منوعات

يعقوب صنّوع.. مسيرة إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري (1)

«الشيخ جيمس صنّوع.. أبونضارة.. شاعر الملك.. خبير في الشؤون العامة.. توفى 29 سبتمبر عام 1912 عن عمر 75 عاما، حاصل على وسام الصليب الكبير من زنزبار، وحاصل على نيشان افتخار العثماني، ومترجم حر في وزارة البريد والتلغراف، ومعلم سابق في مدرسة الصناعات بالقاهرة ومنشئ جريدة ابو نضارة».. على شاهد لأحد  القبور بمقابر اليهود في العاصمة الفرنسية باريس، كُتبت العبارة السابقة، وعلى رأس المقبرة وقفت مسلة مصرية صغيرة، عليها صورة برونزية مستديرة للكاتب والمسرحي والصحفي المصري يعقوب صنّوع الذي مات في باريس عام 1912.

وبالرغم من تأكيد المستشرق والمؤرخ يعقوب لاندو أن يعقوب صنّوع عاش ومات يهوديا، وتم تسجيله في دفاتر وفيات اليهود  في باريس، وأنه دفن بمقابرهم، الأ أن حفيدته أعلنت أن جدها مات مسلما وأنه دفن في الجزء الخاص بمقابر المسلمين في «مونتبارناس» بباريس.

صنوع اللغز والأسطورة

لم تكن ديانة صنّوع فقط هي مثار جدل بين المؤرخين العرب والأجانب، فحياة الرجل كلها وأدواره التي لعبها سواء في السياسة أو الصحافة أو الفن ظلت محل تشكيك حتى هذه اللحظة، فالبعض أنصفه ورفعه إلى مرتبة الثائر الوطني الذي نُفي من بلاده بعد هجومه على أسرة محمد علي، وهناك من نسف دوره كرائد للمسرح المصري والعربي، وذهب البعض الآخر إلى ما هو أبعد حيث نفى وجود مثل هذه الشخصية من الأساس.

محمد علي

صحفي وأديب وممثل ومخرج مسرحي.. وطني وثائر وصاحب كلمة وموقف.. باحث عن مصالح شخصية، وملفق، زوّر تاريخه وسيرته بمشاركة كُتاب وصحفيين أغدق عليهم الأموال كي يصنعوا أسطورته المُلغزة، شخصية مصنوعة من الألف إلى الياء ولم يكن لها وجود ولم تأت على ذكر محطات حياته الصحف المصرية التي كانت تصدر في الفترة التي سبقت رحيله عن مصر في نهايات القرن التاسع عشر.

لاحقت كل الأوصاف السابقة شخصية يعقوب على مدار ما يقرب من قرن، منذ رحيله من مصر في نهايات القرن التاسع عشر حتى اقترب الدكتور إبراهيم عبده المؤرخ الأبرز في تاريخ الصحافة المصرية، من حسم الجدل وتتبع محطات حياة هذا الـ«صنوع»، فسافر إلى باريس في خمسينيات القرن الماضي، وجال بعض العواصم الأوربية ليحقق وثائقه وصحفه وما كتبه وما كتب عنه، ويلتقي بمن تبقى من أهله وأصدقائه، ويتعقب آثاره، وبعد طول معاناة وبحث ودراسة، أخرج لنا كتاباً، فك إلى حد ما الاشتباك الدائر حول شخصية صنّوع، وحمل الكتاب اسم «يعقوب بن صنوع إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح في مصر».

أوراق لولي صّنوع

يحكي الدكتور ابراهيم عبده في مقدمة كتابه المنشور عام 1953 أنه في خلال تلك الرحلة من البحث علم من صديق له يدعي اسكندر شحاتة «أحد العاملين المخلصين في السفارة المصرية بباريس آنذاك بأن يعقوب صنوع له ابنة تعيش في باريس».

علي الفور هيأ اسكندر شحاتة الفرصة ليتعرف الدكتور عبده بابنة صنّوع، وقال عنها في مقدمة الكتاب: «وماطربت لشئ في بحوثي العلمية طربي لوجود مجموعة من صحف المترجم له عند كريمته السيدة لولي صنّوع التي راعني أن يكون بين النساء سيدة مثلها علماً وفضلاً وأدباً».

ويروي عبده في مقدمة كتابه عن مساعدة السيدة لولي صنّوع وهو بصدد إنجاز عمله عن أبيها يعقوب ويقول: شملتني السيدة لولي صنوع بعطفها ومنحتني مجموعة والدها كاملة غير منقوصة، فوجدت أخيراً تحت يدي الجدول الأصيل لمن يريد أن يغترف من تاريخ صنوّع وفنه ،فضلاً عما أهدتني من وثائق وصور وكتب مخطوطة متصلة بهذا الموضوع تكمل تاريخ (أبو نظارة) وتجعله حياً قوياً جديراً بالنشر في أوسع نطاق. وفي مقدمة ذلك تاريخه الذي كتبه بخط يده وكناشة (دفتر) سجل فيها الأعداد الخمسة عشر التي نشرها في مصر ولا يوجد لها نظير في مكتبة عامة أو خاصة.

Image result for ‫يعقوب صنوع‬‎

بين المسرح والصحافة

ويذكر الدكتور ابراهيم عبده في مقدمة كتابه ما رأى أنهما حقيقتين هامتين عن يعقوب صنوع، الأولى تتصل بنشأة الصحافة الفكاهية في مصر، ووصف تلك النشأة بأنها مصرية صميمة لم يسبقنا إليها أحد في بلاد الشرق الأدني بأسرها، كما أن الصحافة في مصر هي صناعة مصرية خالصة أيضاً وليس لغير مصري فضل في إنشائها، وأثبت أن مصر هي أسبق البلاد العربية جميعاً علماً وفهماً لهذا الفن الجميل.

أما الحقيقة الأخري فتثبت أن نشاة المسرح في مصر يرجع إلي العام 1869 حيث «قامت أسسه وبنيت أساساته وشيدت قواعده علي كواهل المصريين، ولم يقم به غيرهم، خاصة وأن الفرق التمثيلية التي وفدت للبلاد في عهد الخديوي اسماعيل جاءت من بلاد الشام متأخرة عن هذا التاريخ بسنوات وذلك في أعقاب وعي مسرحي مصري ملحوظ. ويتضح من هذه الحقيقة أيضا، والكلام لايزال للدكتور إبراهيم عبده، أن «عمر المسرح المصري 84 سنة، وليس عمره ثلاثين عاما كما خيل للمسؤلين وهم يحتفلون بنشأة المصري منذ أسابيع».

نشر عبده في كتابه لمحات من حياة هذا «الرائد العبقري» يعقوب صنّوع، لافتا النظر إلى أنه «ولد مسلماً لأبويين يهوديين ثم تزوج من سيدة كاثوليكية أنجب منها طفلين احتفظاً بديانة الأم، وهو ما جعله همزة وصل بين الديانات الثلاثة التي يعيش في أعطافها العالم المتحضر منذ آلاف السنين».

وأكد عبده أن صنّوع كان يتمتع بشخصية تمتلك العناد والإصرار، «جعلت منه تلك الشخصية كاتباً صحفياً ساخراً هاجم البيت المالك كما هاجم سياسة الإحتلال الإنجليزي بصفة عامة وسياسته في مصر بصفة خاصة».

ونعي الدكتور عبده في مقدمة كتابه حال الصحافة المصرية في تلك الآونة، «في الوقت الذي وقف فيه صنوّع وحيداً ضد التيار يتلقي طعنات الوعد والوعيد، ويلقى النفي والتشريد حتي انتهي به الأمر منفياً عن البلاد التي أحبها والوطن الذي عاش فيه ،حتي مات في العام 1912، ودفن في ثرى غير الثرى، غريباً بعد أن ظل يدافع عنه في الوقت الذي رأي البعض ممن يكتبون في الصحافة وقتها أن اللوذ بمبدأ السلامة أولاً هو السبيل».

مع الأفغاني في «متاتيا»

وعرج عبده إلى ما مر به المجتمع المصري من تطور في تلك الآونة، «كل شئ في مصر جديد.. ارتفعت طوابق المنازل، وأنيرت الشوراع، وأبيحت الخمر في كثير من الأحياء التي ما كان يستطيع أن يُشرب الخمر فيها مواطن من المسلمين أو المسيحيين، وجرت العربات بخيولها المطهمة في الشوراع والميادين المرصوفة، وانتشرت دور التمثيل وفي مقدمتها دار الأوبرا الخديوية، وخفت العذارى إلى الحدائق العامة في جنح الليل أو في وضح النهار، وصفت العربات في أطراف المدينة تزخر بما يندى له الجبين».

ويضيف عبده كل ذلك كان في حاجة إلى مؤرخ أو أديب، «كان ابن صنّوع هذا المؤرخ وذاك الأديب، وإن اختلف الناس في شأنه، وقيل إنه ممثل، واختصم مؤرخوه فيما كانت عليه طبيعته، أكان صحفيا أم كان مؤرخا وأديبا أم كان ممثلا بعيد الصيت. وفي تمثلياته، مؤلفة ومعربة، تبين قدرة الممثل وتبرز ملكة النقد وتظهر شخصية الفنان المفتن، وفي صحفة تروى الحقائق».. إنه يعقوب ابن صنوع، الأديب الشارع الثائر والصحفي القارح الساخر، وإمام الصحافة الفكاهية من غير منازع».

ويذكر عبده كيف جمع القدر بين جمال الدين الأفغاني ذلك الشيخ الذي أشعل في النفوس لهيب الثورة بما نشرته له الصحف من مقالات وبما ألقاه على الصفوة من أفكار، وبين يعقوب صنّوع ذلك المشاكس الذي ذاع صيت فنه وأدبه، وروى كيف أثّر الأفغاني بالود والتأييد في مسيرة بن صنوع، بعد أن جمعتهما لقاءات الأدب والفن على قهوة متاتيا.

ويقول عبده إن صنوع ذلك اليهودي المسلم الذي قرن بين دينين ولد عام 1839، «حملت فيه أمه اليهودية وولدته مسلما هبة منها إلى الإسلام والمسلمين، وإصغاء منها لوحي في قلبها، وتلبية لتعاليم العرّاف الذي أنبأها بالخبر اليقين».

جمال الدين الأفغاني

نصيحة إمام الشعراني لأم يهودية

كان صنّوع الولد الوحيد لأمه وأبيه، لم يرزقهما الله بغيره من البنين، وقد واريا قبل مولده أربعة أطفال لم يروا نور الحياة إلا أسابيع، ثم مضوا إلى جوار ربهم مخلفين الحسرة في قلب الوالدين اللذين كانا ينشدان طفلا يخفف من غصة الحياة، وما أصعب الحياة على والدين يفتقدان في كل سنة وليدا بعد قليل من ولادته المعسرة.. ذهبت الأم وهي حامل في جنينها إلى شيخ مسجد الشعراني، لترجوه أن يدعو الله لكي يحفظ عليها جنينها ويبقيه قرة لعيون والديه، فقال لها «إن الله سيبقى على جنينها وهو ولد»، لكنه طلب منها أن تنذره للدفاع عن الإسلام حتى يعيش، فأصغت الأم إلى نصيحة الشيخ وأقر زوجها بأن يهب ابنه للإسلام.

وينقل الدكتور إبراهيم عبده في كتابه عن «أبو نظارة» أنه حين كبر حفظ القرآن وعاهد والدته على أن يوفي نذرها. ومن اللافت أن ابن صنوع لم يشر قط في تاريخه إلى أنه وُلد من أبوين يهودين، مع  أن جميع الكتب وكل ما ذكره عابرا أو محققا أكد هذه الحقيقة التي ينطق بها لقب الأسرة، وتنطق بها معالم وجهة اليهودي الأصيل.

Image result for ‫يعقوب صنوع‬‎

رحلة الشاعر الصغير في أوربا

ويكمل صنوع فيما نقله عنه إبراهيم عبده في كتابه قائلا: وحين بلغت الثانية عشرة من عمري كنت أقرأ التوارة بالعبرية والإنجيل والقرآن بالعربية وأفهمهما تماما، وكان أول شعر نظمته باللغة العربية مديحا لناظر المدرسة الذي كان يعاقب التلاميذ الذين دأبوا على الضحك مني بسبب عيني المحمرتين، وقد تلوت هذا الشعر على والدي، وكان يقرض الشعر فبصرني بأخطائي فيما نظمت ونصحني أن أصيغ قصيدة في مدح الأمير أحمد حفيد محمد علي الكبير، فكتبت قصيدة طويلة قدمها والدي لسمو الأمير الذي لم يصدق أن صبيا في الثالثة عشرة يستطيع أن يكتب هذه الأشعار.. وقال لأبي أنه يريد أن يرى هذا الطفل ذا الذكاء الخارق.

التقى الأمير بالشاب الصغير، وأعجب به، وقرر إرساله على نفقته إلى أوربا لتلقي العلم، ولما عاد بعد عدة سنوات نزل قضاء الله في الأمير الذي أولاه نعمته وفي أبيه أيضا، فوجد نفسه رب أسرة ليس له ما يغنيه وإن كان له علم تام بأربع لغات، كانت هي رأسماله الذي تقدم به إلى إحدى المدارس الحرة التي قبلته مدرسا بها.

ووفقا لمقال كاتب إنجليزي استند إليه عبده في كتابه، فإن صنّوع أجاد «العبرية والعربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإلمانية والبرتغالية والمجرية والروسية والبولونية» في عام 1879.

ويستطرد محرر جريدة «saturday review» في وصف طرائق العيش التي اتبعها أبو نظارة فيقول إنه «كان يتنقل من قصر إلى قصر ومن خان إلى خان ليعلم أبناء الخديوي والباشوات اللغات والرسم والموسيقى».

الخديوي اسماعيل

في مديح الخديوي

ويذكر أبو نظارة أن بعض الشخصيات المدنية والعسكرية التي كانت تحكم مصر في أواخر القرن التاسع عشر تلقت عنه دروسا خاصة أو تتلمذت عليه في المدارس الحرة أو الأميرية، مضيفا أنه أمضى بضع سنين مدرسا في المهندسخانة وعضوا في لجنة امتحان المدارس الأميرية.

وعن بداية علاقته بالخديوي إسماعيل، يقول صنّوع  إنه أعجب به قبيل ولايته إلى الحكم ،فقد ظن أنه سيكون علما على المدنية والحرية، فلما تربع على كرسي الخديوية مدحه في قصيدة عصماء ذاكرا أن ملكه سيفتح عهدا جديدا لمصر، وأن شخصيته ستعيد إلى العلوم والآداب والفنون أزدهارها القديم على ضفتي النيل. لم يقف صنوع عند تلك القصيدة بل تجاوز ذلك وكتب في الجرائد المحلية والأجنبية مقالات عن التقدم السريع الذي أصاب أرض الفراعنة بفضل إسماعيل.

اقترب صنوع من الخديوي وأصبح من جلسائه، وفي ذات الوقت بدأ الممثل الذي تشبع بالمسرح الإيطالي مشوراه الفني، وعرض ثلاث مسرحيات، كان لنجاحها أثرا في قراره بإقامة مسرح قومي مصري، «وهو عمل فني لم يسبقه إليه أحد في مصر، وشجعه على ذلك الخديوي إسماعيل الذي كان داعما للمسارح الفرنجية وفي مقدمتها الأوبرا الإيطالية والكوميدي الفرنسي».

أما عن مشوار صنّوع لتأسيس أول فرقة مسرحية مصرية، ولماذا غضب عليه الخديوي وأوقف عروضه المسرحية، وتأسيسه جريدته الأولى بنصيحة من جمال الدين الأفغاني، فهذا ما سنسرده في الحلقة القادمة من سيرة الشخصية الملغزة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق