ثقافة

نجيب محفوظ.. بختم النسر

رحم الله شاعر العربية أبا الطيب المتنبي لأنه قال: «ولم أر في عيوب الناس شيئًا / كنقص القادرين على التمام». ومعنى البيت كما قال شراح المتنبي: لا عيب أسوأ من عيب ذلك الذي يستطيع الكمال فينقص عنه. وفي لهجتنا الدارجة هناك مثل يتحدث عن هذا الذي يفسد طبخة  عظيمة لأنه لم يضع على أكله ملحًا ثمنه ليس أكثر من قرش واحد. تذكرت أبا الطيب ومثلنا الشعبي، وأنا أحاول الحصول على نسخة من كتاب «نجيب محفوظ بختم النسر» لمؤلفه الأستاذ طارق طاهر.

الكتاب صدر عن مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة في دورته الحادية والعشرين التي عقدت في أبريل من عامنا هذا، لكن إدارة المهرجان التي سعت للكمال بإصدار مثل هذا الكتاب لم تقم بتوزيعه، ولا أعرف كم نسخة طبعت منه، فأصبح جمهور القراء يسمعون بالكتاب ولا يرونه.

تلك الطبعات السرية من كتب مهمة تكاد تكون من خصال مهرجانات السينما المصرية، فقد سبق لمهرجان القاهرة أن أصدر كتابًا عن مذكرات المخرج الأعظم «صلاح أبو سيف»، وقد أعدها للنشر الكاتب الكبير الاستاذ عادل حمودة، ولكنك لن تجد الكتابين وإن طاردتهما إلا إذا حدثت لك مصادفتان سعيدتان.

وقد وقعت لي مصادفة سعيدة واحدة فحصلت على نسخة من كتاب «نجيب محفوظ بختم النسر» فسد لي ثغرة في معرفتي بمحفوظ، فأنا كغيري، أعلم أن محفوظًا كان حريصًا على وظيفته (الميري)، ولكن كيف كان حرصه؟.

هذا ما يستعرضه الكتاب من خلال ملف محفوظ الوظيفي الذي يضم ثلاثمائة وثيقة، وقبل الدخول في عالم الكتاب أحيي مؤلفه على عنوانه، فختم النسر في مصر إن حضر على الأوراق عرفت طريقها للإنجاز، وبغيابه يتعطل أكبر المشروعات وأهمها.

سبعة وثلاثون عاما في الوظيفة الميري

في بداية الكتاب يقول مؤلفه: لقد تتبعت سيرة محفوظ الوظيفية التي زادت على الخمسة وثلاثين عامًا، فهو  عمل موظفًا  في جامعة القاهرة (وزارة المعارف) «1934- 1939»، ثم في وزارة الأوقاف «1939- 1957»، ووزارة الثقافة «1957- 1971».. نحن أمام مسيرة وظيفية تمتد إلى سبع وثلاثين سنة، فأي جلد هذا؟ وأي صبر هذا على الوظيفة الرسمية التي تتكدس على ضفافها أحكام الروتين؟، كيف حافظ هذا الرجل على جنوح إبداعه (وكل مبدع هو جانح) وعلى تقاليد الوظائف الرسمية  ف الوقت نفسه؟

يقول طاهر: «إن أوراق محفوظ الوظيفية، لم تكن مثل أوراق الموظفين العاديين، فقد سكب عليها مداد قلمه وثمرة فكره، ولا أبالغ إذا قلت إننا أمام موظف طوّر من لغة الموظفين الإدارية، وليس أدل على ذلك من أن الإجازات التى تكتب بشكل نمطى، نجد محفوظا يشبعها من روحه ومن لغته، ففي أثناء توليه الرقابة على السينما، يطلب إجازة اعتيادية، يورد فيها لفظا، أزعم أنه الوحيد الذى استخدمه فى طلب إجازة وهو «قانعا»، فيكتب محفوظ: «السيد الأستاذ وكيل وزارة الثقافة والإرشاد القومى.. تحية طيبة وبعد.. فأتشرف بأن أرجو الموافقة على منحى إجازتى الإعتيادية. قانعا منها بالمدة من 12 / 9 / 1959 إلى 1 / 10 / 1959 مراعاة للفترة التى قضيتها فى رحلة يوغسلافيا».

محفوظ العالمي لم يسافر سوى ثلاث مرات، سافر مرتين وهو في العمل الحكومي، إلى يوغسلافيا وإلى اليمن بقرار سيادي، ثم سافر بعد تقاعده إلى لندن للعلاج، ثم لم يبرح أرض أبطاله، بل إنه لم يفكر في الكتابة عن الصعيد أو الدلتا، والمدينة الوحيدة التي كتب عنها غير القاهرة كانت الإسكندرية، وهذه معشوقة كل أديب ولا يفلت من سحرها مبدع، أما غير ذلك فهو يتحرك في دائرة لا يزيد قطرها عن عشرة كيلو مترات. وعن تلك الدائرة التي تبدأ من الجمالية العريقة إلى العباسية الحديثة كتب محفوظ كل رواياته.

هذه الصرامة في التعامل مع الحياة يلمحها جيدًا مؤلف الكتاب فيقول: أصدر د. ثروت عكاشة (وزير الثقافة السابق) قرارا بتولي محفوظ منصب مدير الرقابة، فحدثت دهشة فى الأوساط الثقافية والفنية، كيف يقبل أديب فى حجمه وثقله هذا المنصب؟ فيجيب محفوظ بحرفية وخبرة السنوات: «اختلاف درجات النضج بين الناس يستلزم الرقابة»، و«أن الرقابة موجهة نحو القيمة الفنية».

«ثروت عكاشة» وزير الثقافة الأسبق

  الموظف الشجاع

نتحدث كثيرًا عن «جبن» موظفي الحكومة، فهل كان محفوظ من هؤلاء؟.. في الكتاب أكثر من قصة تُظهر أن محفوظًا الموظفالعتيد كان جريئًا جدًا وشجاعًا للغاية أثناء عمله الحكومة. ويهمنا هنا أن ننقل عن الكاتب قوله: لقد غادر آخر موقع تولاه، انتصارا لفكرة المسئولية، وذلك عندما ترك منصبه رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما، تضامنًا مع الدكتور عبد الرازق حسن، الذي قرر عكاشة إبعاده عن مؤسسة السينما، لتعثر خطته الإنتاجية، فلم يرد محفوظ وهو رئيس مجلس الإدارة أن يضحى بواحد من كبار معاونيه، وطلب أن يغادر هو منصبه، وقد كان.

ما أندر ذلك الموظف الذي يغادر منصبه المرموق بمحض إرادته لأنه رأى شيئًا لا يستقيم مع أخلاقه أو أفكاره، ومحفوظ كان من هؤلاء النادرين. وكم كان محفوظ شجاعًا عندما قرر أن يكتب كما شاء، بعيداً عن ضرورات منصبه التى تفرض عليه بعض المحاذير. فقد قامر وكتب ونشر «أولاد حارتنا» وهى روايته جالبة المشاكل ومفجرة الأزمات وهو يتولى منصب الرقابة، وقد فقد المنصب المرموق بعد نشر الرواية مباشرة.

كيف استفاد محفوظ الأديب من الوظيفة؟

 كتاب طاهر يضم سبعة فصول وهى: «حياة فى أوراق رسمية»، «الموظف فى الجامعة المصرية»، «فى وزارة الأوقاف»، فى مصلحة الفنون ووزارة الثقافة والإرشاد «وزارة الثقافة»، «الجوائز والتكريمات»، «أزمات وظيفية، ثم الفصل السابع والأخير وهو «ببليوجرافيا».

لقد أعطى محفوظ للوظيفة زهرة شبابه، فهل حصل على مقابل؟.. المقابل المادي بمقياس أيامنا يبدو مضحكًا، فأول راتب حصل عليه محفوظ كان اثني عشر جنيهاً، وأعلى راتب كان مائة جنيه.

ولكن بقي المقابل المعنوي أو دعنا نقول الروائي والقصصي، وهنا نجزم بالاستفادة الكبرى التي حصل عليها محفوظ.

يقول طاهر: عدد لا بأس به من شخصيات رواياته وقصصه القصيرة، استمدها من عالم الوظيفة. محفوظ نفسه قال للكاتب  الراحل رجاء النقاش: «في إدارة الجامعة اصطدمت بنماذج بشرية، فبطل «القاهرة الجديدة» (نعرفها نحن باسم القاهرة 30 نسبة إلى الفيلم الرائع المأخوذ عنها) عرفته وهو طالب، وتتبعته إلى أن حصل على وظيفة، ولكن سقوطه بدأ وهو طالب، وبطل «خان الخليلى» كان زميلا لنا فى إدارة الجامعة، واسمه أحمد عاكف، وقد جاء يشكرنى بعد قراءته للرواية على محبتى له، للدرجة التى جعلتنى أطلق اسمه على بطل الرواية».

الكاتب الراحل «رجاء النقاش»

وهناك عمل كامل من أمتع أعمال محفوظ، أعني روايته «المرايا» قائم كله على نماذج تعامل معها أثناء عمله بوزارة الأوقاف، وبالنظر إلى مجمل أعمال محفوظ سنجد شخصية الموظف بتنوعاتها العديدة حاضرة بقوة، مما يقطع بأن محفوظ لم يكن استثنائياً في عالم الأدب فقط بل وفي عالم الوظيفة أيضًا، فقد  كان يحصل في كل سنة على تقدير ممتاز مائة درجة من مائة درجة، اللهم إلا في عام واحد فقد حصل على ست وتسعين درجة من مائة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: