منوعات

حنان كمال.. عن تلك الشابة السمراء التي واجهت أقدارها الصعبة بشجاعة

كان من مناقب الراحل الأستاذ عبد العظيم مناف، حرصه على المزاوجة بين حماس الشباب وخبرة الشيوخ، فكان القارئ لكل إصدار من إصدارته الصحفية يجد الشيوخ الأكابر فلانًا وفلانًا، ويجد بجوارهم كتيبة من الشباب الذين تتدفق عروقهم بالحماس الذي يصل لحد التهور.

في العام 1992 أعاد الأستاذ مناف إصدار جريدة «صوت العرب»، التي كانت تملأ الدنيا وتشغل الناس في أواخر الثمانينات ثم أغلقت بقرار من حكومة مبارك. في ذلك الخريف وبعيد زلزال أكتوبر الشهير جاءتنا حنان كمال، متمتعة بالمناخ الذي يفرضه الأستاذ مناف، فقد كان من الطبيعي أن يجلس الشباب في مواجهة شيخ عريق وخطير مثل الأستاذ محمد عودة رحمه الله، ينثر فوق رؤوسهم النكات والحكمة، ويزرع بداخلهم ملكة النقد، ولكن في إطار أن تنقد الفكرة لا الشخص، المقولة لا القائل.

موهبة صحفية مبكرة

كانت حنان كمال لا تزال تدرس الصحافة بجامعة القاهرة، لكن كما يقولون: الديك الفصيح يخرج من البيضة يصيح، كانت ثمة لمعة في عينيها تخبرك بأن تصميمًا أكيدًا على مواصلة طريق الصحافة يقبع بداخلها، كأنه ركن ركين من أركان شخصيتها، رأيتها لا تقع في خطأ مرتين، يكفي أن يشير كبير من كبار الجريدة إلى خطأ في تناولها لأمر ما حتى تتجنبه، ومع حرصها على النقاش الهادئ مع الكبير الذي يشرف على عملها، لا تحتد فتتجاوز حدودها، ولا تجامل فتنفذ التعليمات كأنها ببغاء، كانت تناقش وتجادل وتطرح رأيها في ثبات يعجب الكبير فيمدها بكنوز خبراته  وأسرار مهنة الصحافة.

 ظهر لي من البداية أن هذه الفتاة لن تكون عابرة يجرفها سيل الأيام، كانت تفاخر بلون بشرتها الأسمر وتباهي بأصولها العائلية، وتنسب كل فضل إلى أبويها وتمجد شخصية أمها، حتى وقعنا جميعًا في محبة الأم التي ولدت لنا حنان.

بعد تجربة «صوت العرب» ستجمعنا جريدة «العربي» التي كانت ناطقة بلسان الحزب الناصري في مصر، عرفت أيامها أن حنان كادر حزبي مهم، تعمل بدون ضجيج وكل عملها ميداني، ولديها قائمة أفكار تتركز حول إنصاف البسطاء وإعادة حقوقهم إليهم.

ثم ستلمع حنان مع تجربة جريدة «الدستور» الأولى، وتصبح واحدة من المحققات البارعات، فكم من تحقيق قدمته أسهم في انتشار الجريدة وعلو صوتها. وبعد إغلاق «الدستور» ستعرف حنان رسام الكاريكاتير «أحمد نصر»، ونصر كما كنا نناديه دائمًا شاب صعيدي يؤمن بموهبته ويدفع باسمًا ثمن إيمانه، جاءني يومًا وكنت أعمل في جريدة «الأحرار» بمجموعة من رسوماته، نشرت الرسومات وقامت الدنيا ولم تقعد، كانت احدي لوحاته تصور رجلًا يمسك بعدسة مكبرة، ويسلطها على عمود مواقف الذي كان يكتبه الصحفي الشهير أنيس منصور، فلا يرى بالعدسة سوى نجمة صهيون.

الحب والزواج والأقدار الصعبة

ربط الزواج بين أحمد وحنان، وسرعان ما أنجبا ابنهما «حمزة» وظن الجميع أن الأيام ستبتسم لحنان، فبعد إغلاق كل الجرائد التي عملت بها، وجدت عملًا في الفضائيات وزوجًا فنانًا وولدًا ضاحكًا مثل أبيه. لكن شاءت إرادة الله الذي لا راد لمشيئته أن يصاب أحمد في حادث مرور  إصابة بالغة ألزمته الكرسي المتحرك. في زمن تلك الإصابة اللعينة لم يكن أحمد وحنان قد جاوزا الثلاثين، نحن الذين نعرف القصة من بدايتها سقطنا في بئر الخوف، هل ستترك حنان زوجها؟، هل تستطيع القيام بدور الأب والأم؟.

لقد فعلتها حنان، ولجأت إلى مخزون من تراث والدتها: «ابنة الأصول لا تترك زوجها ولو كان عظمًا في قفة». ولكم كافحت حنان لكي تعيش أسرتها تحت سقف واحد بين أب وأم يضربان المثل في الصبر والمقاومة.

ثم شاء ربنا أن تصاب حنان بالسرطان، وكانت لحظة معرفتنا بهذا الخبر ثقيلة جدًا، حتى أن بعضنا تفوه بما لا يليق، عن تلك  الشابة السمراء التي تتعقبها الأقدار الصعبة. في السنوات الخمس التي عاشتها حنان تقاوم السرطان، قدمت بهدوء ومحبة رسالتها الحقيقية.

لقد كتبت حنان كتابًا بعنوان «كتاب المشاهدة»، لنا أن نتفق أو نختلف حول قيمته، ورسمت عشرات اللوحات لنا أيضًا حق الاختلاف حول قيمتها وأهميتها، ولكن لا الصحافة ولا الشعر ولا الرسم ولا أي نشاط آخر كان يمثل رسالة حنان.

رسالتها كانت في الوفاء لزوج فنان أصبح في غمضة عين مقعدًا، رسالتها كانت في الالتزام بمخزونها الذي ورثته عن أمها، رسالتها كانت في إعلان المقاومة حتى يوم الجمعة الثالث من مايو الجاري، والذي فيه رحلت .رحلت بعد مقاومة نادرة، لا في تمسكها المدهش بأمل الشفاء فحسب، بل في طريقتها في المقاومة.

مقاومة السرطان بالرسم

كانت حنان تقاوم بالضحك وبالرسم وبنشر المقالات التي تتأمل الأحوال والمصائر، لم تكن تقاوم بسخط أو معاندة للقدر، كانت تقاوم بنشر البهجة، حتى إذا ثقل عليها الوجع وشل حركتها كتبت على حسابها الشخصي على «الفيس بوك»: سأذهب للنوم وسأقوم مثل حصان وسأعود لمشاكستكم.

يوم الجمعة الفائتة لم يكن يوم الرحيل، لقد كان يوم إتمام الرسالة، ولقد شهد الذين حضروا صلاة الجنازة على جثمانها في دولة قطر الشقيقة حيث كانت تعمل وتقيم، أن حشد المصلين كان مفاجئًا للجميع. ثم عندما ذاع خبر رحيلها، بكاها الذين لم يعرفوا إلا قصتها قبل الذين عاشروها، وقد وصلني أن شابًا من شباب جزيرة العرب لم يعرفها في حياتها قد قام بتخصيص جزء من ماله ليكون صدقة جارية لحنان، ثم تعهد بأن يعتمر عنها في أواخر شهر رمضان التي يلتمس المسلمون فيها ليلة القدر.

واليوم الاثنين أول أيام شهر رمضان سيأتي جثمانها من قطر للصلاة عليه في مسجد السيدة نفسية ولكي توارى الثري في بلدها تنفيذًا لوصيتها، فلقد أحبت حنان كمال بلدها وعملها كما أحبت زوجها وأسرتها فهنيئًا لها باستغفار الناس وترحمهم عليها.

نامي قريرة العين يا صديقتي فقد وصلت رسالتك، وموعدنا الجنة برحمة الله ولطفه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق