فن

الدولة ودراما رمضان وقوة مصر الناعمة.. حضور يشبه الغياب

كانت الفرصة سانحة و بقوة هذا العام أمام «الدراما المصرية» كي تستعيد رونقها و بريقها، فنحن أمام عالم عربي متداع، تبدو مراكز صناعة القوة الناعمة فيه سائلة قدر سيولة الأحداث السياسية المضطربة، و في حين تبدو مصر – رغم أزمات متعددة – هي الدولة الأكثر استقرارا في المنطقة، كان مهما جدا أن تعّبر الدراما عن ثقل دور و مخزون إبداع ووفرة مبدعين.. فهل حدث هذا في موسم رمضان الحالي وهو الموسم الأكثر مشاهدة لدى ملايين المشاهدين؟

 

الدراما التلفزيونية وقوة مصر الناعمة

ينبغي أولا أن نعرف أنه في الثمانينات و التسعينات، وعندما كانت قوة مصر الضاربة في فن الغناء تنحسر، مع رحيل أم كلثوم وعبد الوهاب وحليم وغيرهم من جيل الكبار في التلحين والغناء، كانت الدراما المصرية هي التي حملت الي العالم العربي قوة التأثير المصري، و نجحت مسلسلات حملت أسماء أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ ومحفوظ عبد الرحمن وانعام محمد علي، ومعهم جيل من كبار الموهوبين في التمثيل في إنتاج أعمال درامية كبرى، عبرت عن هوية مصر وقضاياها، و حافظت في الوقت نفسه على فن الغناء «العربي» حين كانت تترات هذه المسلسلات بأشعار عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب و أحمد فؤاد نجم وبتلحين عمار الشريعي وغيره من كبار الملحنين وبأصوات كثيرة صنعت إبداعا أصيلا لا يزال باقيا ومؤثرا.

مع أوائل الألفية الجديدة اجتاح الشاشات طوفان الدراما التركية و السورية، و تمكنت تركيا – و هي تصنع نموذجها السياسي قبل انكشافه الكامل مع أحداث الربيع العربي – من فرض نفوذها الدرامي الكامل، فقدمت للعالم تاريخ الأتراك، و قصص الخلافة العثمانية، وحكايات الحب في أجواء شرقية مشبعة بالبذخ، تعبيرا عن رخاء كان يعيشه المواطن التركي قبل الأزمات الاقتصادية الطاحنة الأخيرة، واستطاعت تركيا عبر هذه الدراما أن تصدر مسلسلاتها إلى أكثر من مائة دولة حول العالم، وأن تصبح ثاني أكبر بلد مصدر للمسلسلات بعد الولايات المتحدة، وحقق قطاع الدراما التركي عائدات بقيمة ملياري دولار أمريكي سنويا.

لكن هذا العام شهد تراجعا لافتا في الدراما التركية، فتراجع الإقبال عليها متأثرا بالموقف السياسي من تركيا ونظامها وممارساته.

الدولة ودراما رمضان

أما في مصر وفي رمضان هذا العام فقد ثار جدل حول تدخل الدولة في صياغة المشهد الدرامي وحول عمليات تقليص نفقات كبيرة لغالبية الأعمال الدرامية الرمضانية، وهو جدل لم يكن في محله. إذ أن العبرة بالمحتوى، ولا يمكن لأحد أن يغفل أن الدولة ممثلة في قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة و التليفزيون كانت هي صاحبة انتاج العديد من الأعمال الدرامية الضخمة والمهمة في تاريخ الدراما المصرية. فمسلسل مثل «العائلة» والذي كان صرخة في وجه موجة التطرف التي ضربت البلاد في تسعينات القرن الماضي، وكان «تكليفا» من الدولة، ومع ذلك فإن الجميع لايزال يتذكر المسلسل وإبداع وحيد حامد في كتابته وإبداع الممثلين في أدوارهم وعبقرية تتر المسلسل بغناء أنغام وألحان عمار الشريعي.

وقبل ذلك بسنوات عديدة كانت «مؤسسة السينما» في الستينات هي الجهة التي تولت إنتاج أعمال فنية ربما بصرامة ورقابة غير ملحوقة ومع ذلك احتفظت ذاكرة الفن بأعمال سينمائية خالدة مثل «اللص و الكلاب» لنجيب محفوظ أو «مراتي مدير عام» أو غيرها من الاعمال التي شكلت علامات فنية باقية تزداد ألقا و بريقا ومشاهدة كلما تجدد عرضها على إحدى الشاشات.

و إذا كان التقليد السنوي هو تقييم الأعمال الرمضانية في أخر الشهر الكريم، حيث تتبارى الصحف و المواقع و الفضائيات في منح ألقاب وتفضيلات للأعمال و للفنانين، فإن تحليل دراما رمضان يمكن أن تتضح معالمه بل إنها قد اتضحت بالفعل قبل منتصف الشهر. ويمكن القول إن ما حدث هذا العام كان شبيها ببقايا مائدة عليها بقايا وجبات لم تجد بالطبع من يقبل عليها من الجمهور المتعطش لغذاء دسم فيه فن و حياه و أفكار.. فيه مناقشة لقضايا ملحة وضاغطة – علي رأسها قضية التطرف -.. فيه دهشة وجهد فنانين و رغبة في الاختلاف و تقديم شيء يعكس حيوية الفن، لكن شيئا من هذا لم يكن موجودا.

كان لافتا غياب أي أعمال مأخوذة من أعمال أدبية، و «الأديب» الوحيد الذي ظهر اسمه على أعمال رمضانية هذا العام كان محمد صلاح العزب، و هو أديب شاب قدم أعمالا واعدة، لكنه لم يقدم مسلسلات من أعمال روائية له، بل قام بكتابة مسلسلين تجاريين تماما، الأول هو «شقة فيصل» وهو محاولة لنقل حالة سينما السبكي إلى شاشة رمضان، سواء من ناحية الاسم أو من ناحية القصة أو بطل المسلسل كريم محمود عبد العزيز، الذي يمثل فقرة ثابتة في أفلام السبكي راقصا على غناء محمود الليثي. أما المسلسل الثاني فهو «هوجان» و هو أيضا محاولة لصناعة مسلسل رمضاني على طريقة افلام محمد رمضان، و هو بطولة محمد عادل إمام، ولم يخرج المسلسل عن تيمة البطل الشعبي خشن المظهر الذي يحمل قلبا طيبا من الداخل و يرغب في مساندة الضعفاء، وهي تيمة مكررة و معادة لا هي أكشن، ولا هي كوميديا تضع محمد إمام في مكانة يحارب من أجلها منذ سنوات كنجم كوميدي، ولكن علي طريق مختلف عن طريقة النجم الكبير عادل إمام.. المفارقة أنه لا المسلسل الأول نجح كما تنجح افلام السبكي، ولا المسلسل الثاني نجح كما تنجح افلام محمد رمضان.. فشل كلا المسلسلين في إثارة الحد الأدنى من الجدل.. و المشاهدة.

اعادة انتاج الأفكار

أما مسلسل «الزوجة 18» بطولة حسن الرداد و الذي يبدو أن الرهان عليه كان كبيرا، حيث يعرض علي أكثر من قناة، وبإلحاح كبير في الدعاية عنه، و يحكي عن رجل أعمال شاب مستهتر مغرم بالنساء ويهمل أعماله ويتزوج كثيرا ويكذب طول الوقت من أجل الإفلات من تعدد زيجاته، هو إعادة انتاج أو تكرار يكاد حرفيا لمسلسل «الزوجة الرابعة» لمصطفي شعبان الذي عرض منذ ثلاث سنوات، وقد حاول مصطفي شعبان نفسه في هذا المسلسل تقليد نور الشريف في مسلسل كان شعبان يمثل فيه هو «الحاج متولي»، و ينفرد «الزوجة 18» عن سلسلة المسلسلات السابقة بكم وافر من الخروج اللفظي والإيحاءات غير المقبولة والتي تخاصمها أية خفة ظل في الوقت نفسه، و يأتي هذا المسلسل تحديدا على رأس قائمة المسلسلات التي رأي المشاهد تعارض عرضها مع أجواء شهر رمضان الكريم.

عادل إمام و الفخراني و وحيد حامد.. غياب فادح

كان من أبرز ظواهر دراما رمضان هذا العام غياب الفنان الكبير عادل إمام الذي لم يغب عن الموسم الرمضاني بمسلسل جديد منذ عشر سنوات مضت، قدم خلالها مسلسلات لاقت نجاحا كبيرا، و أخري حظيت بنجاح أقل، لكنها جميعا باتت تقليدا ثابتا ينتظره المصريون، و يتنافس صناع الدراما علي منافسه عادل امام أو العرض في موسم واحد معه. وقد تعددت محاولات تفسير غياب عادل إمام، ما بين عدم رضاه عن الطريقة التي بات يصنع بها المشهد الفني، إلى إصابته بوعكة صحية قبل رمضان بأسابيع قليلة، لكن في كل الأحوال بدا الموسم هذا العام مفتقدا لإطلالة عادل إمام و لأستاذيته في صناعة الكوميديا، ولوجوه جديدة من مواهب يحرص على تقديمها في أي عمل جديد له. و قد غاب أيضا الفنان الكبير يحيي الفخراني وقد أعلن بنفسه أن السبب يعود الى عدم العثور على سيناريو مناسب، وهو تفسير لم يكن مقنعا للكثيرين.

 من ظواهر هذا الموسم الدرامي أيضا، غياب أي عمل فني يناقش قضية الإرهاب والتطرف، علي الرغم من أنها القضية الأكثر إلحاحا في الواقع والأكثر أولوية لدي الدولة، فلم يناقش عمل فني واحد الإرهاب، كما حتي كان يحدث في السنوات الماضية، ان لم يكن من خلال عمل كامل فمن خلال شخصيات داخل أحد الأعمال، هذا علي الرغم من أن وحيد حامد كان قد أعلن انتهاءه من كتابة الجزء الثالث من مسلسل «الجماعة» الذي حقق الجزء الاول و الثاني منه نجاحا و جدلا هائلا، و ترقب الكثيرون الجزء الثالث الذي سيكون بحسب ما أعلن حامد الأكثر إثارة، حيث يتناول فترة صعود جماعة الإخوان المسلمين   للحكم خلال عام وما جرى خلال هذا العام

إيجابيات قليلة في موسم درامي «تقليدي جدا»

 

هناك أعمال درامية اخرى مثل مسلسل «ولد الغلابة» لأحمد السقا، و الجزء الثالث من مسلسل «كلبش» لأمير كرارة، وياسر جلال في مسلسل «لمس أكتاف»، وهي أعمال لا يمكن قول الكثير عنها، فهي أعمال عادية جدا، مجرد مسلسلات يمكنك أن تشاهدها أو لا، لا فارق كبير، لن يفوتك شيء لو لم تشاهد الجزء الثالث من مسلسل نجح جزؤه الأول، فلم يجد بطله وفريق العمل سوى تكرار نفس العمل بتنويعات طفيفة أطلق عليها الجزء الثالث، و هو نفس حال مسلسل أحمد السقا الذي يشبه المنتجات متوسطة الثمن في عالم التكنولوجيا، التي لا طالت المنافسة في مستوى متقدم  ولا خرجت تماما من السباق، و إن كان هناك عمل يستحق الهجوم فقد كان هذا من نصيب مسلسل «البرنسيسة بيسة» الذي  حقق اجماعا شعبيا علي رفضه. وقد كان هذا المسلسل الذي تقوم ببطولته مي عز الدين مجرد بقايا أخري علي مائدة الفن حيث تكرر فيه مي عز الدين نموذج الحفيدة والجدة على طريقة الحفيد والجدة التي أداها منذ سنوات الفنان محمد سعد في فيلم «عوكل» و قد صبغت مي عز الدين شخصية الجدة بملامح كاريكاترية اتسمت بثقل ظل صدم وبشدة كل من حاولوا مشاهدة المسلسل في حلقاته الأولى.

مسلسل «بركة»

وسط هذا المشهد الراكد غير المسبوق ربما ظهرت بعض الإيجابيات من بينها مسلسل «بركة» بطولة عمرو سعد، حيث لاقى المسلسل نجاحا وقبولا و كان أول الأعمال الدرامية للكاتب محمد الشواف الذي انتقل من عالم الصحافة والإعداد إلى الكتابة الدرامية. وقد شهد هذا المسلسل عودة ناجحة للفنان كمال أبو رية الغائب منذ سنوات، و كذلك فقد نجح مسلسل «زي الشمس» في أن يكشف حجم موهبة حقيقية كبيرة للفنانة دينا الشربيني بعيدا عن الجدل والكلام الفارغ الكثير منذ سنوات حول علاقتها بالفنان عمرو دياب. فقد ظهرت دينا الشربيني في هذا  المسلسل ممثلة بارعة مشحونة بالتعبير والحيوية، وإن كان العيب الرئيسي في المسلسل هو التغير الكبير في طلة الممثل أحمد السعدني، فقد اعتاد الجمهور علي مشاهدة هذا النجم المحبوب شابا مفعما بالحيوية، لكنه بدا في المسلسل وقد زاد وزنه الي حد كبير و شاب أداءه ترهل وكسل يحتاجان منه إلى توقف و مراجعة عاجلة.

إنتاج درامي كبير خارج السباق الرمضاني.. ما السبب؟

في العادة يتسابق صناع الدراما على حجز مساحة في شاشة رمضان، لكن هذا العام شهد العكس، فبالإضافة الي غياب عادل امام ووحيد حامد و الفخراني وغيرهم من العلامات المميزة لشهر رمضان، حرص منتج مسلسل «كارمن» علي أن يبدأ عرض المسلسل في ١١ فبراير الماضي علي شاشة mbc و cbc دراما و ينتهي عرضه قبل شهر رمضان، المسلسل هو أول أعمال المنتج و المخرج سامح مجدي داخل مصر، فقبل ذلك ساهم في تأسيس العديد من القنوات الفضائية داخل و خارج مصر، كما قام بإخراج عدد كبير من البرامج الهامة. وعندما قرر دخول مجال إنتاج الدراما قرر أن يكون «كارمن» هو العمل الأول، وهو بطولة ريهام حجاج وعدد كبير من الوجوه الجديدة «محمد كيلاني و عمر الشناوي و عبير محمود و كاتيا منير»، و ظهرت الفنانة ليلي علوي كضيف شرف في المسلسل. والسؤال هنا: مسلسل بهذا الإنتاج الضخم، و بهذا الطموح لظهور عدد كبير من الوجوه الشابة لماذا قرر منتجه أن يُعرض بعيدا عن شهر رمضان؟.. هل هي قراءة مبكرة لمشهد بدا كما شاهدناه جميعا بهذا الضمور والاضمحلال والرتابة؟.. ربما كان هذا هو السبب الوحيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: