منوعات

في حضرة دولة المداحين.. من العباس إلى ياسين

كيف لصوت أن يجذبك من أعماق قلبك فيحولك من شخص لآخر؟ وكيف لتنهيدة صدر أن تحيلك لإنسان لم تكن تتوقعه؟ وكيف لبيت شعر أن يجعلك تنسى الدنيا وما فيها، وتتوقف لحظة أمام شيء لا تستطيع أن تقبض عليه، لكنه ينبع من داخلك، يزلزلك ويفتتك ثم يقوم بجمعك مرة أخري.. إنها أصوات المدّاحين هي من تصنع كل هذه المعجزات.

فى الحب النبوى

 أهم مميزات المديح النبوي، هو تلك الصبغة الروحانية لقصائد الشعر الصوفي، مع تعشيقها بالسيرة المحمدية العطرة، من خلال ذكر تاريخ الدعوة وأسسها، وإظهار الصفات النبوية المتفردة، وذكر معجزات النبي «ص»، وكثير من مواقفه الحياتية المقدسة، وأسفاره، والأماكن التي بوركت بزيارته. كل ذلك من خلال الإنشاد الديني والمواويل الشعبية، والموشحات والابتهالات الدينية، التي تصبح المعبر الأدائي لخصوصية المديح النبوي، الذي ينطلق من إخلاص المشاعر وصدق الأحاسيس ورهافة الوجدان وحب النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» طمعاً في شفاعته في الآخرة.

 وبعض الأصوات المُنشدة الجميلة هي التي جعلت المديح يمتد ويصبح بهذا الوهج السماوى داخل نفوسنا المتعطشة للإيمان، أصوات تجعلنا عندما نسمعها، في حالة من العذوبة والشفافية، بل وأقرب ما نكون لإله الكون ورب السموات والأرض، من حيث الصفاء والطاعة، ومن حيث الحب النبوي الذي نعشقه ونبحث عنه.

أصوات المدّاحين هي نوافذ ومنح ربانية لقلوبنا المكبلة بالأعباء الحياتية القاسية، فهذه الأصوات تستطيع أن تفك أسرنا من كل تلك التشابكات التي نحياها، ولو لدقائق أو لحظات عابرة في أعمارنا القصيرة.

من عمق الدعوة النبوية

جميعنا ننتظر شهر رمضان بشغف، بطقوسه الدينية، وصومه، وطعامه، لكن هذه الأصوات الشجية، تظل جزءا أساسيا من هذه الشهر الكريم، فهي أصبحت طقسا متفردا من طقوسه الجميلة، فالمديح والمدّاحون، ضاربون في جذور الدعوة المحمدية، وفي عمق تاريخها، بل ومساهمون في انتشارها.فمن عمق التاريخ النبوي والدعوة الإسلامية، تأتي أسماء حملت هذا الحس الشفيف، ووضعت بصمتها على أذن وقلب التاريخ الإسلامي، حيث رافقوا الدعوة والفتوحات الاسلامية. فنجد في حياة النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» عمّه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهو من أوائل من نظم شعر المديح النبوي في حياة الرسول الكريم، فمدحه قائلا: «يا رسول الله؟ أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله «ص»: قل لا يفضض الله فاك. فأنشأ يقول»:

من قبلها طبت في الظلال… مستودع حيث يخصف الورق

ثم هبطت البلاد لا بشـر… أنت ولا مضغة ولا علق

ومن كبارالمداحين فى عهد النبوة أيضا «حسان بن ثابت» الملقب بـ «شاعر الرسول» والذي كان يُنصب له منبر يلقي فيه الشعر والمديح، و«كعب بن مالك»، و«عبد الله بن رواحة»، و«كعب بن زهير» الذي مدح النبي «صلى الله عليه وسلم» عندما كساه ببردته، فأنشد قصيدته المشهورة والتي عرفت بـ«البردة»، والتي أوّلها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم فى أثرها لم يفد مكبول

وفي العصر الأموي، كان هناك  الشاعر «همام بن غالب»، الشهير «بالفرزدق» والمتوفي في 110 هـ، ينشد قصيدته في مدح النبي «ص»، عندما انكر أحد الخلفاء  الأمويين حفيد رسول الله، سيدنا «علي بن الحسين بن علي زين العابدين» حين التقاه في صحن الكعبة، فقال الفرزدق:

هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ، وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ، هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ

وفي القرن السادس الهجري كان هناك «أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي» الشهير بـ«ابن الفارض» أحد أشهر الشعراء المتصوفين، وكانت أغلب أشعاره في العشق الإلهي حتى أنه لقب بـ «سلطان العاشقين»، يقول في مدح النبي:

وجاء بأسرار الجميع مفيضها… علينا ختما على حين فترةِ

فعالمنا منهم نبيّ ومن دعا… إلى الحقّ منّا قام بالرّسليّةِ

وفي القرن السابع الهجري، جاء «شرف الدين البوصيري» والمتوفي في 695هـ، والذي يعتبر، بحسب كثير من المؤرخين،  من أهم شعراء المديح النبوي، كما تعد قصيدته الشهيرة بـ «البردة» أو «الكواكب الدريَّة في مدح خير البرية»، من أعظم من كتب في المديح، ويقول مطلعها:

أمن تذكر جيران بذى سلم … مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة … وأومض البرق في الظلماء من إضم

 كروان المنشدين

وفي عصر الحديث ظهرت مجموعة الأصوات الرائعة التي خلدت اسماءها في تاريخ الإنشاد الديني. على رأس هولاء المبتهل الشيخ نصر الدين طوبار ،والذي ولد بمحافظة الدقهلية عام 1920 ورحل في عام 1986.. هذا الذى يدخل صوته القلوب فيريحها بنبراته الروحية، ابتهالاته تتغلغل داخل الفؤاد حتى يهدأ ويستكين. إنه كروان المنشدين، وملك الابتهالات الدينية، والصوت الذي يرفعنا إلى الآفاق العلا. يرافقنا خلال أيام شهر رمضان، فنمتليء بالروحانيات والهدوء والسكينة الإيمانية،

طبقات صوته ونبراته في رمضان، تخترق قلوبنا وتزلزل مشاعرنا، بتلك الابتهالات التي نحفظها ونرددها وكأنها تخرج من قلوبنا نحن، فلا ننسي صوته وهو ينشد: «جلّ المنادي»، و«يا مالك الملك»، و«مجيب السائلين»، و«يا ليلة القدر»، و«رمضان اشرق».

الأيقونة: سيد النقشبندي

صوت السماء المحلّق، وإمام المدّاحين قديما وحديثا، وأحد أعذب وأقوى وأوسع الأصوات مساحة في تاريخ المديح والابتهالات الدينية، صوت من نور، وكأنه يشق السماء بنفحات ربانية قادمة إلى قلوبنا. إنه الشيخ «سيد النقشبندي» والذي ولد بمحافظة الدقهلية عام 1920 ورحل في عام 1976، والذي جمع فى صوته كل المعانى، وحاز على قلوب كل سامعيه، ودائما  تشجينا تواشيحه ومدائحه ببحة صوته المغرد. فلا نستطيع أن ننسي صوته فى وقت السحور، أو ونحن نجرح صيامنا  مستمتعين بصوته منشدًا: «مولاي اني ببابك قد بسطت يدي»، و«سبحانك ربي سبحانك».

ويعتبر «النقشبندي» صاحب مدرسة متفردة قي الابتهالات، وأحد أشهر المنشدين والمبتهلين والمدّاحين في تاريخ الإنشاد الديني على الإطلاق، إن صوته سيظل علامة متفردة في الإنشاد الدينى فى العالم العربى والإسلامى، وعلامة مميزة في المديح وبخاصة فى شهر رمضان.

مداح الرسول: محمد الكحلاوي

«مداح الرسول» كما كان يحب أن يُنادى، وصاحب الملحمة  الكبيرة فى دنيا المديح.. صوته وإنشاده يجعلان الجسد يهتز ويدخل بذبذبة وحس صوفي في عالم آخر غير  الذى نعيشه. إنه محمد الكحلاوي، من محافظة الشرقية (1 أكتوبر 1912 – 5 أكتوبر 1982)، صاحب الصوت ذو الدرجات المتعددة ما بين العمق البدوي الصافي، والزخم الشعبي الجميل، والأداء الديني المتميز، والذي لم يتكرر.

ورغم إنه بدأ حياته ممثلا ومطربًا، إلا أنه ترك التمثيل والغناء وسلك طريق الإنشاد الديني والمواويل الشعبية، وبدأ اهتمامه بالمديح النبوي والإنشاد الديني والغناء الشعبي، ومن أشهر مدائحه: «لاجل النبي»، و«يا قلبى صلِ على النبي»، «وخليك مع الله»، و«نور النبي».

ساقي الأرواح.. أحمد التوني

نقرات على كأس زجاجي ومسبحة، وبعدها، حتمًا سوف يتمايل جسدك، وحتمًا ستسمو روحك، وقد تغادر جسدك لتمرح مع النسمات، وتصعد لأعلي السموات، قبل أن تعود صافية لجسدك مرة أخري. إذا حدث لك هذا، فمن المؤكد إنك في حضرة صوت الشيخ «أحمد التوني»، المولود في قرية الحواتكة بأسيوط، في عشرينيات القرن الماضي، و الذى رحل عام2014.

لقبه مريدوه بـ«ساقي الأرواح»، وآخرون لقبوه بـ «سلطان المداحين»، ويعد من أشهر منشدي الصعيد المصري، وقد استطاع بأدائه المتميز الخروج بالغناء الصوفي من المحلية إلى العالمية، وكان يهدف من خلال المدائح النبوية والإنشاد الديني وموسيقاه الشجية المميزة إلى إيصال رسالة المديح العربي والسيرة النبوية العطرة إلى العالم كله.

ويتميز المديح لديه بأنه يعتمد على الكلمة وقوتها وليس اللحن، حيث جعل من اللحن خلفية مرافقة وليس أساسا ينطلق منه، أي لا يغلف الكلام، إلا عندما يريد، كما إنه لا يحفظ القصائد، فمديحه يعتمد على الإنشاد الفطري القائم بصورة أساسية على الارتجال، مما يحفظه من أشعار كبار أئمة التصوف، مثل «ابن الفارض والحلاج»، وكان يتبعه فريق بسيط يتكون من تخت شرقي مؤلف من «رق والناي والكمان».

شيخ المدّاحين: ياسين التهامي

بحر أصوات متسع، وفيضان نبرات صوتية لا يهدأ، ومحيط إنشاد ديني وشعبي لا ينفذ، صاحب الأسلوب المميز من بين اللغة الدارجة والعامية، مع تطعيمها بألوان الشعر الصوفي الفصيح لكبار الشعراء والمدّاحين.

لأكثر من ربع قرن، يقود صوت الشيخ «ياسين التهامي»، والمولود بقرية «الحواتكة» بمركز منفلوط بأسيوط  في صعيد مصر، المديح المصري والعربي، حتى تم تلقيبه بـ «شيخ المداحين». وقد سافر وقام بإحياء الكثير من حفلات المديح والإنشاد الديني في أوروبا وكثير من دول العالم. وبسبب قوة صوته وحضوره الصوفي يأتي «التهامي» على رأس المدّاحين الذين يتبعهم الآلاف في رحلاتهم لسماع إنشادهم في حب الرسول، خاصة في مولد سيدنا الحسين بالقاهرة، وساحة السيدة زينب في شهر رمضان المعظم.

مداح الكف.. عبد النبي الرنان

جلجلة ورنين بطبقات مختلفة، وإيقاع الطبلة، وتصفيق كف صعيدي، لنجد في الختام، مديحا ذا طعم خاص، وعملا فنيًا فريدًا، لن تجده أو تسمعه إلا من الشيخ «عبد النبي الرنان» والذي لُقّب بـ «مداح الكف».وقد اشتهر «الرنان» المولود بقرية «الدير» بمركز إسنا، محافظة قنا في صعيد مصر عام 1950. بـ«الكف الصعيدي»، حيث أصبح وسيلته في تلحين مدحه، فعن طريق التصفيق بشكل معين بالكف، تصدر موسيقى اتخذ منها لحنًا لمدحه واشتهر بها.

وقد تعلم تلك الطريقة التي يلقي بها مدائحه النبوية من والده «عبد العال محمدين» وكان من مشاهير فن «الكف» بالصعيد، وقد لقب بـ «الرنان» بسبب رنين صوته المميز بليالي المديح، وقد استعان بعد ذلك بالطبلة- والتي قام بصنعها بنفسه-  كآلة موسيقية، وارتبط بها وعزف عليها جميع مدائحه وابتهالاته، ولم يتركها في أي ليلة مدح حتى توفى في عام 2009.

وبعد، بالطبع يوجد الكثير من المداحين، ولكل منهم مذاقه الخاص، إلا أن أهم ما يميزهم، هو حب الرسول «صلى الله عليه وسلم»، فمن خلال حناجرهم يتغنون بسيرته العطرة وفضائله، وتظل أصواتهم حاضرة خلال أيام وليالى شهررمضان المبارك، تلك الأصوات التي هي تراث شعبي عربي مميز لهويتنا العربية الإسلامية.. وكل عام وحضراتكم بخير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: