رؤى

الرحّالة حسن الوزّان (ليون الافريقي).. قصة لحوار الثقافات والاديان

يمكن للمرء أن يعود بذاكرته إلى القرن السادس عشر الميلادي ليكتشف صورة من صور تلاقي الأديان والثقافات عبر هذا العالم العربي (حسن الوزّان) الذي عاش في القرن السادس عشر، والذي تعلم في جامعة القيروان ما بين تونس والمغرب، وجاب ممالك الزنوج بوسط افريقيا، وأسره القراصنة فعاش في روما والفاتيكان، وعلّم العربية وآدابها في ايطاليا وألف كتبا باللاتينية والايطالية في النحو والصرف والفقه، وتراجم الاطباء والفلاسفة ووضع أول قاموس بثلاث لغات، وكتب أول موسوعة عالمية عن افريقيا في تسعة اجزاء.

وُلد الوزّان لأبيه «محمد الزياتي الوزّان» وأمه «سلمى» في بيتهما بمدينة فاس على الساحل المتوسطي شمال افريقيا، وهناك شب ونشأ في وسط بيئة تهتم بالعلم والثقافة، وكذا بالتجارة مع ممالك افريقيا، ما جعل منه تاجرا ماهرا، غير أن تجارته كانت دائما وأبدا ممتزجة بميل طبيعي إلى تحصيل العلوم والآداب منذ أن حفظ القرآن الكريم، وتعلم أصول الكتابة والحساب.

حين دخل الحسن مع أبيه جامع القيروان لأول مرة راح أبوه يطوف به أرجاء المسجد الضخم، وكانت مساحته ميلا ونصف ميل مربع، وله ثلاثة عشر بابا ضخما.. يومها قال الأب للحسن، مشيرا إلى جهات المسجد الاربع: «ها هنا جهة الشمال يجلس علماء اللغة، وهاهنا جهة الجنوب، يجلس علماء الدين، وهاهنا وهناك جهتا الشرق والغرب يجلس علماء العلوم العقلية والطبيعة، وإذا كنت تريد حقا أن تكون عالما، فاختر لنفسك ما تراه من العلوم، وأنت وجهدك في العلم».

واضاف الأب للحسن: «في الصيف والخريف ستكون دراستك عقب صلاة العشاء إلى الساعة الواحدة والنصف ليلا، وفي الشتاء والربيع ستكون دراستك من شروق الشمس الى الواحدة والنصف ظهرا».

كان الحسن قد بلغ من العمر سبعة عشر عاما، حين أتم دراسته للنحو والصرف، وعروض الشعر «أوزانه» وقوافيه «اواخره»، والأدب والتاريخ، والفلسفة والمنطق وعلوم الشريعة، دون أن يجاز في أي علم منها.

في ذلك الوقت بدأت مسيرة الوزّان التجارية في ربوع افريقيا شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وقد تمكن من تحصيل ثروات عديدة وعريضة وكثيرا ما كان يفقدها، لكنه ما يلبث أن يستردها وهكذا دواليك.

قصة  الأسير الذي صار فردا من عائلة البابا

 في مياه المتوسط وبالقرب من ايطاليا وخلال إحدى جولات وصولات الوزان تعرّض للأسر هو وصديقه المقرب «عباد» على يد القراصنة. كان القرصان «بيترو بوفاديليا» صقليا في الستين من عمره، وقد حملت إحدى السفن الأسيرين الى ميناء نابولي، ثم حملتهما عربة تجرها الجياد، ويقودها «بيترو» إلى مدينة روما، وفي روما فرق «بيترو» بين الصديقين. وجد الحسن نفسه في زنزانة مكث بها شهورا وحيدا لا يسمع ضحكة حارس، أو سقوط حجر في نهر «التيبر»، أو صوت مؤذن يعرف منه ليله من نهاره، ويفتقد صديقه عباد، وزوجته نور، واسرته الصغيرة.

ذات صباح فُتحت الزنزانة واقتاده بيترو خارجها فبهره ضوء النهار ووضع الحسن في عربة يقودها حصانان، اجتازت به اسوار الفاتيكان، وقال بيتر للحسن: ستقابل البابا «ليو» العاشر، فقد أهديتك اليه، تكفيرا عن خطاياي، فاحسن مخاطبة البابا ليو، إذا كنت تريد أن تظل حيا، وتعيش في روما عزيزا مكرما».

في مكتبة قصر القديس أنجلو الاسطواني، رأى الحسن البابا.. كان البابا ذا وجه أمرد (بلا شعر) وذقن بغمازه وشفتين سمينتين، وصافح البابا بيد ناعمة ملساء يد الحسن، ودار الحديث بينهما عبر مترجم، وأعجب البابا بثقافة الحسن الواسعة، وحذره في الاجابة، فقال له: «من اليوم أنت حر في التجول في الفاتيكان وروما نهارا، وعليك أن تلازم غرفتك ليلا بهذا القصر، وإذا أحسنت التصرف بيننا سنمنحك حريتك يوما ما».

في حدائق الفاتيكان وعلى جدران الكنائس وسقوفها رأى الحسن رسوما وتماثيل مهيبة، ورأى الكرادلة ذوي الثياب الحمراء، وبعد اسبوع واحد وفي حفل حاشد، قال البابا للحسن: «اليوم نمنحك حريتك أيها العربي، على الا تغادر روما ولا بلادنا، وقد نسبتك الى أسرتي.. أسرة: مديتشي، وخلعت عليك اسما جديدا لك هو: «ليون جيوفاني ميديتيشي» وخصصنا لك ثلاثة معلمين من الكرادلة ليعلموك اللغات: اللاتينية والتركية والعبرية والايطالية، في مقابل أن تعلم العربية بدورك لسبعة طلاب في كل عام، وقد منحناك «دوكا» ذهبية راتبا شهريا لنفقاتك الشخصية.

خلال عامه الاول أتقن الحسن اللغات الاربع، وعلّم العربية لعشرة طلاب، كان بينهم طالب الماني أسمه «هانز» وصار هو وهانز صديقين فتعلم الحسن منه الالمانية وعرّفه هانز الى أهم الفنانين «رفايلو  ومايكل انجلو»، وحدثه طويلا عن الرسامين والمثالين في ايطاليا، وهو يتجول به بين الكنائس والآثار الرومانية وراء الكوليزيه، واهداه البابا كتابا مطبوعا بالعربية وقال له «هذا أول كتاب بالعربية، يخرج من أول مطبعه في بلادنا، وبلادك لا تعرف المطابع بعد، فاحفظه بعناية فائقة، وبوسعك من اليوم أن تقيم بمنزل خاص بك، في مدينة روما».

وجد هانز منزلا في روما له حديقة لصديقه الوزّان، وزوجه البابا من فتاة مقربة منه اسمها «مادلينا» عاش معها في سعادة كبيرة، لكن أيام الصفا لم تدم، فقد توفي راعيهما البابا ليو وجاء من بعده بابا قطع جميع الرواتب الجارية من الفاتيكان لدعم الحملات العسكرية المتوجهة إلى الشرق، ما دعا الكثيرين من الفنانين والادباء والتجار للفرار من روما، هربا من دعوة البابا الجديد للزهد والتقشف، وعدائه للأدب والفن.

                   راح الحسن يكسب عيشه في روما صيفا وفي جامعة بولونيا شتاء من تدريس العربية والأدب العربي، ويتنقل طوال أعوامه بإيطاليا بين المدينتين. وقد عاني الى حد الحبس لمدة عامين في زنزانة داخل القصر الأسطواني، لكن الفرج كان يقف له خلف الباب حين جاء البابا الجديد «كليمنس السابع»، الذي استدعى الحسن وقال له:

«لقد عيناك مستشارا لنا، وسفيرا في بلاطنا، فاستعد للسفر الى مدينة «بافيه» لتلتقي بهارون باشا، سفير السلطان العثماني، أثناء مقابلته للملك فرانسوا ملك فرنسا، وتبذل جهدك مع السفير العثماني لإصلاح العلاقات بين الفاتيكان والعثمانيين، وأرجو ألا يكون سجنك قد أثر في روحك».. أجاب الوزُان البابا بالقول : «بل كان خيرا وبركة عليّ، فقد وضعت فيه قاموسا للألفاظ اللاتينية والعربية والعبرية، التي تدل على معنى واحد، وألفت فيه كتابا في النحو والصرف».

موسوعة «وصف أفريقيا»

كان البابا يقدر للوزّان سفرا أما الاقدار فكانت ترتب له قدرا مغايرا، فقد فشلت سفرة الوزّان إلى «بافيه» فركب عربته عائدا الى روما، وكان قد بلغ من العمر سبعا وثلاثين سنة، وفي الطريق إلى روما وكان قد بلغ من العمر سبعا وثلاثين سنة، هبت عاصفة ثلجية فنفرت الجياد وانقلبت العربة، وكسر ساق الحسن، فأضطر إلى البقاء في بولونيا، في منزل قريب من جامعتها وقد كان الشتاء قارسا، ولحسن الحظ أنه كان يحمل معه دفاتره التي دون فيها ملاحظاته، فانتهز فرصة مرضه، وراح يكتب طوال تسعة أشهر موسوعة ضخمة عن وصف افريقيا، وكانت زوجته وابنه قد لحقا به مع بداية الربيع، وبقيا معه الى نهاية الصيف، وكان سعيدا بزيارات اصدقائه له، من طلاب الجامعة البولونية واساتذتها.

أنجز الحسن خلال تسعة اشهر ومن تسعة أجزاء في الف صفحة من القطع الكبير وباللغة الايطالية موسوعته عن «وصف افريقيا» والامور المتعلقة بها، وقال الحسن لزوجته «مادلينا»: هذه الموسوعة تعادل عندي مقدمة ابن خلدون، كتب ابن خلدون مقدمته في أربعة أشهر، وكتبت أنا موسوعتي في تسعة أشهر، وهي أضعاف مقدمة ابن خلدون».

فقالت له «مادلينا»: كتبت موسوعتك بالإيطالية، فكيف يقرؤها قومك وهي بغير لغتهم؟

وعزم الحسن على ترجمة موسوعته إلى العربية، اثر عودته إلى روما مع نهاية الصيف، وفي روما تفرغ الحسن لوضع اللمسات الاخيرة لموسوعته، وترجمها الى العربية، وكانت روما تعاني من الهزائم وانتشار الجرائم وعنف الصراعات الاوربية.

 سعى الحسن حتى التقى صديقه «هانز» ليساعده على الهرب من روما التي يحاصرها الجند، مع اسرته وكتبه فقال له هانز بحسم:

خذ معك اسرتك ومالك وثيابك وتحفك، إلا الكتب فهي ملك أوربا الآن، ونحن بحاجة اليها لنعرف أرض الجنوب وأهله، ولا فرصة امامك ولا امامنا لنسخها لك، وقد لا يكون بوسعي حمايتك اذ بقيت لتنسخها ولا اخراجك من روما في اي وقت اخر. رضخ الوزّان لأمر هانز في رحلة مغامرة الى نابولي، بعد أن أودع كتب الحسن في مكتبة الفاتيكان.

في داخل المكتبة الثرية التاريخية والتي لا يوجد لها مثيل، راح هانز يستعرض بسعادة الكتب التي تركها الحسن مرغما وراءه، وقد دّون على غلافها الداخلي تواريخ كتابتها «تراجم الاطباء والفلاسفة العرب» 1527، «الفقه الاسلامي أو شريعة محمد» 1525 «النحو والصرف» 1523، «وصف افريقيا والأمور الهامة بها» 1526، «قاموس الالفاظ» 1526. توقف هانز عند كتاب الحسن «وصف أفريقيا»، كان موسوعة عن ممالكها وسكانها ولغاتها ومناخها وزراعتها، وأرضها ومعادنها وانهارها وبحيراتها، وجبالها وسهولها وحكامها وأربابها ونظمها وأمراضها مملكة مملكة، وشعبا شعبا، وهمس هانز قائلا لنفسه. «لقد فتح لنا الوزّان من حيث لا يدري الطريق الى افريقيا».

لقد كان الوزّان وقصته علامة مهمة على طريق الحوار والجوار بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، علامة اتفاق لا افتراق باقية على مدى الأزمان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: