منوعات

عثمان باشا نور الدين.. رجل الدولة المنفي من التاريخ

محمد علي باشا في ساحة قصره يستقبل بعض رجال الدولة. سيرة حافلة قلما نجد لها مثيلا، موهبة نادرة في مجالات عدة، دأب لا يفتر، وإنجاز بلا نظير يقتضي الإنصاف أن يذكر اسم صاحبه بين بناة الدولة المصرية الحديثة.. لكن ذكره مُحيَ عمدا؛ فضاع في مجاهل النسيان.. ربما يكون هذا العقاب هو الأقسى لرجل دولة من طراز فريد لم تعرف حياته الدعة بل السعي الدؤوب في سبيل بلوغ المجد؛ فكيف للتاريخ أن ينفض يده منه بالكلية حتى يصير أقرب إلى شبح يتشكك الناس في أنه كان موجودا في يوم من الأيام؟

Related image

لم تفلت صورة للرجل من هذا المحو الذي اقترفته يد مأمورة –وربما موتورة أيضا- على نحو بالغ الدقة يصعب تصوره.. وقد حاول البعض نسبة صورة رسمها الفرنسي «ثيودور جيركو» لرجل تركي يدعى مصطفى إلى عثمان باشا، لكن الأمر كان من السهل كشفه.. لتبقى صورة الرجل مجهولة تماما كمآثره الخالدة.

من جزيرة «مدللي» الواقعة جنوبي تركيا قدم «عثمان سقه باشي زاده» مع أسرته إلى مصر أثناء وجود الحملة الفرنسية، والمرجح أنه وُلد بين عامي 1790، 1795، وفقا لأصح المصادر.. وكان والده قد صار من رجال قصر محمد على باشا مع التسليم بوجود اختلاف حول عمله.. إذ يذكر البعض أنه كان مجرد سقّاء بالقصر، بينما يشير آخرون إلى أنه كان موظفا كبيرا يُعنَى بشئون الري، ويصحب الباشا إلى مقياس النيل ويباشر أعمالا خاصة بحساب المناسيب. والراجح لدينا هو الرأي الثاني، ويرجع ذلك إلى العناية التي أولاها الباشا لعثمان برغم أن البعض يُرجع ذلك إلى مواهب الفتى التي لم تكن لتخطئها عين محمد علي.

Related image

مقياس النيل

أول مبعوث إلى أوروبا

في أواخر عام 1809، يصل «نور الدين» إلى إيطاليا كأول مبعوث في بعثة تعليمية في عهد محمد علي، وكان ذلك بتزكية من القنصل العام للسويد بالقاهرة «يوسف بكتي» ويوضح خطاب بين موظفين بالسفارة الروسية بالقاهرة أن إقامة «عثمان» كانت بين «بيزا» و«ليفورنو» وأنها استمرت نحو خمس سنوات تلقى فيها العلوم الحربية والبحرية وفنون السياسة وإدارة الحكم، قبل أن ينتقل إلى فرنسا التي قضى فيها عامين التقى خلالهما «مسيو جومار» أحد علماء الحملة الفرنسية في مصر، وكان-آنذاك- مُكلفا من قبل الحكومة الفرنسية بنشر أعمال المعهد العلمي المصري.

ولذكائه وتفوقه وإجادته لعدة لغات على رأسها الفرنسية، وقع الفتى من نفس العلاّمة «جومار» موقعا حسنا كما ذكر «كلوت بيك» في مذكراته ،وتوطدت بينهما العلاقة ما جعله يطلب من «عثمان» بشكل مباشر السعي لدى الباشا لإرسال بعثات تعليمية إلى فرنسا، وما زال «عثمان» يُلح على الباشا حتى أُرسل أولى البعثات التعليمية المصرية إلى فرنسا عام 1826، وعرفت هذه البعثة باسم بعثة (مسيو جومار).

كلوت بيك

مؤسس مكتبة متخصصة

خلال سنوات البعثة التي يرجح أنها قاربت الثماني سنوات اقتنى «نور الدين» عددا كبيرا من الكتب، وكان «محمد علي» قد خصص له ميزانية لذلك، وفور عودته -التي يرجح أنها كانت بين 1817،1820- أسس «عثمان» أول مكتبة متخصصة في قصر إبراهيم باشا ببولاق، ثم ما لبث أن حولها إلى أول مدرسة نظامية في مصر بعد تنفيذ الباشا لاقتراحه؛ ليصبح أول ناظر لها والمشرف العام عليها، كما تولى تدريس مادتي الهندسة واللغة الفرنسية بها.

في كتابه «تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عهد محمد علي» يذكر الدكتور جمال الدين الشيال أن الرحالة الإيطالي «بروكي» قد زار هذه المدرسة في 5 ديسمبر 1822، كما زار المكتبة التي ضمت كتبا في فنون الحرب والزراعة والرياضة وكتبا في القانون والتشريع والأدب من بينها الكوميديا الإلهية لـ «دانتي»، ويعبر «بروكي» عن دهشة كبيرة إذ لم يجد في هذه المكتبة العامرة كتبا خاصة بمصر وتاريخها سوى كتاب رحلة «فولني» والكتاب الكبير الذي وضعه المعهد الفرنسي (وصف مصر). وقد تحولت هذه المدرسة إلى مركز للترجمة تحت إشراف «نور الدين» والمدرسين العاملين بها.

ويرجع الفضل في ترجمة الكثير من الكتب الحربية المختلفة من الفرنسية إلى التركية إلى «نور الدين» وهو ما أهّله ليكون عضو اللجنة الثلاثية التي أوكل إليها وضع برنامج التدريب العسكري الجديد مع سليمان باشا الفرنساوي وأحمد أفندي المهندس.

يشير  الدكتور خالد فهمي في كتابه (كل رجال الباشا) إلى أن ما توصلت إليه هذه اللجنة قد تم رفضه من قبل محمد علي وابنه إبراهيم، والسبب في ذلك مطابقته لما كان عليه الحال في الجيش الفرنسي، بينما كان محمد علي يميل إلى الاقتداء بما تم من تحديثات في الجيش العثماني عرفت بعد ذلك بـ (نظام جديد).

قائد الاسطول المصري

ويشهد عام 1823، تعيين «نور الدين» (سر عسكر) الجيش المصري بعد حصوله على لقب بك مكافأة له على اشتراكه مع سليمان باشا في تنظيم الفرقة الأولى للمشاة بأسوان على نسق (نظام جديد)، وبعد ذلك بعامين تولى الإشراف على ترجمة قوانين ونظم البحرية وتعليم ضباطها بالاشتراك مع الجنرال «ليتلييه» ليصبح بذلك مسئولا عن الجيش والأسطول.

بعد تحطم الأسطول المصري في موقعة «نفارين» تولى «عثمان» معاونة «مسيو سيريزي» في إنشاء دار الصناعة والأسطول الجديد بالإسكندرية، ولمّا كانت النتائج على أفضل ما يكون أمر «محمد علي» ببناء منزل لـ«نورالدين» غربي قصر رأس التين ليكون بجوار الأسطول، كما أمر بتزويجه من إحدى جواري القصر، وفي العام 1827، منحه لقب باشا وولاه قيادة الأسطول المصري خلفا لزوج ابنته «محرم بك».Image result for ‫موقعة نفارين‬‎

موقعة «نفارين»

وفي نوفمبر عام 1831، تحرك الأسطول بقيادته حاملا جزءا من الجيش وكميات كبيرة من المؤن والذخائر الحربية للاشتراك في حرب الشام الأولى وحصار عكا، وكان لـ«عثمان» دور كبير في سقوط المدينة في يد الجيش المصري، كما كان له إسهام عظيم في إحراز النصر النهائي في هذه الحرب، بعد نجاحه في حصار الأسطول العثماني في ميناء «مرمريس» ما أدى لاستسلام أميرال الأسطول العثماني «أحمد باشا فوزي». لكن «إبراهيم باشا» أمر «عثمان نور الدين» في مارس 1833، بالعودة إلى القاهرة بشكل مفاجئ.

وكانت بعض الأقاويل قد ترددت حول مسئولية «عثمان باشا» المباشرة عن هروب عدد من القطع الحربية التركية من حصار «مرمريس» لكن ذلك لم يثبت من أي وجه؛ ويصبح الأمر مثيرا للشك حين نحاول فهم أمر «إبراهيم باشا» المفاجئ له بالعودة.

إحدى معارك الأسطول المصري في حروب الشام الأولى

على الرغم من اهتمامه بالجيش والأسطول- لم تتوقف جهود «نورالدين» في ميدان التعليم، إذ قام بتأسيس مدرسة قصر العيني 1825، وكان أول مدير لها، كما أنشئت مدرسة أركان الحرب في قرية «جهاد أباد» بناء على مقترح مقدم منه. وعندما استقدم محمد علي «كلوت بك» لتكليفه بإنشاء مدرسة الطب المصرية؛ كان «عثمان باشا» هو المشرف عليه، وإليه رفع «كلوت بك» أول تقاريره بشأن ما واجهه من مصاعب.

الفراق مع محمد علي والاختفاء من التاريخ

ونأتي إلى الموقف الذي فرّق بين «عثمان باشا» ومحمد علي وتسبب في أن ينمحي ذكر أعمال الرجل وسيرته من كتب التاريخ؛ بل وأن يمحى اسمه أيضا من كثير من الكتب التي ترجمها بنفسه بحسب ما ذهب إليه د. الشيال. وفي هذا الصدد يذكر المؤرخ الشهير عبد الرحمن الرافعي في كتابه «عصر محمد علي» أن الباشا وصل إلى جزيرة كريت عام 1833، لتنظيم الحكم المصري بها، وكان «عثمان نور الدين باشا» أميرال الأسطول في معيته.. أقر محمد علي بالجزيرة عدة إصلاحات إدارية واجتماعية، كما قرر فرض التجنيد الإجباري على أبنائها، واتخاذ ميناء السودة كقاعدة للأسطول المصري بالبحر المتوسط، ثم عاد إلى مصر، وما إن ذاع خبر فرض التجنيد الإجباري حتى عمَّت الثورة الجزيرة، وحمل السلاح نحو ستة آلاف من الفلاحين قاصدين مقر الحامية المصرية التي تحصّنت في معاقلها، وأرسل حاكم الجزيرة «مصطفى باشا الأرناؤطي» إلى محمد علي يستغيثه، فأرسل إليه قوة بقيادة «عثمان باشا» الذي حاول إخضاع الثوار بلين القول، وأثناء ذلك حدثت اشتباكات بين الثوار ورجال الحامية وقع على إثرها ثلاثون من الثوار في أسر الجيش المصري، فرأى «عثمان باشا» أن الفرصة قد سنحت لتهدئة الأوضاع بإطلاق هؤلاء بعد إصدار مرسوم بالعفو عنهم، وأرسل إلى محمد علي يعرض عليه الأمر، لكن الباشا رفض اقتراح عثمان جملة وتفصيلا، وأمر بقتل الأسرى والتنكيل بأهل الجزيرة. وهنا يقول الرافعي: «فَكَبُر على عثمان باشا أن لا يؤبه لرأيه ويرفض العمل به، ولم يجد وسيلة يخرج بها من هذا الموقف سوى الاستقالة من خدمة الحكومة فارتحل من الجزيرة، وكتب إلى «بوغوص بك» ناظر الخارجية ينبئه أنه اعتزل خدمة الباشا وذهب إلى جزيرة «مدللي» ومنها إلى «الأستانة» حيث مات بها بعد قليل».

هذا هو «عثمان باشا نورالدين» أحد رجال الدولة المصرية العظام في عهد محمد علي، والذي طوته صحائف النسيان، وغاب اسمه الذي استحق الصدارة عن معظم كتب التاريخ، لا لشيء إلا لأنه رفض أن يكون مُزدرى الرأي بعد أن طالت أياديه البيضاء كل شبر في دولة الباشا.

المصادر

  • جاك تاجر- حركة الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر ص 25.
  • جمال الدين الشيال- تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي ص 101:95.
  • خالد فهمي- كل رجال الباشا- ص 118.
  • عبد الرحمن الرافعي- عصر محمد علي ص388:386.
  • كلوت بك- لمحة عامة إلى مصر-ج 2 ص510.
  • يونان لبيب رزق- تحديث مصر في عهد محمد علي ص 36.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: