منوعات

فن اللامبالاة.. دعك من الآخرين وعش سعيدا

من أكثر الكتب التى حققت نسبة توزيع كبيرة  في الآونة الأخيرة وأكثرها شهرة كتاب «فن اللامبالاة» للكاتب الأمريكي «مارك مانسون»، والذي استند في كتابته إلى فلسفة ظهرت منذ قديم الأزل، وتحديدًا عام 300 قبل الميلاد على يد الفيلسوف «زينون» الذي أسس مدرسة «الرواقية»، نسبة إلى الرواق الذي كان يناقش فيه أفكاره الفلسفية، والتي – على الرغم من قدمها- إلا أنها لا تزال قابلة للتطبيق في عصرنا الحديث، فما هي أفكار الرواقيين؟

اقرأ أيضا:

«فن اللامبالاة».. الكتاب الذي قرأه «صلاح» يغزو المكتبات المصرية

 كن سيد نفسك

تمثل الحياة، بالنسبة للرواقيين، مجموعة من الأحداث والظروف التي لا سلطان لنا عليها، والتي لا يمكن الجزم بأيها خير أم شر، حيث يوجد نظام لحياة كل شخص تكتمل في نهايته الصورة. لذا يرى الرواقيون أنه بدل أن يشكو الإنسان من ظروفه الصعبة أو من  البشر السيئيين من حوله، فإن عليه التركيز على الشخص الوحيد الذي يمكنه التحكم فيه.. نفسه!

 يقول «ماركوس أوريليوس»- وهو من أشهر فلاسفة هذه المدرسة -«ما الحياة إلا وجهة نظر»، حيث لا توجد حقيقة واحدة يراها الجميع، وإنما يشكل كل إنسان حقيقته بنفسه، فما يحدث لشخص ويعتبره كارثة، يراه آخر فرصة، فالأمر يعتمد على طريقة التفكير وليس الحدث في ذاته، فمثلًا إذا أزعجك أحدهم بموقف ما، فإن ما يغضبك ليس الموقف وإنما تفسيرك له.
 لذا إن كان في حياتك ما تكرهه تخلص منه، أما إذا كان مفروضا عليك فعلى الأقل حاول أن تجد طريقة لرؤيته بشكل أكثر إيجابية للتعايش معه. فرغم عدم قدرتنا على  التحكم في الظروف الخارجية ، إلا أننا دائمًا ما نملك اختيار كيفية التفاعل معها، ومهما بدا الموقف صعبا يمكنك تفسيره بشكل إيجابي إن أردت، وهذا  أمر يحتاج تدريبا مستمرا ورغبة حقيقية في التطبيق.

 

عيش اللحظة

ووفقًا للفيلسوف «إبيكتيتوس»: «نحن لا نعاني من أحداث حياتنا بقدر معاناتنا من أحكامنا المسبقة عليها»، حيث نفكر الآن فيما سيحدث غدًا، وما يمكن أن يحدث بعد سنة، على الرغم من أن ما نخشاه قد لا يحدث أبدًا، وربما يحدث ولا يكون بالسوء الذي تخيلناه، وحتى وإن كان كذلك لم علينا أن نعاني مسبقًا؟

وعلى عكس الكلام المتداول في أوساط التنمية البشرية، يرى الرواقيون أن على الإنسان ألا يُسكن مشاعره أن القادم سيكون – بالتأكيد – أفضل، بل عليه أن يتوقع حدوث أي شىء، لأنه حتى أسوأ سيناريو يمكننا تحمله. فالإنسان يعتقد أنه إذا فقد وظيفته أوسيارته أو حتى من يحب، فإنه لن يتمكن من تحمل ذلك. لكن واقعيًا يمكن للإنسان تحمل أي خسارة طالما لم يخسر نفسه، ما نملكه في الحياة لا ينتمي إلينا إلى الأبد، وإنما فقط لفترة قصيرة، لذا فممتلكاتنا لا تحدد جودة حياتنا، حيث يوجد لكل البشر فرص متساوية في تحقيق السعادة والنجاح في الحياة، ولكن هناك من يركز على تلك الفرص وينجح في عيش اللحظة والاستمتاع بما لديه الآن، وهناك من ينشغل دائمًا بما هو قادم ليتفاجأ بمرور حياته كلها دون أن يحيا مرحلة منها كما يجب.

التحرر من الآخرين

على الجانب الآخر وفي عالم تغزوه وسائل التواصل الاجتماعي نعيش جميعًا تحت ضغط اجتماعي رهيب، حيث يراقب الناس بعضهم البعض عبر مختلف التطبيقات لمعرفة خطط الآخرين وماذا يفعلون وكيف يروننا، فيتسرب إلينا شعور بالإحباط الدائم والحقد على الآخرين نظرًا للمقارنة، على الرغم من أن بإمكاننا توجيه تلك الطاقة لأنفسنا لنصبح أكثر إنتاجية وأقل غيرة  وإحباطًا.

  كما يرى الفيلسوف «أوريليوس» أن هناك الكثير من الكلام والأفعال والمشاعر التي نهدرها في غير موضعها بلا ضرورة، الأمر الذي يتسبب في تشتيتنا عن ما هو ضروري فعلًا، فبدلًا من الانسياق وراء الآخرين في جدالات لا طائل منها، أو أنشطة يمكنها استنزاف طاقتنا فيها، فإن على الإنسان أن يتعلم كيف يتوقف ويقول «لا»، ليفسح المجال لما يريد فعله حقًا.


اللامبالاة الإيجابية


قد تكون كلمة اللامبالاة مرتبطة لدينا بمعان سلبية، ولكن هناك لامبالاة إيجابية، يركز فيها الإنسان على نفسه ليس بدافع أناني وإنما إنساني، فإذا تمكن كل شخص في المجتمع من التركيز على أهدافه وعمل ما يجيده، سوف يصب ذلك في مصلحته ومصلحة من حوله. لا يتطلب الأمر سوى التوقف عن التركيز على العوامل الخارجية التي لا يمكننا التحكم بها، فأين ولدنا وكيف نشأنا وما نملك من مال أو حتى كيف نبدو لا يهم بقدر ما نعتقد، وإنما كيفية استخدامنا لما لدينا فعلًا.

ربما هذا ما جعل فيلم «فورست جامب» يفوز بجائزة الأوسكار عام 1994، فعلى الرغم من أن بطل الفيلم لم يكن ذكيًا أو غنيًا أو يملك الحد الأدنى من المقومات التي يملكها أقرانه، إلا أنه حقق نجاحات مذهلة –فاقت الجميع – دون قصد منه. كل ما كان يفعله فقط اللامبالاة بآراء الآخرين فيه، ومساعدة غيره كلما سنحت الفرصة، والتركيز على ما لديه وعلى اللحظة التي يعيشها اليوم والآن.

 قد تبدو تلك النصائح سهلة وغالبًا نعرفها جميعًا بالفعل، لكن تطبيقها هو ما يمثل تحديًا حقيقيًا، فعلى الرغم من إدراكنا لحقيقة أن آراء الناس فينا ليست لها أي أهمية، إلا أن قليلا من الناس لن يبالي فعلًا، ورغم أن الإطلاع على ما يفعله الآخرون لن يفيدنا بأي حال من الأحوال، إلا أننا نقضي ساعات مطولة نتصفح حسابات الآخرين، لذا فالسر ليس في معرفة تلك الحقائق وإنما في ضبط النفس بحيث نصل إلى العيش بهذه المبادىء التي دون أدنى شك من يطبقها سيكون ناجحًا، والأهم من ذلك سعيدًا راضيًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: