رؤى

تفجيرات سريلانكا.. هل تمهد لفصل جديد في إرهاب داعش؟

ريتا كاتز-خبيرة في شؤون الإرهاب

 ترجمة  وعرض أحمد بركات

في يوم الثلاثاء، 23 أبريل، أكد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ما ساور العالم من شكوك، عندما أعلن مسئوليته عن التفجيرات التي اجتاحت سريلانكا في يوم الأحد 21 أبريل – الموافق لاحتفالات عيد القيامة – وأودت بحياة أكثر من 300 شخص، وجرح أكثر من 500 آخرين. فبعد يومين فقط من الصمت المطبق على المستوى الرسمي، شرع التنظيم في استعراض مواده الإعلامية المكثفة المتعلقة بالحادث.

Related image

في هذا السياق، تصف «ريتا كاتز»، الخبيرة في شؤون الإرهاب، والمدير التنفيذي في «المجموعة الاستخباراتية لبحث الكيانات الإرهابية الدولية» (سايت) (وهي شركة استخبارات خاصة تتخذ من واشنطن مقرا لها)، البيان الذي نشرته  وكالة «أعماق» الإخبارية التابعة لتنظيم «داعش» بأنه «مكثف ومليء بالتفاصيل»، حيث حدد هوية سبعة مهاجمين والمواقع التي نفذ فيها كل منهم مهمته، سواء في الكنائس أو الفنادق أو المناطق السكنية في عدد من المدن السريلانكية، بما فيها العاصمة كولومبو. بعد ذلك، نشرت الوكالة مجموعة من اللقطات المصورة لمنفذي العمليات وهم يعلنون ولاءهم لأبوبكر البغدادي، زعيم التنظيم، بقيادة «مولفي زهران هاشم»، الذي يشتبه في أنه العقل المدبر للعملية.

   Image result for ‫تفجيرات سريلانكا‬‎

وفي مقالة لها بعنوان What The Sri Lanka Bombings Tell Us About The State Of ISIS (ماذا تخبرنا تفجيرات سريلانكا عن تنظيم الدولة الإسلامية) ترى ريتا كاتز أن «هذه العملية، وما تبعها من تهديدات ودعاوى وتفسيرات بصورة مكثفة من قبل تنظيم الدولة، تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الشبكة الدولية للتنظيم قد تجاوزت سريعا مرحلة الخسائر العسكرية التي مُني بها التنظيم في العراق وسوريا، كما تبين قدرة الآلة الإعلامية الداعشية على العمل بدأب ونشاط في خضم ما قد يعرض له من انتكاسات، ورغبة التنظيم في تعديل ’أجندته‘ وفقا لطبيعة المرحلة».

المنفعة المتبادلة

في بداية المقال تشير كاتز إلى أن رواية تنظيم الدولة تبدو للوهلة الأولى مناقضة للتقديرات الأولية لحكومة سريلانكا التي أعلنت أن «جماعة التوحيد الوطنية» تقف وراء الحادث، لكنها سرعان ما تؤكد أن هذا في واقع الأمر «يتماشى مع الطريقة التي صمم بها التنظيم شبكته الدولية من كتائب عسكرية وخلايا نائمة»، وهو ما أكدته لاحقا تصريحات وزير الصحة السيريلانكي، راجيتها سيناراتن، التي قال فيها «لا نعتقد أن هذه العمليات تم تنفيذها من قبل مجموعة من الأشخاص كانوا داخل البلاد؛ هناك بالقطع شبكة دولية لم تكن هذه التفجيرات لتنجح بدونها».

وتكشف تقديرات الوزير السريلانكي عن القواعد الأساسية للعبة تجنيد العناصر التي يمارسها تنظيم الدولة. فبدلا من الحصول على أعضاء ’خام‘، يعمد التنظيم إلى انتقاء أعضائه من جماعات متشددة قائمة بالفعل، أو – في أغلب الأحيان – تجنيد الجماعة بأكملها للعمل تحت لوائه. ولمعرفة مدى فاعلية هذا ’التكتيك‘، يكفي النظر إلى دولة مثل الفلبين (المجاورة لسريلانكا)، حيث تحولت «جماعة أبو سياف» وبعض الفصائل الأخرى إلى «ولاية شرق آسيا»، كما شكل «تنظيم الشباب» الصومالي «ولاية شرق أفريقيا»، و«حركة طالبان» في كل من أفغانستان وباكستان «ولاية خراسان»، التابعين لتنظيم الدولة جميعا.  

Image result for ‫جماعة أبو سياف‬‎

وتلفت كاتز إلى تحقق مبدأ «المنفعة المتبادلة» بين تنظيم الدولة والكيانات التي يستوعبها؛ حيث «يتمكن التنظيم من تطوير مخالب جديدة في شبكته الدولية مقابل إتاحة خزائنه المكدسة للأعضاء الجدد، وما يتمع به من علاقات وشيوع، وما يقدمه من تدريبات، وغير ذلك من موارد». ومن ثم، فإن النشاط الأبرز «لجماعة التوحيد الوطنية»، حتى وقوع أحداث سريلانكا، لم يكن يتجاوز تحطيم تماثيل بوذية هنا أو هناك، دون الإقدام على تنفيذ عملية انتحارية واحدة، فضلا عن هجمات قاتلة. أما الآن، فيضطلع أعضاؤها بتنفيذ سلسلة من التفجيرات المتطورة والمنسقة على أعلى مستوى في أكثر من مكان داخل سريلانكا. لا شك أن هؤلاء المنفذين قد تلقوا شكلا من أشكال التدريب والدعم رفيع المستوى من قبل تنظيم الدولة، أو ربما من أحد المراكزه التابعة له في الفلبين، أو أي دولة أخرى من دول المنطقة.

نطاق استهداف جديد

يفصح إعلان تنظيم الدولة مسئوليته عن عمليات سريلانكا – مقارنة بإعلاناته السابقة عن عمليات مماثلة – عن تغير جذري في نطاق أهدافه. ومن المهم هنا، كما تقول ريتز كاتز – الإشارة  إلى أن التنظيم لم يذكر الهجوم على مسجدي مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا باعتباره الباعث الأول على قيامه بهجمات سريلانكا. كما أنه سيكون من الصعب تصديق أن تنظيم الدولة قام بتخطيط وإعداد وتنفيذ هذه العملية الهائلة في غضون شهر واحد من الزمان، لكن ذلك لم يمنع التنظيمات الجهادية من ممارسة نوع من الانتهازية السياسية، لا سيما أن حادث سريلانكا، من السهل تقديمه باعتباره عملا انتقاميا ضد المسيحيين «الصليبيين». كما  أن تنظيم الدولة بأيديولوجيته المنحرفة ليس بحاجة إلى عملية نيوزيلندا الإرهابية ليسوغ بها لهذه العملية الأخيرة؛ فمسيرة التنظيم حافلة فعليا بهجمات قاتلة ضد الكنائس، بدءا من إندونيسيا والفلبين ووصولا إلى باكستان ومصر. كما أن العدد التاسع من مجلة «رومية»، التابعة للتنظيم، يحتوي على فتاوى تبيح قتل المسيحيين تغني التنظيم عن عمليتي نيوزيلندا لتبرير عمليات سريلانكا.

غلاف مجلة رومية

ويصف البيان الصادر عن التنظيم في يوم الثلاثاء 23 أبريل (بعد يومين فقط من أحداث سريلانكا) الضحايا بأنهم «مقاتلون مسيحيون»، ليؤكد ما وسم به التنظيم ضحاياه من قبل بأنهم «صليبيون مسيحيون». ورغم ذلك، فإن الانحراف الحقيقي عن المسار السابق في هذا البيان يظهر فعليا في الوصف المطول لأهداف «التحالف». فبينما يؤطر التنظيم لتفجيراته في أماكن مثل باريس وبروكسل وغيرهما بأنها تستهدف «دولا صليبية متحالفة ضد تنظيم الدولة الإسلامية»، فإن دولة مثل سريلانكا، بوصفها ليست عضوا في هذا التحالف، لا تستوفي هذا الشرط. ومن ثم، فإن بيان التنظيم يطرح معايير استهداف جديدة، حيث يذكر أن العمليات نفذت ضد «كنائس وفنادق كان يوجد فيها مواطنون من التحالف الصليبي».

بيان داعش

الماكينة الإعلامية

برغم الخسائر العسكرية التي مُني بها التنظيم في العراق وسوريا، وانسحابه من الأراضي التي كان يهيمن عليها، إلا ان الماكينة الإعلامية الداعشية تعمل بنشاط لافت. فالمحتوى الإعلامي الخاص بعمليات سريلانكا الذي شمل تفاصيل دقيقة عن الدمار الناجم عن هذه العمليات ولقطات مصورة قصيرة لمنفذيها، يبين أن قسم الإعلام المركزي التابع للتنظيم لا يزال يمسك بقوة بتلابيب العمل الإعلامي الداعشي حتى في البلدان البعيدة مثل سريلانكا.

وبينما لا تمثل سريلانكا موضوعا رئيسا على قائمة الإعلام الداعشي وفي غرف الدردشة التابعة له، إلا أن أعمال التجنيد التي تقوم فيها هذه الآلة بدور محوري تجد لنفسها مردودا جيدا في أوساط الجماهير السريلانكية. فاللغة التاميلية (إحدى لغتين رسميتين في سريلانكا) هي إحدى اللغات التي يُترجم إليها الإعلام الداعشي، ومكون رئيس في شبكته الإلكترونية. ويتم نشر هذا المحتوى المترجم (سواء كان بيانات، أو محتوى دينيا، أو غير ذلك) عبر فضاءات إلكترونية بلغات مختلفة تابعة للتنظيم، ويربط المتحدثين بالتاميلية بالمجتمع الداعشي الكبير. وتوحد وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات «ماسينجر» وغيرها جميع مؤيدي تنظيم الدولة في شبكة عالمية غير محدودة.

وقد نجحت هذه العناصر التابعة لآلة الدعاية الداعشية في تقديم وقود إضافي لحملة احتفالية كبرى مؤيدة للتنظبم عبر الإنترنت تم تدشينها في أعقاب الهجوم مباشرة. وعلى غرار سائر الحملات المرتبطة بتنظيم الدولة، أظهرت الحملة الخاصة بعمليات سريلانكا مستوى قويا من الانتشار المنسق عبر محتوى باللغة التاميلية وعدد من اللغات الأخرى، تدفق عبر الفضاء الإلكتروني محملا برسائل احتفالية دعائية، ووصف التفجيرات بالعمل الانتقامي لدماء المسلمين في نيوزيلندا.

«الآن، لا تستطيعون تفجيرنا، بينما نستطيع نحن تفجيركم … هل كنتم تعتقدون أن خسارة بضعة مدن في سوريا سيجعلنا نستسلم؟»، حسبما كتبت إحدى القنوات التابعة للتنظيم. كما عبر مستخدم في إحدى منتديات الديب ويب التابعة للتنظيم عن رأيه قائلا: «هذه (مذابح سريلانكا) بتلك (مذابح نيوزيلندا)؛ العين بالعين والسن بالسن».

ولأن العمل الإرهابي، ككرة الجليد، غالبا ما يتمخض عن مزيد من العنف، فإن الداعمين له يحاولون دائما الاستفادة منه لإنتاج المزيد. في هذا السياق كتب أحد داعمي تنظيم الدولة على «إنستجرام»: «عمل رائع.. إندونيسيا التالي». وكتب آخر على «واتس اب»: «الموت مصيرنا والشهادة خيارنا».

تكشف هذه الرسائل عن الوجه القبيح من الحقيقة، وهو أن الأعمال الإرهابية التي اجتاحت سريلانكا لن تكون الأخيرة التي تسكن بعدها ماكينة الانتقام الداعشية، وإنما حلقة أخرى في دائرة أكبر يغذي فيها كل هجوم ماكينة التجنيد لاجتذاب عناصر جديدة من أجل تنفيذ عمليات جديدة، «وهكذا دواليك في حلقة مفرغة ليس لها بداية أو نهاية».

في ضوء ذلك – كما تخلص ريتز كاتز – يجب أن يعرف العالم أنه برغم خسارة تنظيم الدولة المدن التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا، إلا أنه لا يزال يمتلك قوة حياتية على الإنترنت لم يتبين للعالم بعد سبل مواجهتها.

*يمكن مطالعة النص الأصلي للمقال باللغة الإنجليزية من هنا:

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: