منوعات

شباب.. مغتربون في الوطن.. مهاجرون إلى المستحيل

«أنا شاب لكن عمري ولا ألف عام.. وحيد ولكن بين ضلوعي زحام.. خايف ولكن خوفي مني أنا.. أخرس ولكن قلبي مليان كلام» من رباعيات صلاح جاهينكثيرة هى الدراسات التي تناولت قضايا الشباب، ولكن هل استطاعت تلك الدراسات الوقوف على الأسباب الحقيقية وراء حالة الاغتراب التي بات الشباب يعاني منها في الآونة الأخيرة؟ البعض يربط حالة الإغتراب تلك بفقدان الأمل في المستقبل، وفقدان سبل العيش الكريم، والبعض يرجعها لإنتشار وسائل الإتصال الحديثة التي باعدت بين الشباب ومجتمعاتهم المحلية، وربطتهم بحلم الكائن العالمي أو الكوني، فغدت الهجرة، أحد أهم الأحلام التي تداعب خيال الكثير من الشباب.

قضايا الإنتماء والإغتراب لدى فئة الشباب، مثلت إحدى محاور المؤتمر الدولي الثاني الذي عقدته كلية التربية، بجامعة عين شمس، تحت عنوان «الشباب في عالم متغير.. رؤى نظرية وإمبريقية»، حيث شاركت الدكتورة أمل حسن فرج  الأستاذ المساعد بقسم الاجتماع بكلية الآداب، جامعة القاهرة، بورقة بحثية تحت عنوان «رؤى الشباب بين الإنتماء والإغتراب السياسي.. دراسة سوسيولوجية على عينة من شرائح شباب متنوعة» حاولت من خلالها تحليل إتجاهات الشباب المصري نحو قضايا الإنتماء والإغتراب، وتحديد أهم مظاهر هذا الإغتراب السياسي، إضافة للكشف عن المتغيرات الاجتماعية والسياسية المؤثرة على شعور الشباب بالإنتماء أو الإغتراب.

الثقافة والاغتراب

في البداية أوضحت الباحثة أنه لا يمكن النظر إلى فئة الشباب بإعتبارهم كتلة واحدة متجانسة تماما، فهم مختلفون بإختلاف مواقعهم الإجتماعية وإنتماءاتهم الفكرية، وثقافاتهم الفرعية المميزة لكل فئة منهم على حدة، تلك الثقافة الفرعية التي يمكن النظر لها بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية، فالثقافة الفرعية تعد بمثابة شبكة، تجمع بين مجموعة من الأفراد المتشابهين الراغبين في الإعلان عن تأكيد ذواتهم عبر آلية التمييز بالإختلاف.

الثقافة الشبابية كما تقدمها أمل حسن، هى بنية ثقافية تتم وفقا لعدد من المحددات، تتمثل في حاجات ودوافع الشباب أنفسهم، ومدى تفاعلهم مع عالمهم المحيط، بما يتسم به من تراث ثقافي محلي سائد، إلى جانب الثقافة العالمية المسيطرة والتي تواصل معها جيل الشباب عبر وسائل الإتصال الحديثة.

أما الإغتراب فهو حالة من الغربة تحدث نتيجة التعرض لبنية إجتماعية تفرض حالة من القهر على البشر، تلك الحالة تنكر عليهم جوهرهم الإنساني، وتتضمن حالة الإغتراب تلك عدداً من السمات، منها فقدان القوة، وفقدان الشعور بالمعنى، والعزلة ،واللامعيارية، والغربة عن الذات.

للإغتراب أنواع متعددة منها الإغتراب النفسي المرضي، ومنها الإغتراب الإجتماعي والإغتراب السياسي، وما يعنينا هنا، هو الإغتراب السياسي، حيث يشعر الفرد بكونه منفصلاً عن النظام السياسي، ليس لديه دور في العملية السياسية، وأن صانعي القرار لا يضعون له أى إعتبار. الإغتراب السياسي إذن هو إعتقاد المواطن بأن السياسة والحكومة يسيرها آخرون لحساب آخرين، طبقا لمجموعة من القواعد التي لا تراعي وجود هذا المواطن.

عزوف عن المشاركة السياسية

تتساءل أمل حسن في دراستها تساؤلا عاما هو : لماذا لا ينخرط الناس في السياسة؟ وتجيب عن تساؤلها هذا بأن الناس لا ينخرطون في العمل السياسي لأسباب عدة، منها الإعتقاد بأن مشاركتهم تلك لن تمثل أى فارق في صنع القرارات، حيث لا يوجد فارق جوهري بين البدائل المتاحة من وجهة نظرهم، أو أن ما لديهم من معلومات يعد معلومات محدودة لا تمكنهم من الوصول لقرار واضح، أو أن هناك عقبات تعوق مشاركتهم تلك.

ومن التعميم على جميع فئات المواطنين إلى الشباب تؤكد أمل عبر نتائج دراستها الميدانية، التي أجرتها على عينة من الشباب، على أن هناك حالة من العزوف لدى فئة الشباب عن المشاركة في الأحزاب السياسية، نتيجة فقدان ثقتهم بتلك الأحزاب، تتضافر مع العزوف عن متابعة نشاط البرلمان المصري، وانعدام المشاركة في أي عمل تطوعي، مع رؤيتهم بأن هامش الحرية المتاح في المجتمع يعد هامشاً ضئيلاً.

من جانب آخر تشير نتائج الدراسة إلى انخفاض نسبة مشاركة الشباب بالإدلاء بالتصويت في أي إنتخابات، نتيجة عدة أسباب منها الاعتقاد بأن صوتهم غير مؤثر، أو أنهم معترضون على طريقة صنع السياسات ذاتها، أو أن الإمتناع عن التصويت يعد طريقتهم في الإعتراض وإعلان الرفض.

حلم الهجرة

المثير في نتائج تلك الدراسة، يتعلق بموقف الشباب من قضية الهجرة، فأبناء الطبقة الوسطى والعليا هم الأكثر رغبة في الهجرة، أما أبناء الطبقة الفقيرة فهم الأقل رغبة في خوض تجربة الهجرة، على الرغم من انعدام الفرص أمامهم، وهنا تعلق أمل حسن، بأن الشباب الفقراء ولأنهم غير مؤهلين علميا ومهنيا للسفر للخارج، فهم الأقل رغبة في الهجرة، وقد عبروا عن موقفهم ذلك بمقولتهم «من خرج من داره أتقل مقداره».

خطورة الشعور بالإغتراب لا تقتصر فقط على انخفاض المشاركة السياسية، وإنما الأزمة الكبرى في تفشي ظاهرة الإغتراب الإجتماعي والسياسي التي تتجسد في الشعور بعدم الإنتماء، والرغبة في العزلة وهجر المجتمع ككل، وبروز ظواهر إجتماعية سلبية من تطرف ديني ورغبة طاغية في الهجرة للخارج. ولعل أخبار مراكب الموت لهي أبرز دليل على ذلك الشعور بالإغتراب والرغبة في الفرار لمجتمع آخر وحياة أخرى حتى لو كان ثمن ذلك هو التعرض لخطر الموت ذاته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق