فن

فيلم «المجنون والبروفسور».. علاقة مدهشة بين الجنون واللغة

إذا لم تكن متخصصا وساقتك الظروف للبحث داخل قاموس أكسفورد الشهير، أو حتى أي قاموس أخر، هل خطر على عقلك كيفية كتابة ذلك القاموس؟.. ربما تجول بخاطرك صورة نمطية لعدد من الأساتذة الأكاديميين المنكبين على البحث والكتابة. ولكن ماذا يحدث إذا عرفت أن احد القائمين على إعداد القاموس كان يعاني من مرض الجنون؟، ربما لم تكن لتلقي نظرة واحدة على الغلاف.. وهو ما نسميه هنا «الرفض دون المعرفة».. وهذا ما لم يفعله أحد أبطال قصتنا اليوم جيمس موراي.

 موراي وتجربته في البدء بإعداد قاموس أكسفورد الشهير، والصداقة التي تولدت بينه وبين «ويليام شيستر ماينور»، هي محور أحداث فيلم «البروفيسور والمجنون» المقتبس من كتاب «جراح كروثورن» المبني على أحداث حقيقية لصداقة نشأت بين البروفيسور، وماينور الطبيب والضابط  السابق بالجيش الأمريكي، والذي يعاني من الجنون.

يبدأ الفيلم بمحاكمة تتم لـ «ويليام شيستر ماينور» (شون بن) عام 1872، باستخدام موسيقى تصويرية سريعة نسبيا وكأنها تحمل تنبيها بحدث جلل سيقع، وستظل هذه الموسيقى ترافق لحظات الجنون طوال الفيلم. وباستخدام لقطات «close up» لوجه ماينور ننتقل من المحكمة باستخدام الفلاش باك، لنعرف ما الذي حدث مع تسارع الموسيقى وتسارع المشهد. فنجد ويليام ماينور وهو يطارد رجلا ما ويقوم بقتله أمام زوجة الأخير «إليزا ميريت» والتي قامت بدورها «ناتالي دورمر»، وكما حدث في الواقع نعرف أن الطبيب ماينور، الذي كان ضمن الجيش الامريكي في الحرب الأهلية، يعاني من الضلالات التي تصور له أحد من أصابهم أثناء الحرب، وقد اقتحم منزله محاولا قتله. المحكمة أمرت بحبسه في مستشفى للأمراض العقلية التابع للسجن.

تقنية الفلاش باك ستستخدم أكثر من مرة خاصة عندما يتعلق الأمر بالضلالات التي يراها ماينور.

الخط الدرامي الخاص بــ«ماينور» الذي بدا سريعا ومتقلبا كحال الشخصية منذ البداية، رافقه الخط الآخر الهادئ لحياة جيمس مواري، وكما استطاع المخرج تقديم حالة الهذيان منذ اللحظة الأولى لماينور، يقدم في المقابل ومن اللحظات الأولى لظهور شخصية موراي، الحياة شبه المستقرة والهادئة لأسرة بها زوجة محبة وعدد من الأبناء لذلك المدرس بمدرسة «ميل هيل في» انجلترا.
لحظة الانتقال هذه بين المشهدين تشرح ببساطة الحالة بين الشخصيتين بنهاية محاكمة ماينور وصخب الجمهور الحاضر بالمحكمة رفضا لعدم إدانته بالقتل إلى صخب طلبة المدرسة الذين يلعبون رياضة الهوكي وبينهم أحد أبناء مواري.


الفيلم مدته ساعتان تقريبا ،وشارك في تاليفه فارهاد سافينا، وجون بورمان، وتود كومارنيكي، وسيمون وينشستر باعتباره صاحب الكتاب الأصلي المأخوذ عنه الفيلم، وتم تصوير معظم مشاهده في إيرلندا.

في تلك الفترة كانت هناك مجموعة من الأكاديميين في انجلترا تقوم بإعداد مشروع لمعجم للغة الانجليزية. وبعد عشرين عاما من المحاولات يُقدم عرض لـ «موراي» لرئاسة فريق يقوم بإعداد ذلك القاموس، الملفت للنظر أن هذا الفريق في الفيلم كان أغلبيته على حالة عداء مع موراي، ذلك الرجل الذي علّم نفسه ذاتيا، تلك الحالة لا يوجد لها تبرير درامي اللهم إلا أن تكون نابعة من نظرة متعالية على المدرس المغمور غير المنتمي للفريق الأكاديمي.

 يمزج الفيلم في أحداثه بين الخيال ووقائع القصة الحقيقية، خاصة وأن تفاصيل الأحداث، لاسيما الشخصي منها، تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهي لم تكن موثقة في مذكرات أي منهما. ومن أبرز تلك المشاهد الخاصة بحالة «ماينور»  والذي يصارع خيالاته في المستشفى، والتي كانت تجري في نفس الفترة التي «يستعد فيها موراى لتكوين الفريق الأمثل. وقد استطاع «شون بن» تقديم الشخصية بشكل مبهر، وتوضيح ذلك الخلل العقلي الناتج عن تأنيب الضمير وجلد الذات عن الإصابة التي ألحقها بالجندي خلال الحرب أو عملية القتل الخاطئة التي سجن بسببها، فنجده يرسم العديد من تلك الخيالات بالأسود ويضعها أمامه طوال الوقت، بالإضافة إلى الخوف من النوم أو إطفاء الأنوار، فهو هنا يرسم أشباحه التي تطارده.

على الجانب الآخر يقوم «موراي» بتكوين فريقه لبدء الخطوات الأولى في إعداد القاموس، ويتفتق ذهنه إلى الوسيلة التي سيستطيع بها تجميع أكبر عدد من الكلمات ومعانيها بأسرع طريقة ممكنة وغير قائمة على توسيع فريقه وغير معتمدة على الأكاديميين مباشرة، وهي وضع رسالة داخل الكتب والروايات المباعة تدعو القراء للمشاركة بالكلمات التي يرونها جديرة بالتواجد في القاموس مع تأصيلها بأي شكل كان.

تصل الرسالة لـ «ماينور» داخل المستشفى عبر كتاب قام بإهدائه له أحد أفراد الحراسة بعد مساعدته طبيا في إحدى لحظات الهدوء التي كانت تنتاب ماينور، ليجد الطبيب نفسه وقد وجد ضالته وعلاجه وهو المحب للقراءة، فيقرر التوقف عن رسم الأشباح بل وانعدم ظهور الضلالات التي تطارده فيما يشبه العلاج فعلا، ويملأ غرفته بالكتب ويقرر التواصل مع الفريق القائم على القاموس دون أن يصرح بكونه سجينا في المستشفى.

وبالعودة لموراي، يجد أن أفضل مساعد له هو ذلك الشخص المدعو ماينور، وتظل المراسلات بينهما لعدد من السنوات دون أن يدري حقيقة الشخص الذي ساهم بأكبر عدد من الكلمات في المجلد الأول من القاموس.

وكما قلنا من قبل فإن هناك خطين متوازيين في المسار الدرامي للفيلم.. ونقطة التلاقي هي تلك المتعلقة بكتابة القاموس وبداية تداخل اللغة نفسها كأمل فـ علاج «ماينور» مثلا، وعلى هامش المسارين كان هناك مسار آخر هامشي بشكل أو بأخر ستتكفل اللغة بعلاجه، وهو حياة إليزا ميريت زوجة الرجل الذي قتله ماينور.

فبعد معاناة تلك المرأة وأبنائها بعد مقتل الزوج، تقودها الظروف لتقبل بمساعدة مالية قدمها ماينور كطريقة لتوضيح شعوره بالندم، وتحت إلحاح الحاجة تقبل إليزا تلك المساعدة التي جاءت من الرجل الذى تكرهه كثيرا وتتمنى موته.

وتتطور الأحداث، ليقوم ماينور نفسه بعرض مساعدتها على تعلم الكتابة والقراءة خلال الزيارات التي تجمعهما سويا، فتوافق لتنشأ بينهما حالة من الإعجاب سرعان ما تتحول إلى حب، وكانت تلك ذروة الهدوء والسعادة لإليزا وماينور.

على الخط الدرامي الخاص بجيمس أيضا ذروة سعادة في نفس الوقت، وهو صدور أول طبعة من أول جزء من القاموس بالإضافة إلى حصوله على الدكتوراه الفخرية، وهنا نأتي لأبرز مشهد في الفيلم وهو اللقاء الأول بين جيمس وماينور، حينما يقرر الأول اهداء نسخة من الكتاب الذي شارك فيه الثاني بأكبر عدد من الكلمات، ويكتشف أنه أمام مريض بالمستشفى وليس أحد أطبائها، هنا يبرز معنى الإنصاف والعدل، فمرض ماينور لم يمنع جيمس من الاعتراف بفضل الرجل على قاموسه، بل وأصبحا أكثر من مجرد صديقين يجمعهما الجنون باللغة.

المخرج استخدم هنا أيضا لقطات قريبة «close up»، سواء تلك التي جمعتهما سويا أو بالتركيز على وجه كل منهما لنجد نظرات عرفان وفخر وامتنان كل منهما بالآخر.

تتطور الأحداث مرة أخرى بعد أن يشعر ماينور بتأنيب الضمير نتيجة حبه لتلك المرأة التي قتل زوجها ويعاوده الشعور بالذنب على عملية القتل، وكأنه سلب الحياة من القتيل مرتين، لينهار أمام المرض مرة أخرى، وتعاوده الضلالات والأشباح التي تطارده، ويرفض مقابلة موراي مرة أخرى ويقبل التدخل الجراحي من إدارة المستشفى التي تقوم بعمل تجارب على جسده أثرت «كما في الواقع» على حالته الذهنية والجسدية بالسلب.

لكن «موراي» يرفض التخلي عن صديقه ليتدخل لدى الحكومة الانجليزية أثناء حفل إصدار القاموس، ليصدر عفو عن ماينور مع ترحيله مرة اخرى إلى بلده أمريكا.. وينتهي الفيلم بمشهد يحتوى على تصوير موراي ومعه نسخة من الجزء الأول من القاموس تضاهي الصورة الحقيقية لماينور أثناء خروجه من المستشفى.

مشهد النهاية

 


صورة لشون بن في دور ماينور والصورة الأصلية

الفيلم الذي جمع للمرة الاولى بين «شون بن» و«ميل جيبسون» وكلاهما حائز على الأوسكار، شهد العديد من الخلافات التي كادت أن تهدد ظهوره للجمهور، فجيبسون والمخرج الأصلي للفيلم والمشارك في التأليف «فرهاد سافينا»، في نهايات عام 2016 وبالقرب من انتهاء تصوير الفيلم كان لهما شرط بتصوير عدد من المشاهد في أكسفورد، لكن الشركة المنتجة اعتبرت أن الفيلم تخطى ميزانية انتاجه بالفعل ورفضت ذلك الطلب، لينسحب جيبسون والمخرج، ويقدمان طلبا للمحكمة برفض عرض الفيلم لأن تصويره لم ينته ولمخالفة شروط العقد، لكنهما لم ينجحا في مسعاهما، لتعلن شركة الإنتاج عن عرضه بداية من الشهر الجاري، ورغم ذلك لم يشارك جيبسون في أي دعاية للفيلم الذي يعتبره كأن لم يكن، وهو ما يفسر عدم وجود أي ضجة حول فيلم يحمل اسمين مثل «بن وجيبسون».

التريلر

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق