رؤى

أبو ذرالغفاري.. الغاضب لوجه العدل

رجل من «غِفَار» يخرج على كل ما وجد عليه قومه.. لا يرضى بمسلكهم في الكسب الذي يقوم على السلب والنهب وقطع الطريق، لا يقبل منهم عبادتهم للوثن «مناة» الذي رأى الكلاب تبول عليه وتأكل القرابين المقدمة إليه دون أن يفعل شيئا.. حَوَت نفس الرجل الفضائل كلها؛ حتى أنَّ المرء ليعجب كيف لشاب نشأ في «غِفَار» -جحيم القوافل- أن يكون على هذا النحو من الشرف وحسن الخلق.

في بِره بأمه ورعايته لأخيه كان مضرب الأمثال.. في دفاعه عن الضعفاء وانتصاره للمظلومين ووقوفه في وجوه سادة القوم محاولا ردهم عن غيهم ما استطاع، وفي انقطاعه للعبادة الليالي الطوال- صار الرجل قصة تروى.. لكنَّه كان يلتمس لروحه شيئا من الاطمئنان، شيئا من الهدأة التي يمنحها ثبات الإيمان.. فكيف السبيل إلى ذلك وقد مرت السنون في انتظار مالا يجيء؟ لكن الفرج يأتيه فيمضي وحيدا حاملا القليل من الزاد قاصدا مكة لتقصي الخبر الذي بلغه. رجل من قريش يقول أنَّ الخبر يأتيه من السماء، لقد ظل سنينا يترقب ظهور نبي آخر الزمان.. ليس أقدر منه على تبين الحقيقة.. سيعرفه دون شك، إنَّ صورته تنطبع في قلبه، يعرف وصفه بأدق التفاصيل.. كان قد أرسل أخاه إلى مكة ليتحرى الأمر، فعاد بما لم يشف له صدرا، لكنه يعلم وَجَل قريش وتربصها؛ فيدخل مكة مستخفيا، ويبقى عند البيت مستريبا لا يسأل ولا يخبر أحدا عن سبب مجيئه.. وبينما هو يتلظى بنار انتظاره تسوق له الأقدار رجلا يهديه بغيته، وإذا به يجلس قبالة رجل يملك قلب محدثه ويأخذ بزمام عقله.. فيسمع منه ما يروي ظمأ الأفئدة، فيسري إلى الألباب مكينا؛ فيبادر إلى الإسلام ليكون خامس من يدخل في الدين الجديد.

ويأبى أبو ذر جُندب بن جنادة الغفاري إلا أن يُعلن إسلامه عند البيت، فيتقاطر عليه رجال قريش ليوسعوه ضربا حتى تكاد روحه أن تزهق، لولا العباس بن عبد المطلب الذي أخرجه من بينهم وقد غطته الدماء، وهو يصيح: يا معشر قريش أتقتلون رجلا من «غِفَار»، وقوافلكم تمر بمضاربهم. فينتبه القوم إلى خطورة عواقب فعلتهم فيتوقفوا عن ضرب الرجل.

  

مقام «أبو زر الغفاري»

ما أبقى الحق له صاحبا

هذا أبو ذر رجل ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق منه، كما أخبر المعصوم- صلى الله عليه وسلم- رجل لا تثنيه المخاوف ولا تغريه المغانم، ولا يخشى في الله لومة لائم، ولو صار وحيدا، ما أبقى الحق له صاحبا، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده؛ لتصدق النبوءة فيه، إذ هو أمة بكاملها ترفض جور الحكام، ولا تخضع لسطوة متجبر، ولا ترتضي الدنية في دينها، ولا تساوم على شيء فليس أعز عليها من نصرة الحق ومجابهة الظالمين.

يقصد الشام مجاهدا؛ فيرى كيف تحول الناس ممن صحبوا رسول الله إلى الترف والدعة وسُكنى القصور، وجمع الأموال والذهب؛ حتَّى أنساهم ذلك دينهم، ويرى المظالم في طول البلاد وعرضها؛ فيصدح بكلمة الحق فيلتف من حوله الفقراء والضعفاء والمُضَيَّعة حقوقهم، فيقول لهم: عجبت ممن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه؟ والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيا، وصادقا مكذبا، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه.

ثم يبنى معاوية قصر الخضراء بدمشق فيقول له أبو ذر: يا معاوية إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك؛ فهو الإسراف.

الغاضب لله

ويجادله معاوية -على ما أوتي من دهاء- فما يستطيع إلى رده سبيلا، فيشكوه إلى عثمان بن عفان خليفة المسلمين آنذاك، فيرد ابن عفان عليه في رسالة سريعة: «أن احمل «جُندبا» إليًّ على أًغْلظ مركب وأوعره». فوجّه به مع من سار به الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث إليه عثمان: إلْحقْ بأي أرض شئت قال: بمكة. قال: لا. قال: بيت المقدس. قال: لا. قال: بأحد المصرين. قال: لا، ولكني مُسيِّرُك إلى الربذة ، فقال أبو ذر: أتردني بعد الهجرة أعرابيا؟ فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات.

ويُروى أنَّ الخليفة منع أهل المدينة من وداعه، فلم يخرج لوداعه إلا الإمام علي بن أبي طالب وولداه الحسن والحسين وأخوه عقيل ومعهم عمار بن ياسر، ويخرج في إثرهم مروان بن الحكم مستشار السوء الذي أورد عثمان كل مورد، ثم تخلَّى عنه يوم أن ثارت ثائرة الناس.

ويحاول مروان أن يثني الإمام «علي» عن توديع أبي ذر فما لقيَّ من أبي الحسن إلا السوط يقرع وجه دابته فيعود خائبا شاكيا أبا الحسن إلى ابن عفان، ويصل الجمع إلى «الرَبَذة» ويوجه أبو الحسن حديثه إلى صاحبه مواسيا قائلا: «يا أبا ذر إنَّك غضبت لله؛ فارج من غضبت له، إنَّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا، والأكثر حسدا، ولو إنَّ السموات والأرضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا، لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك».

يقضي أبو ذر نحبه في تلك القفار، وليس معه إلا زوجته الصابرة المحتسبة، بعد أن قضى جميع ولده في تلك الفلاة القاحلة، كان أبو ذر قد أوصاها أن تتبصر الطريق، فلقد أخبره الرسول الكريم أنه سيموت بفلاة وتكفنه وتدفنه عصابة من المؤمنين، وتخرج المرأة وتعود إليه عدة مرات، حتى يكاد اليأس يتملكها، ثم يأتي الفرج من الله فتلمح المرأة ركبا آتيا فتشير لهم ببعض ثوبها، فيسرعون إليها، فتخبرهم الخبر فيعجبون أشد العجب، كيف للصحابي الجليل العلم المفرد أن يموت هكذا منفيا في الصحراء؟ وما هو والله محل للعجب، فما نجا من هو مثل أبي ذر على مر الدهور من عسف المتجبرين وقسوة المستبدين.. وتدخل بهم عليه، ولم يكن له ثوب يصلح لكفنه، فيقول لهم: وإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا. فيتعجبون من قوله إذا لم يكن فيهم أحد إلا وقد قارف شيئا من هذا، إلا فتى من الأنصار قال له: أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا الذي اشتريته بمال كسبته بعملي، وفي ثوبين من غزل أمي حاكتهما لي كي أحرم فيهما. فقال: أنت الذي تكفنني، فثوبك هو الطاهر الحلال.

ويموت أبو ذر هذا الذي ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق منه لهجة يموت هكذا منفيا وحيدا فما أبقى الحق له صاحبا كما كان يردد دوما ويقول: والله ما أريد إلا الله صاحبا، وما أخشى مع الله وحشة.

سلام على أبي ذر في الأولين والآخرين، سلام عليه يوم أسلم ويوم هاجر ويوم جاهد في الله، سلام عليه يوم وقف مجاهرا بكلمة الحق، مدافعا عن الفقراء والمستضعفين، مضحيا بكل شيء في سبيل إعلاء كلمة الحق، لا يضره من خذله، ولا يرده من تخلى عنه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق