتمكين الإسلاميين، لا سيما بعد تصدرهم للمشهد السياسي في بعض الدول العربية  في خضم أحداث الربيع العربي مطلع عام 2011، لم يوفر ترامب، إبان حملته الانتخابية، فرصة إلا وكال فيها انتقاداته اللاذعة لإدارة أوباما ومواقفها خلال أحداث الربيع العربي، وكيف أنها ساعدت في نشر الفوضى والارهاب وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بدعمها ومساندتها لإسقاط أنظمة الحكم في بعض دول هذه المنطقة، وما رافق ذلك من صعود وتنامي لنشاط ووجود الجماعات المتشددة كالقاعدة وتنظيم داعش.

وبينما شّكلت قضايا مثل تعزيز التحولات الديمقراطية وتحسين أوضاع حقوق الانسان أولوية  متقدمة لدى إدارة أوباما التي كانت تنظر إلى هذه القضايا باعتبارها أحد آليات أو أدوات مواجهة الفكر المتشدد ومحاربة الإرهاب ونشر قيم الاعتدال في المنطقة، كانت إدارة الرئيس ترامب الجمهورية، أقل اكتراثا، بهذه القضايا التي لا تكاد تجد لها مكانا في أدبيات أو مفردات خطابات ترامب وتصريحات كبار المسؤولين في إدارته، والذين يبدون دائما أكثر انحيازا لخيار المواجهة الامنية والعسكرية مع الجماعات الارهابية والمتشددة، وأقل حرصا على التمييز ما بين جماعات إسلامية معتدلة واخرى متشددة.

وفي إطار هذه الرؤية لترامب وإدارته تجاه جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، يمكن قراءة ما أعلنته المسؤولة الإعلامية بالبيت الأبيض «سارة ساندرز» يوم الثلاثاء (30 أبريل 2019)، عن أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعمل على تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا أجنبيا. ساندرز قالت في رسالة بالبريد الإلكتروني إن «الرئيس تشاور مع فريقه للأمن القومي وزعماء بالمنطقة يشاركونه القلق، وهذا التصنيف يأخذ طريقه عبر الإجراءات الداخلية».

Related image

«سارة ساندرز» المسؤولة الإعلامية بالبيت الأبيض

هذا الحديث عن إمكانية تصنيف جماعة الاخوان المسلمين كجماعة إرهابية، ليس الأول من نوعه الذي يصدر عن جهات أو دوائر مقربة من البيت الأبيض أو من جانب بعض  القوى المحسوبة على اليمين  داخل الكونجرس الأمريكي، وذلك حتى قبل مجيء ترامب إلى السلطة. ففي يوليو 2014، قدّمت العضوة الجمهورية في مجلس النواب ميشيل باكمان مشروع قانون أحيل على لجان القضاء والأمن الداخلي والحدود، ولم يُناقَش، حتى انقضت مدة الدورة. وفي مارس 2015، قدّم السناتور الجمهوري البارز «تيد كروز» مشروع قانون لمجلس الشيوخ من أجل تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً، وأحيل طلبه إلى لجنة الشؤون الخارجية والقضائية. وفي فبراير 2016، وافقت اللجنة القضائية في مجلس النواب على مشروع القانون المقدم من كروز، وطلبت من وزارة الخارجية الرد على اعتبار جماعة الإخوان المسلمين «منظمة إرهابية» خلال 90 يوماً، ولم تردّ الوزارة في ذلك العام حتى انتهت الدورة التشريعية 2015-2016. وفي الأول من سبتمبر 2017، تقدّم العضو الجمهوري في مجلس النواب «ماريو دياز بالارت» بمشروع قانون جديد إلى الجنة القضائية، للمطالبة بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، كما تقدّم السناتور تيد كروز مجددا بمشروع قانون آخر في ذات اليوم إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ من أجل التصديق عليه في الدورة التشريعية 2017-2018، ولم ير النور أيضا.

«تيد كروز» السناتور المريكي

رغم ذلك فإن ما قالته المسؤولة الإعلامية للبيت الأبيض، يمكن النظر اليه بوصفه الإشارة الأهم والأكثر وضوحا  وقوة  جانب من مسؤول رسمي أمريكي فيما يتعلق بموقف واشنطن الحالي من الإخوان المسلمين. وقد تزامنت تصريحات ساندرز مع ما ذكرته  صحيفة نيويورك تايمز عن أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تضغط لإصدار أمر من شأنه أن يصنف جماعة «الإخوان المسلمين»، منظمة «إرهابية»، وقالت الصحيفة، إنّ «البيت الأبيض أصدر تعليماته للأمن القومي والدبلوماسيين لإيجاد طريقة لفرض عقوبات على جماعة الإخوان».

والسؤال هنا، هل يعني ما قالته سارة ساندرز   أن ثمة قرارا أمريكيا وشيكا بتصنيف جماعة الاخوان المسلمين جماعة إرهابية؟ الإجابة هي النفي بالتأكيد، فمثل هذا القرار دونه العديد من العقبات القانونية والسياسية والإجرائية التي تجعل صدروه في الوقت الحالي ، وربما  حتى في المستقبل، أمرا مستبعدا، وهذا  ما أكدته صحيفة نيويورك تايمز في تقريرها  في هذا الشأن، إذ أوضحت الصحيفة  أنّ المسؤولين (في إدارة ترامب) جادلوا بأنّ معايير تسمية منظمة «إرهابية» ليست مناسبة لجماعة الإخوان المسلمين. فلا يملك ترامب بمفرده إصدار هذا القرار، حتى إن أراد ذلك وسانده فيه بعض كبار مسؤولي  إدارته،  حيث  يجب أن يمر أي قرار بتصنيف جماعة ما كجماعة إرهابية بالعديد من الخطوات الإجرائية وأن ينال موافقة الكونجرس، وهو أمر لا يبدو متاحا  بالمرة في ظل وجود غالبية في الكونجرس حتى الآن لا تنظر إلى الاخوان، كتيار موجود في معظم الدول العربية،  كجماعة ارهابية. كما أن العديد من دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة ترى أن صدور قرار بتصنيف الاخوان كجماعة إرهابية، من شأنه أن يلحق الضرر بمصالح الولايات المتحدة وعلاقاتها  الدبلوماسية بالعديد من الدول العربية، خصوصا تلك التي يمثل الاسلاميون فيها شريكا في السلطة أو جزءا من المشهد السياسي والبرلماني بها، لاسيما أن هذا القرار في حال صدوره، سيؤدي إلى فرض عقوبات مالية وقانونية ضد هذه الجماعة والمنتسبين اليها.

 وفي هذا الإطار يستبعد المحلل الأمريكي والمدير التنفيذي لمركز تحليلات دول الخليج العربي، «جورجيو كافييرو»، احتمال  تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. ويرجع ذلك إلى مصالح الولايات المتحدة، موضحاً أن الجماعة تُعَدّ حركة دولية لها فروع عديدة في بلدان مختلفة حول العالم العربي. ويضيف «كافييرو » أن هناك حلفاء مقربين للولايات المتحدة، بما في ذلك بعض دول الخليج العربية مثل البحرين والكويت، يسمحون للأجنحة السياسية لفروع للإخوان المسلمين فيها بالترشح في البرلمان والمشاركة في حكومات، لذا فإن قراراً بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية بشكل شامل سيخلق مشاكل دبلوماسية لواشنطن مع حلفاء عرب غير مصر والإمارات  والسعودية التي قررت تصنيف الجماعة منظمة إرهابية.

«جورجيو كافييرو» المدير التنفيذي لمركز تحليلات دول الخليج العربي

ووفقا للتشريع الأمريكي، يترتب على إعلان الإخوان منظمة إرهابية معاقبة كل من قدم عن علم لمنظمة إرهابية دعم مادي أو موارد، أو حاول أو شرع في ذلك بالغرامة أو السجن مدة لا تزيد على 15 سنة أو كليهما، وإذا نتج عن ذلك وفاة شخص تكون العقوبة السجن المؤبد. كذلك يتم فورا تجميد الأصول والممتلكات المملوكة للجماعة ،فالقانون الأمريكي يُلزم أي مؤسسة مالية أمريكية تعلم بأنها تتعامل على أموال مملوكة لمنظمة إرهابية أجنبية أو وكيلها بأن تتحفظ على هذه الأموال وتبلغ مكتب مراقبة الأصول الخارجية للولايات المتحدة بوزارة المالية. كما أن إعلان الإخوان منظمة إرهابية سيترتب عليه ترحيل أعضاء الجماعة من الولايات المتحدة.

وحسب القانون الأمريكي يتم تصنيف منظمة أو جماعة ما بأنها إرهابية، استنادا إلى القسم رقم 1189 من قانون الهجرة وبقرار يصدر من وزير الخارجية. إذا وجد أن: هناك منظمة أجنبية، تنخرط في النشاط الإرهابي، أو الإرهاب، أو لديها القدرة والنية على الانخراط في النشاط الإرهابي أو الإرهاب، وأن النشاط الإرهابي للمنظمة أو الإرهاب يهدد أمن مواطني الولايات المتحدة أو الأمن القومي الأمريكي.

وفضلا عن العقبات والقيود القانونية والتشريعية والسياسية أمام امكانية صدور قرار يصنف الاخوان المسلمين كجماعة إرهابية في الولايات المتحدة، فإن ثمة من يرى أن هناك عوامل اخرى تتجاوز القيود الاجرائية التي تخص الصلاحيات القانونية لكل من  الرئيس والكونغرس، وتتعلق بالعلاقات التاريخية بين جماعة الاخوان والمسلمين والتي تمتد على مدى يزيد عن سبعين عاما، وما يصفه البعض بـ«الدور الوظيفي» الذي لعبته الجماعة في خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، عبر مساعدة واشنطن في إدارة خريطة الصراعات والمصالح والنفوذ في المنطقة. فعلى مدى عقود طويلة من العلاقات والتعاون المستمر تأسست  «علاقة استثنائية» حسب وصف بعض المحللين، بين أمريكا والإخوان المسلمين، جعلت رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين ينظرون إلى الجماعة باعتبارها طرفا مفيدا لسياساتهم ومصالحهم الخارجية، خاصة في منطقتي الشرق الأوسط وشرق أوروبا. ففي حقبة الخمسينات والستينيات، وفي خضم الصراع والتنافس الأمريكي السوفياتي في المنطقة، استخدمت الاستخبارات الأمريكية حركات مثل الإخوان المسلمين لموازنة نفوذ الاتحاد السوفيتي (الملحد) ولمواجهة صعود التيار القومي العربي بزعامة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. وقد تكرر الأمر نفسه في السبعينات خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان وما  صاحبه من دعم أمريكي وبإسناد من بعض الأنظمة العربية في ذلك الوقت، لتجنيد الاف الشباب المسلم وارساله إلى افغانستان لقتال «الغزاة السوفييت الكفار»، وهي التجربة التي كان ظهور تنظيم القاعدة أحد ثمارها المرة.

Image result for ‫قتال السوفيت في افغانستان‬‎

أما على مستوى الحاضر فإن العلاقات الاستراتيجية والعسكرية شديدة الأهمية للولايات المتحدة ومؤسسة الأمن القومي الأمريكية، مع أهم طرفين داعمين للإخوان المسلمين إقليميا وهما تركيا (العضو في حلف الناتو) وقطر التي تستضيف على أراضيها القيادة المركزية الأمريكية، والتي تعد أهم ذراع عسكري للولايات المتحدة في المنطقة، ربما تشكل، كما يرى كثيرون، عقبة مهمة  أمام  خطط أو قدرة  ترامب على المضي في خطته لتصنيف الاخوان كتنظيم إرهابي دولي.

 

الوسوم

شحاتة عوض

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

إغلاق