ثقافة

«عبد الله كويليام».. الرجل الذي جعل ليفربول أول معاقل الإسلام في بريطانيا

«ليفربول» اسم صار ملء السمع والبصر بفضل الفريق الكروي الذي يمثل المدينة، ويبلي بلاء حسنا، جعله حاضرا في موعدين في نهائي البطولة الأوربية لعامين على التوالي، وينتظر أن يخوض الفريق المباراة النهائية على كأس أوروبا مطلع الشهر القادم، بعد أن أنهى الموسم في المركز الثاني بفارق نقطة واحدة عن البطل، بعد صراع مرير ظلت نتيجته معلقة حتى المباراة الأخيرة.. وهناك سبب آخر جعل اسم «ليفربول» يتردد بقوة على ألسنة المصريين، هو أن نجمهم المحبوب محمد صلاح هو أهم لاعبي الفريق في الموسمين الأخيرين، وهداف الدوري الإنجليزي لعامين متتاليين، إلى جانب عدة ألقاب أخرى إنجليزية وأوربية وإفريقية.

لكن المدينة التي تقع في مقاطعة «مرزيسايد» شمال غرب إنجلترا. لها تاريخ آخر ربما ظل مجهولا لدى الكثيرين.. وهو أن المدينة كانت أول معاقل الإسلام ليس في «إنجلترا» وحدها بل في بريطانيا كلها، ويعود الفضل في ذلك إلى رجل عظيم لم يدخر وسعا في الدعوة إلى الإسلام ونشره بين أبناء شعبه بعد أن رأى في الإسلام دين الفطرة السوية القادر على إنقاذ البشر وهدايتهم إلى طريق السعادة.

إنه السيد «ويليام هنري كويليام» المولود في المنزل رقم 22 بشارع «إليوت» بمدينة «ليفربول» في العاشر من أبريل عام1856، لكنه قضي طفولته في جزيرة «آيل أوف مان» وهي جزيرة صغيرة تقع بين «إنجلترا» و«إسكتلندا» و«إيرلندا» ولا تتجاوز مساحتها 572كيلو مترا مربعا، لكنها ذات طبيعة ساحرة، إذ تعتبر من أجمل وأهدأ الأماكن في العالم.

كان والدا «ويليام» ينتميان إلى طائفة مسيحية «بروتستانتية» تعرف بالطائفة «الميثودية» وهي طائفة يرجع ظهورها إلى أوائل القرن الثامن عشر على يد «جون ويزلي» في المملكة المتحدة، لكنها انتشرت بسرعة في «بريطانيا» ومن خلال الأنشطة التبشيرية صار لها أتباع كثر في المستعمرات البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية.

جزيرة«آيل أوف مان» حيث قضى «ويليام» طفولته 

فور عودة الأسرة من الجزيرة إلى ليفربول ،بدأ «ويليام» رحلة التعليم في معهد «ليفربول» الملكي الذي أنهى الدراسة فيه بتفوق أهله للالتحاق بكلية الملك «ويليام» التي تخرج فيها محاميا، وما لبث أن ذاع صيته وبزغ نجمه في ساحات المحاكم، متصديا لأعقد القضايا خاصة الجنائية منها. كما وقف «كويليام» مدافعا عن أبناء مدينته في كل ما يتعلق بقضايا الحريات والعدالة، حتى لُقِبَ بالنائب العام غير الرسمي للمدينة. وإلى جانب ذلك كان «ويليام» مولعا بعلم الحيوان، كما كان خطيبا مفوها ومحسنا كريما، كما ترأَّس تحرير العديد من المجلات، كما انكب على ممارسة الأنشطة النقابية.

معرفته بالإسلام كانت في المغرب

في العام 1887 زار «ويليام» المغرب، وهناك قرأ ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وبعض كتابات تفصيلية عن الإسلام، وكتاب الأبطال للكاتب الاسكتلندي «توماس كارلايل» الذي تناول فيه شخصية الرسول الكريم.. يقول «ويليام»: «عندما غادرت «طنجة» كنت قد أصبحت مسلما، بعد أن استسلمت بالكلية لقوة قاهرة، لم أملك حيالها إلا الاعتراف بأنه الدين الحق».. في العام التالي ومع بلوغه عامه الثاني والثلاثين، أعلن «ويليام» رسميا في وسائل الإعلام في «ليفربول» أنه اعتنق الدين الإسلامي، وأنه غير اسمه إلى عبد الله.

وفي سبتمبر 1888، كتب «بول مول» في الجريدة المحلية «في رقم 8 شارع بـ «روم تراس» في «ليفربول» يوجد مسجد يؤمه عدد كبير نسبيا من  المقيمين، فضلا عن الآلاف من «المحمديين» من التجار والبحّارة …».

مسجد ومعهد مسلمي ليفربول أول مسجد في بريطانيا

لم يكن هذا المكان الذي أسسه «عبد الله كويليام» أول مسجد في بريطانيا فحسب؛ بل كان معهدا عُرف باسم معهد مسلمي «ليفربول» وبالطبع فإن أعمال عبد الله الخيرية تواصلت بازدهار واضح من خلال هذا الصرح الذي كان يقدم من 400:200 وجبة إفطار لأطفال المدينة الفقراء، ومن 600 : 400 وجبة عشاء بشكل يومي.

على يديه أعتنق مئات البريطانيين الإسلام

كان من ثمرة عمل «ويليام» إسلام عدد من البريطانيين من ذوي المكانة الاجتماعية، من بينهم «رشيد ستانلي» الذي كان عمدة لـ «ستاليبرسدج» والسيد «هاشم وايلد» والأستاذ «نصر الله وارن» وسبعة عشر شخصا آخرين، ثم قام عبد الله بطبع كتيب بعنوان «عقيدة الإسلام» وُزِّعَت منه خمسة آلاف نسخة، وكان سببا في إسلام نحو خمسين شخصا.. في نفس الوقت قاد «عبد الله كويليام» احتجاجا ضد عرض مسرحية بعنوان «ماهوميت» تحمل إساءات بالغة للدين الإسلامي، وفي النهاية نجح المحتجون في وقف عرض المسرحية.. في العام التالي شهدت المدينة أول جنازة إسلامية، كما شهدت أول حفل زواج إسلامي، وفي العام التالي صدر لعبد الله كتيب بعنوان «الإيمان في الإسلام»، أسلم على إثر توزيعه ثلاثة وثمانون شخصا، لكن هذا الكتيب طبع لثلاث مرات، وترجم لثلاث عشرة لغة، وجابت شهرته الآفاق.

في يوليو عام 1893، أصدر عبدالله نشرة أسبوعية ومجلة شهرية باسم الهلال لم يقتصر توزيعها على «بريطانيا» بل وزعت في جميع أنحاء العالم، ومنذ ذلك التاريخ وحتى العام 1908، أصبح «عبد الله كويليام» الممثل الرسمي لمسلمي «بريطانيا» في جميع المحافل الدولية.. وفي نفس العام أصدر الشيخ أول فتاويه بحرمة الاقتتال بين المسلمين في السودان، وكانت حصيلة من دخلوا الإسلام في هذا العام مئة شخص.

سافر عبد الله بعد ذلك إلى العديد من دول العالم، ونال تقدير واحترام قادة العالم الإسلامي، وأقام صلات مع مسلمي غرب إفريقيا وقام بجولة في المدن الساحلية في المنطقة، وهو في طريقه إلى «لاجوس» لحضور افتتاح مسجد «شتا بك» عام 1894، لكنه عاد من هذه الرحلة الطويلة مريضا بعد إصابته بالملاريا التي لازمته آثارها بقية حياته.

رغم مرضه استطاع عبد الله شراء المبنى رقم8 بشارع بروم تراس وتسديد قيمة الرهن العقاري بعد حصوله على دعم من الأمير الأفغاني «نصر الله خان».. وكان ذلك في نهاية عام1895، وقد سجل في أوراق المعهد أن نحو مئة وعشرين شخصا قد اعتنقوا الإسلام في هذا العام.. وفي العام التالي أنشأ عبد الله ميتما لاستقبال الأطفال غير المرغوب فيهم.. كما شهد المعهد بعد ذلك بعامين حضورا رسميا لعمدة  ليفربول للتهنئة بعيد الأضحى، و أسلم في العام نفسه نحو مئة وخمسين إنجليزيا.

المسجد بعد ترميمه وافتتاحه عام 2008

شرَّفه شاه إيران بمنحه منصب نائب القنصل العام لبلاده في المملكة المتحدة، كما أنعم عليه السلطان عبد الحميد الثاني بلقب شيخ الإسلام في بريطانيا، كما أهداه سلطان أفغانستان  مبلغ 2500 جنيه استرليني كدعم لمواصلة أعماله الخيرية.

فهم عميق للإسلام ومبادئه

من آرائه الدالة على سعة أفقه وعميق فهمه للإسلام.. رأيه في مسالة اللباس الشرعي والأزياء العربية والزي الباكستاني إذ يقول: إن مسألة الزي تتعلق بالمناخ في المقام الاول، والأولى بالأئمة وطلاب العلم أن يتزيُّوا بزي مجتمعاتهم؛ ليكونوا أكثر انتماءً للتيار الرئيس فيها.. إن ما يطلبه الإسلام من الإنسان هو أن يكون متواضعا، وهو أمر يتجاوز –بالطبع- مسألة الزي.. وهذا ما يتناقض مع بعض الروايات التي تقول إن عبد الله كان قد مَثَلَ أمام المحكمة في زي احتفال تركي، وأنه شُوهد ذات مرة مسافرا على طريق «ليفربول» ممتطيا صهوة حصان عربي.

كانت أنشطة معهد مسلمي ليفربول قد اجتذبت المسلمين وغير المسلمين، خاصة المناظرات الأسبوعية والنقاشات المطولة والمحاضرات التي كان يلقيها السيدان «هاشم وايلد» و«نصر الله وارن».. لكن الأمور بدأت في التطور بشكل متسارع عندما وقف «عبد الله كويليام» مهاجما بشراسة سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها حكومة بلاده برئاسة «وليام جلادستون» الذي كان قد ألقى كلمة في «ليفربول» دعا فيها إلى اتخاذ إجراءات ضد الدولة العثمانية بسبب ما نسب إليها من إساءة معاملة الأرمن؛ فقام بالمقابل «كويليام» بعقد مؤتمر بمسجده منددا بما أسماه الغبطة الغربية تجاه كل الفظائع المسيحية بامتداد العالم، ومنها الإشادة بأرمني يفجر قنبلة في قلب اسطنبول فيقتل النساء والأطفال، فيوصف كبطل في «إنجلترا» لا لشيء إلا لكونه مسيحيا.

مسجد عبد الله كويليام أول مسجد في بريطانيا

كما استنكر عبد الله دعم بلاده للخونة والمتمردين- كما أسماهم- الذي خاضوا المعارك في ممر خيبر ضد القوات الأفغانية.. كما كان «كويليام» من المحذرين من دعاوى التفرقة بين المسلمين على أي أساس مذهبي، وكان يصفها بأنها دعاوى المنافقين الذين يريدون خداع المسلمين، ويبغون لهم انفصالا بعد أن وحّدهم الله تحت ظل الخلافة الإسلامية التي كان يرى أن  الحفاظ عليها والعمل على بقائها من واجبات المؤمن الحق، ولا يقل أهمية عن الحفاظ على وحدة القبلة.

على إثر تصاعد المواجهات بين كويليام والحكومة البريطانية، يضطر عبد الله إلى مغادرة إنجلترا عام 1908، بعد أن اتخذت الحكومة إجراء تعسفيا بشطبه من سجلات المحامين، كما أمر ابنه بسرعة التخلص من الممتلكات الخاصة بالمعهد، وتشتت على إثر ذلك شمل الجالية المسلمة في ليفربول.. لكنه  عاد بعد ذلك عام 1914، تحت اسم مستعار، وقضى معظم الوقت في جزيرة «آيل أوف مان».. وفي الثالث والعشرين من أبريل عام 1932، انتقل «عبد الله كويليام» إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالجهاد في سبيل نشر دين الله والدفاع عنه.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق