ثقافة

المرأة في أدب الطيب صالح.. بذور الثورة السودانية

احتفى ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي العربي في دورته الأخيرة بالأديب السوداني الراحل الطيب صالح، حيث حملت تلك الدورة اسم الاديب الراحل، كما خصص الملتقى عدداً من الجلسات تناولت بالنقد والتحليل مجمل أعمال صالح الإبداعية، وكان على رأس تلك القضايا التي طرحها النقاد حول أعماله، قضية صورة المرأة في أدب الطيب صالح، وإستشراف الرؤى المستقبلية لوضع المرأة في السودان.

نظرة خاصة

لم تكن تلك هى المرة الأولى التي تُطرح فيها أعمال الطيب صالح للدراسة والبحث، حيث اهتم العديد من الباحثين فى الأدب العربي بدراسة أعماله، لذا لم يكن من المستغرب أن تخصص له «مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية» الصادرة عن مركز جيل البحث العلمي بالجزائر، في عام 2016 «ملفاً خاصاً» يتضمن عدداً من الدراسات الأكاديمية لعدد من الباحثين، من بينهم دراسة «للدكتورة حسينة» الباحثة بالقسم العربي بجامعة كاليكوت بالهند تحت عنوان «نبضة المرأة هى نبضة المجتمع – عالم المرأة عند الطيب صالح»، وقد كان  لتلك الدراسة حضور قوي، لدى بعض متحدثي ملتقى القاهرة للإبداع الروائي الذين أبدوا تفاعلاً واضحاً معها>

تشير الباحثة في دراستها إلى أن الطيب صالح، عمد في مجمل أعماله الأدبية أن يقدم مختلف الشخصيات بصورة تتناسب مع مقتضى السياق الزماني والمكاني الذي تدور فيه الأحداث، كما قدم الشخصيات النسائية، ممهورة بنظرته الخاصة لتطور أحوال النساء في المجتمع السوداني المقيد بالتقاليد والأعراف.

غير أن تلك القيود المكبلة للمجتمع السوداني لم تُعق الطيب صالح عن أن يقدم العديد من النماذج النسائية بوصفها شخصيات قوية، ذات إرادة صلبة، وقدرة على الإختيار والتحدى، وخاصة في مجالي الحب والزواج. فالمرأة في أدب الطيب صالح تتطلع دائما إلى الأمام، تتعارك مع عادات وتقاليد المجتمع السوداني التي كانت تفرض  عليها عدم الإلتحاق بالتعليم، كما تتعارك مع المجتمع المحيط، من أجل المطالبة بحقها في اتخاذ القرارت الخاصة بشئون حياتها وخاصة قرار الزواج.

«نساء الطيب» وبذور الثورة

تعددت الشخصيات النسائية السودانية بأعمال الطيب صالح، التي كانت بمثابة نواة أولى نحو الثورة الاجتماعية للنساء السودانيات، والتي برزت وتجلت معالمها فيما نشهده هذه الأيام من مشاركة النساء السودانيات في مقدمة صفوف أحداث الثورة السودانية.

قدم الطيب صالح في روايته الأولى «عرس الزين» بطلة روايته «نعمة بنت حاج إبراهيم»، بوصفها شخصية مختلفة عن غيرها من بنات جيلها، فتاة لديها القدرة التامة على حرية الإختيار، فهى منذ نعومة أظافرها قد استطاعت أن تختار وأن تتعلم ففرضت على والدها أن تلتحق بالكتاب، لتكون بذلك البنت الوحيدة وسط جمع من الأولاد، تعلمت القراءة والكتابة وحفظت القرآن.

لم يكن قرار الالتحاق بالكتاب هو القرار الوحيد الذي اتخذته «نعمة بنت حاج إبراهيم»، فحين بلغت السادسة عشرة من عمرها، تقدم الكثير من الرجال لخطبتها، غير أنها كانت قد اتخذت قرارها بالزواج من ابن عمها «الزين»، وهو القرار الذي عارضه والدها وإخوتها، نظرا لما يعانيه الزين من قصور في شخصيته، غير أنها أصرت على قرارها ومن ثم ذهبت إلى بيت الزين لتطلب من والدته أن تتزوج من الزين، وهو نفس ما فعلته فيما بعد «حسنة بنت محمود» في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، حين ذهبت لبيت أم الرواي لتطلب الزواج منه. هنا نلاحظ أن الطيب صالح قد أعطى لنساء رواياته حرية أن يخترن حياتهن ومستقبلهن.

 تأتي على رأس قائمة نماذج النساء الثائرات على تقاليد المجتمع السوداني، نموذج شخصية «حسنة بنت محمود»، برواية موسم الهجرة إلى الشمال، وهى فتاة قروية سودانية، تزوجت من بطل الرواية مصطفي سعيد، لتبدأ بزواجها هذا رحلة من الوعي، جعلت الطيب صالح يصف رحلتها تلك على لسان «محجوب»، وهو أحد رفاق طفولتها، بقوله «الحقيقة أن بنت محمود قد تغيرت بعد زواجها من مصطفى سعيد، كل النسوان يتغيرن بعد الزواج، لكنها هى خصوصا تغيرت تغيرا لا يوصف. كأنها شخص أخر، حتى نحن أندادها الذين كنا نلعب معها في الحي، ننظر إليها اليوم فنراها شيئا جديدا. هل تعرف؟ كنساء المدن».

تجلت ثورة «حسنة» على تقاليد مجتمعها، حين رفضت الزواج للمرة الثانية بعد موت زوجها، معلنة رفضها ذلك بمقولتها الصارمة «إذا أجبروني على الزواج، فأنني سأقتله وأقتل نفسي» وهو ما فعلته حين أجبرت على الزواج من الشيخ العجوز «ود الريس»، وهو ما يعد بذرة أولى غرسها الطيب صالح في المجتمع السوداني، تتعلق بحق المرأة في إتخاذ قرار زواجها.

صورة الأم في عالم الطيب صالح، تجسدت في توصيفه لشخصية أم مصطفى سعيد، وطبيعة العلاقة التي ربطتها بولدها، «لم تكن الحياة عسيرة علي وعلى أمي، حين أرجع الآن بذاكرتي، أراها بوضوح، شفتاها الرقيقتان مطبقتان في حزم، وعلى وجهها شيء مثل القناع، لا أدري، قناع كثيف، كأن وجهها صفحة بحر، هل تفهم؟، ليس له لون واحد، بل ألوان متعددة، تظهر وتغيب وتتمازج، لم يكن لنا أهل، كنا أنا وهى، أهلا بعضنا لبعض، كانت كأنها شخص غريب، جمعتني به الظروف صدفة في الطريق، لعلني كنت مخلوقا غريبا، أو لعل أمي كانت غريبة»

شخصية «فاطمة بنت جبر الدار» في رواية «بندر شاه» من أقوى الشخصيات النسائية التي أبدعها الطيب صالح، كانت فاطمة جريئة وحاسمة منذ طفولتها، تعلمت مع الأولاد، وحفظت القرآن، وحين ظهر «ضو البيت»، ذلك الغريق الذي ظهر ببلدتها، أخذت ترعاه حتى أفاق من غيبوبته، ومن ثم علمته اللغة العربية، وحفظ القرآن، وحين عرض عليها والدها أن تتزوجه، وافقت دون تردد.

المرأة «الحلم»

درة الشخصيات النسائية لدى الطيب صالح، تجسدت في شخصية «مريم»، في روايتي «ضو البيت»، و «مريود»، عبر هذه الشخصية قدم الطيب صالح رؤيته لصورة المرأة السودانية والعربية بشكل عام، كما يتمناها، ويحلم بها في المستقبل.

«مريم» شخصية ذات إرادة قوية، ترغب في إحداث التغيير بالمجتمع السوداني، أدركت منذ طفولتها  أنه ليس هناك ثمة  مساواة بين الذكور والإناث. تعلمت مريم في المدرسة في وقت كانت المدارس فيه حكرا على الأولاد فقط، وحين رأت المدينة لأول مرة، أدركت أنها المكان الملائم لتحقيق أحلامها، وأن التعليم هو نافذتها نحو العالم، كما أنه نافذة قريتها وغيرها من القرى السودانية نحو المستقبل.

شخصية «بنت مجذوب» فى رواية موسم الهجرة إلى الشمال، نموذج لسيدة قوية في السبعين من عمرها، جميلة وجريئة، بغير حياء أو خجل، تجلس بمجالس الرجال، تشاركهم تدخين السجائر، وشرب الخمر، وتحلف بالطلاق وتحدثهم عن علاقتها بأزواجها.

تتناول الناقدة سلوى النعيمي شخصية «بنت مجذوب» وتتساءل ماذا تعني صفة «امرأة مسترجلة» التي يصف بها الطيب صالح شخصية «بنت مجذوب» حين يقدمها بمجتمع تقليدي؟ تجيب النعيمي بأن «بنت مجذوب» نموذج للمرأة القوية الجميلة، التي قررت أن تخرج عن الصورة النمطية التي رسمها لها المجتمع، بذلك تصبح تلك الشخصية هى الجسر الذي يربط بين عالم النساء وعالم الرجال، داخل ذلك المجتمع التقليدي.

الناقدة سلوى النعيمي

علاقة مأزومة

أما النساء الأوربيات في عالم الطيب صالح في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، على اختلافهن، فكن تعبيرا عن علاقته المأزومة بالغرب بما يمثله من سلطة قهر واستعمار تجلت في محاولة بطل الرواية مصطفى سعيد إحكام سيطرته على تلك الشخصيات وإخضاعهن لإرادته، هذا بالإضافة إلى إختيار الطيب صالح لتلك النسوة طرق موت غير تقليدية، من الموت مرضا بالسرطان أو الإنتحار، إلى الموت قتلا.

وبصفة عامة فأن صورة المرأة في مجمل الأعمال الأدبية للطيب صالح، تتمحور حول المرأة صاحبة الرغبات المشتعلة، الثائرة المتمردة على واقعها الاجتماعي البليد، المرأة القوية الحاسمة ذات الإرادة القوية الممهورة بحرية الإختيار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق