منوعات

رمضان في الغرب: رواج تجاري لا يواكبه تقارب ثقافي وانساني

راشمي روشان لال

ترجمة وعرض :أحمد بركات

انضم مؤخرا مطعم شهير في العاصمة الأمريكية واشنطن إلى حملة كبيرة، تضم عددا من كبريات المطاعم في ولايات ومدن أمريكية مختلفة، تهدف إلى تمديد ساعات العمل في شهر رمضان إلى «الفجر»، أو إعادة استئنافه قبل الفجر بساعتين لتقديم وجبات «السحور» للمسلمين الأمريكيين. في الوقت نفسه تقدم العديد من محلات «السوبر ماركت» الكبرى في بريطانيا عروضا رمضانية مغرية خاصة فيما يتعلق بمنتجات اللحوم الحلال مثل Humza وHaribo. كما تتوافر حاليا في الأسواق الأمريكية والبريطانية بعض الهدايا التسويقية للاحتفال بالشهر الكريم، مثل «تقويمات الشيكولاتة الرمضانية» لاستخدامها في حساب أيام رمضان قبل انطلاق الاحتفالات بعيد الفطر، وهي هدية تقدم عادة في مناسبة بدء العد التنازلي لانطلاق الاحتفالات بأعياد «الكريسماس».

فرصة تسويقية

في ضوء ذلك تؤكد الكاتبة «راشمي روشان لال» في مقال لها بعنوان Corporate West Embraces Ramadan But Culturally It Is a Work in Progress (الشركات الغربية تنتهز فرصة رمضان، لكن التقارب الثقافي لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوقتأن رمضان يتحول تدريجيا إلى مناسبة تسويقية مهمة في العديد من الدول الأوربية التي تعيش فيها جاليات مسلمة، وأن هذه الدول لا تزال تستهدف مستويات تسويقية أعلى، معتمدة في ذلك على النموذج التسويقي الشرق أوسطي لهذه المناسبة. وفي هذا السياق تنقل الكاتبة عن ريتشارد كيسينبوم، وهو مصرفي يدير شركة استثمارية كبرى في نيويورك، تأكيده ضرورة استثمار الشركات الأمريكية للفرصة التي يمثلها شهر رمضان، والتي ربما لا تتاح بالقدر ذاته في غيره من الشهور.

راشمي روشان لال

 ويرى  كيسينبوم – كما توضح لال في مقالها – أن «زيادة الإنفاق التسويقي والتركيز على المستهلكين المسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة سيدر على الأرجح عائدات غير مسبوقة أثناء شهر رمضان، وأيضا في الفترة التي تسبقه مباشرة». ويضيف “أن الأرقام والإحصاءات التي جمعتها مجموعة شركات Webpals، المتخصصة في الأداء التسويقي، بالتعاون مع عدد من منافذ البيع عبر الإنترنت في الشرق الأوسط، تؤكد أن المستهلكين المسلمين يتحولون بنسبة كبيرة إلى متسوقين حقيقيين أثناء شهر رمضان».

وتفيد البيانات أن المستهلكين الشرق أوسطيين «ينهمكون بقوة في عمليات الشراء أثناء شهر رمضان»، وأنهم يقومون بتحميل تطبيقات تسوق إلكتروني أثناء هذا الشهر بأعداد كبيرة، وأن عمليات التسوق عبر هذه التطبيقات تزداد في رمضان بنسبة 35 في المائة.

وفي العام الماضي، سلّطت شركة «أوجليفي نور» للاستشارات الإسلامية الضوء على الفرص التجارية التي يتيحها شهر رمضان في المملكة المتحدة. ووصفت شيلينا جان محمد، نائب رئيس الشركة، شهر رمضان بأنه «أكبر فرصة تجارية غير مستغلة في بريطانيا على مستوى النطاق والحجم بعد الكريسماس وعيد الفصح».

شيلينا جان محمد

الإقتصاد الرمضانى

تؤكد جميع المؤشرات تنامي اهتمام السوق الغربية برمضان بشكل لافت، وهو ما لا ينبغي أن يكون مثيرا للدهشة، إذا أخذنا في الاعتبار ما ورد في «تقرير الحالة الاقتصادية في العالم الإسلامي» (State of the Global Islamic Economy Report) الذي يقدر حجم الاقتصاد الإسلامي العالمي بما يزيد على 3.49 تريليون دولار بحلول عام 2021

وفي المملكة المتحدة، التي تضم ملايين مسلم، يُقدر حجم الاقتصاد الرمضاني بما يزيد على 232 مليون دولار. ويبلغ حجم الاقتصاد الرمضاني في الولايات المتحدة القيمة نفسها تقريبا، حيث يؤكد 80 في المائة من إجمالي المسلمين الذين يعيشون فيها، والبالغ عددهم 3.45 مليون مسلم، أنهم أصبحوا «يحتفلون برمضان».

ويبدو واضحا أن قبول الشركات الغربية للحضور الإسلامي في الغرب يشهد تناميا لافتا في السنوات الأخيرة، كما تزداد الرغبة في تكثيف إنتاج وتسويق الطعام الحلال ومستحضرات التجميل والأزياء المحتشمة، إضافة إلى تنظيم رحلات دينية إلى أماكن العبادة الإسلامية لتحقيق مزيد من الأرباح.  

القبول الثقافي.. البطىء

لكن هل يواكب هذا الرواج الاقتصادي لشهر رمضان في دول الغرب، مزيدا من القبول الثقافي للمسلمين وعاداتهم في المجتمعات الغربية؟، هذا هو السؤال المهم الذي طرحته في مقالها.. تبدو الإجابة على السؤال، لأول وهلة، غير متفائلة، حيث تحيل لال القارئ إلى الجدل المحتدم حاليا في الأوساط الأمريكية – سواء على المستوى المجتمعي أو السياسي أو الإعلامي – بشأن  عضو مجلس النواب الأمريكي إلهان عمر، الأمريكية الصومالية التي ترتدي الحجاب، وإحدى أول امرأتين مسلمتين يتم انتخابهما في الكونجرس الأمريكي. كانت عمر قد ظهرت في فيديو نشره الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على حسابه الشخصي على موقع تويتر – الذي يمثل المنصة الإعلامية الأهم له، أثناء إبدائها بعض الملاحظات بشأن الحقوق المدنية للمسلمين الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر، ويظهر في خلفية الفيديو السقوط المأساوي لبرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.

«إلهان عمر» عضو مجلس النواب الأمريكي

تم استهداف عمر أيضا في عرض للملصقات أقامه الحزب الجمهوري، الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي الحالي، في مبنى المجلس التشريعي في ولاية فرجينيا الغربية، حيث تم وضع صورة عمر إلى جوار صور منفذي عمليات 11 سبتمبر.

وعلى الرغم من إقرار الجميع بأن تعليقات عمر على أحداث ذلك اليوم لم يتم التعامل معها بموضوعية، ولم يتم صياغتها بدقة – كما تؤكد لال – لكن يبدو أن محاولات وضع النائبة الأمريكية في سلة واحدة مع منفذي عمليات قتل جماعي ترتكز بالأساس إلى كونها مسلمة ترتدي الحجاب؛ «قد تكون إلهان عمر الأمريكية المسلمة الأبرز التى تواجه حملات عدائية، لكنها بكل الأحوال ليست الوحيدة التي تواجه هذه الأزمة».

من ناحية أخرى، تشير تقديرات مشروع الرصد الوطني للإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة (Tell MAMA) إلى ارتفاع نسبة حوادث الكراهية بنسبة 600% تقريبا في الأسبوع التالي لعمليات القتل الجماعي التي وقعت في مسجدي مدينة كريستشيرش في نيوزيلندا في 15 مارس الماضي. ويؤكد المشروع أن هذه الحوادث شملت أفرادا يتظاهرون بتوجيه فوهات مسدساتهم صوب نساء مسلمات، وتعليقات سلبية على المسلمين البريطانيين، وسلوكيات أخرى ترتبط بما قام به منفذ عملية إطلاق النار في حادث نيوزيلندا.  

مرة ثانية تتساءل الكاتبة: «كيف يمكن تفسير هذه الحملات بالرغم من انتعاش الحركة التجارية لتلبية احتياجات المسلمين الغربيين؟»، وتجيب: «من الثابت أن معدل تغير التصورات الثقافية في المجتمعات يسير بوتيرة أبطأ من استراتيجيات الشركات.. في مرحلة ما، سيدرك الجميع أن مساحة التمايز الثقافي بين المسلمين والمجتمعات المحلية في الغرب تتقلص، ورمضان خير مثال على ذلك». فعلى سبيل المثال، يمثل الدجاج والبطاطس المقلية وجبة الإفطار المفضلة لدى الشباب الصائمين من سن 18 إلى 24 عاما في المملكة المتحدة، وهي الوجبة المفضلة لدى عموم البريطانيين. كما تصطف الأسر الأمريكية المسلمة في صفوف طويلة أمام سلسلة مطاعم IHOP المعروفة بفطائرها الشهية، التي تجذب الأمريكيين بوجه عام، من أجل الحصول على وجبة السحور.

 وتخلص الكاتبة إلى أن القطاع التجاري في البلدان الغربية، أدرك حق الإدراك قيمة المسلمين كمكون رئيس في السوق الغربي، «ليحقق بذلك السبق الطبيعي والموضوعي لنفسه على عموم المجتمع الغربي الذي لا يحتاج سوى إلى مزيد من الوقت ليعي هذه الحقيقة». 

*يمكن الاطلاع على النص الأصلي للمقال باللغة الإنجليزية من هنا 👉

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق