ثقافة

فى ذكرى رحيل الجنوبي الثائر: أمل دنقل.. فارس الشعر والموت

روح هائمة تتمرد، عينان عميقتان شاردتان، وأنامل متوترة تترصد أعداء الإنسانية والحرية، ونهر كلمات متدفق بعرق الصيف، ونبل رمال الصحراء، وقلب معلّق في ضوء القمر يَهدر مثل الطواحين في مشانق الصباح، وحياة غير مبررة. شاعر الرفض وفارس الشعر والموت، ذلك الصعيدي الشرس مع المدينة التى أربكته في بداياته، ما جعله في حالة عداء معها ومع أهلها، صاحب الوجه الأسمر المنحوت كأنه أحد الفراعنة، والذي يبدو من ثقل نحت وجهه، أنه لا يتغير.

من يطلب الثأر؟

 صامد، وأكثر صمودا مع مبادئه، تلك التى أخرجها في أشعاره والتى ألهبت حماس الكثيرين من الشباب في مظاهرات رافضة لكل ما يُعيق الوطن وإنسانه البسيط…

إنه ليس ثأرك وحدك

إنه ثأر جيل فجيل

وغدا.. سوف يولد

من يلبس الدرع كاملة

يشعل النار شاملة

يطلب الثأر

يستولد الحق

من أضلع المستحيل

هو محمد أمل فهيم أبو القاسم محارب دنقل، الذى وُلد عام 1940 فى مركز قفط التابع لمحافظة قنا جنوبي مصر،كان والده شيخاً أزهرياً معمماً. هو أمل  الرافض، والمحارب، والصعلوك والليلي والذي لم تقيده وظيفة أو مكتب ولم يستطع دفتر حضور وانصراف أن يشل حركته، صاخب، وأكثر صخباً مع أقرانه، لا يتواني عن مهاجمة أي شخص، ومهاجمة أي فكرة تقيد حرية الإنسان.

وإذا كان الجنوبي يعني التزمت والخشونة والصلابة، فإن أمل دنقل حمل تلك الصفات في تعامله مع البشر، الأصدقاء والأقارب والأغراب، حملها في حالة من الدفاع عن النفس، ليس ضدهم بقدر ما هي طبيعة قلقة لقروي جنوبي يخشي أبناء المدينة، لذا  فإن أشعاره جاءت ضد كل هذا، جاءت واضحة ومتفتحة وواعية ومرنة وسهلة الحفظ وقبلها سهلة الإدراك والفهم.

فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون.

الذي لم يكنه

يشتهي أن يلاقي اثنين:

الحقيقة..

والأوجه الغائبة

هى أشياء لا تشترى

والجميل في أشعاره:أنه يعبر عن النفس الإنسانية.. أي أنك تشعر بأنك من يقولها، أو هذا ما تريد أن تطلقه من داخلك، فجاءت تشبيهاته واستعاراته سهلة وقوية وواضحة وضوح شمس النهار التى كان يكرهها، فهو كائن  ليلي، يتنقل من مكان إلى مكان، يطرق بابك فجرًا أو بعد منتصف الليل، يتكوم على نفسه كقصيدة تنبت ببطء وبهدوء، قبل أن يستيقظ وينشرها فتُربك الكون حوله.

فعلها بقصيدته «لا تصالح»، وفعلها قبل رحيله بأيام في قصيدته «الجنوبي»، تلك القصيدة التى حملت كل أنفاسه وكل معاناته مع المرض اللعين، ذلك المرض الذي ظل يأكل ويتغذي على جسده في الغرفة رقم «8» بمعهد الأورام، وأمل يحاربه في صبر، متخذًا من سمته كل الأمل ومن صعيديته كل الشراسة، ومن رحلته القصيرة في الحياة كل القوة، ليصبح هو والقصيدة شيئاً واحداً، ناعم وهامس وقوي ومرواغ.

لا تصالحْ!

ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..

هذا دمى

يعتبر شعر أمل دنقل حجر زاوية في الشعر العربي الحديث، فهو لم يستكن إلى دفء التقليد الساذج للغرب كما كان يحدث، أو ينام في حضن الصور الشعرية الجاهزة، أو الكلمات الحادة الرنانة دون أي ثقل لغوي وأدبي، بل لجأ إلى تراثه العربي الممتد في عمق التراث الإنساني، وتاريخه المصري الذي يقف كحجر أساس للتاريخ العالمي، يضاف إلى هذا نشأته كرجل منذ صغره كما تقول والدته، بالإضافة إلى يتمه المبكر- فقد أخته ووالده قبل أن يُتم العاشرة- كل هذه الصفات جعلته لا يقترن مع اقرانه الصغار ويمارس ألعابهم ولا يأكل الحلوي مثلهم، بل نشأ منفرداً يقرأ ويجرب ويجوب ويصارع ويحتك ويحاول فهم العالم حوله، ذلك العالم الذي أخرجه في أشعاره الحارّة والحادة والتى لم تهادن ولم تصادق أصحاب السلطة وأصحاب قيصر، هؤلاء الذين لا يخجلون – باستمرار – عن تحويل جذوع الاشجار إلى مشانق.

قصدتهم في موعد العشاء

تطلعوا لي برهة،

ولم يرد واحد منهم تحية المساء !

..وعادت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة

في طبق الحساء

نظرت في الوعاء:

هتفت: (ويحكم.. دمي..

هذا دمي…. فانتبهوا )

….لم يأبهوا !

وظلّت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة

وظلت الشفاه تلعق الدماء!

على حافة المذبحة

وكان أمل دنقل من الذكاء في كتابته وأشعاره فترك لنا مساحة نتسلل إليها، أي إنه لم يغرق في ذاتيته أو تجربته أو يجعل القصائد عبارة عن طلاسم لا يستطيع فك رموزها الإ عتاة الإدراك، أو متاهة لا نعرف لها بداية ونهاية أو ماذا يريد أن يقول، كان دائما يجذبك إلى تلك الحالة من الاستقرار الوجداني والأمان النفسي المقلق، ذلك الأمان الذي يحولك بعد قراءة القصيدة لشخص آخر، شخص يرى أكثر من الجميع مثلما رأت زرقاء اليمامة الحقيقة الواضحة في تحول النصر والدم إلى وصمة عار، وشخص مدرك للكثير من الأفخاخ التى تنصب للإنسان المصري والعربي، وكيف تتحول الشعارات والأسلحة والحراس لخدمة القائد فقط، بل إن هذه الأسلحة التى تصطف في الاحتفالات عندما تطلق، يخبرنا أمل دنقل انها تُطلق في صدورنا نحن.

أيها الواقِفونَ على حافةِ المذبحهْ  

أَشهِروا الأَسلِحهْ!  

سَقطَ الموتُ; وانفرطَ القلبُ كالمسبحَهْ.  

والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!  

المنَازلُ أضرحَةٌ,  

والزنازن أضرحَةٌ,  

والمدَى.. أضرِحهْ  

فارفَعوا الأسلِحهْ  

واتبَعُوني!  

أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحهْ  

رايتي: عظمتان.. وجُمْجُمهْ,  

وشِعاري: الصَّباحْ!  

إذ يمضى الوقت فنفترق

كان أمل دنقل يملك عقلاً يترصد «مقتل القمر» وهو يسقط في الشراك التى ينصبها أصحاب قيصر، هذا الفوضوي القاسِى الذي قال: «لا» في وجه من قالوا «نعم»، وبعدها ختم جبهة الريح والتاريخ والشعر العربي بالجملة الوردية النارية الرافضة: لا تصالح».

لذا تمت محاصرته وقتل يمامته الزرقاء، فأخرج لنا: «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» والذي يبدو فيه انه لم يتغير، كما لم تتغير «أقوال جديدة عن حرب البسوس»، حيث فرسان «العهد الآتي» حاصروه بالمرض اللعين، في الغرفة رقم «8»، فلم يفلح، خطابه غير التاريخي للقائد الشهير، في تمهيد الطريق لأهل الكهف، كي يفهموا: أن الطَبلُ البِدائيُّ لن يوقظ الموتي.

شيء في قلبي يحترق

إذ يمضي الوقت… فنفترق

و نمدّ الأيدي

يجمعنا حبّ

و تفرّقها .. طرق

و فى الحادى والعشرين من مايو عام 1983 رحل أمل دنقل عن عمر يناهز الثلاثة وأربعين عاما.. يا أبناء قريتنا – أمل – مات، قتله أبناء وأصدقاء القيصر، نعم، ذرفوا عليه الدموع، ولكن.. لم يعلموا في نشوتهم، أن موت القمر..هو الذي يوقظ الشمس. أيها القمر المصلوب على جبين الشعر العربي، نفتقدك ونفتقد جرأتك وشجاعتك ونبلك، وهذه زهرة شجن نضعها على قبرك الذي في قلوبنا في ذكري رحيلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق