ثقافة

«الأشياء تتداعي».. رواية تنتصر للهوية الإفريقية أمام الزحف الأبيض؟

في نهاية خمسينيات القرن الماضي، انطلقت من النصف الجنوبي فى العالم، موجة أدبية جديدة، تجلت – أفضل ما تجلت – في قلب القارة الإفريقية السمراء، حيث نهلت بقوة من معين النضال الوطني وعانقت حلم الاستقلال. لكن، سرعان ما تحولت وهجة الأمل، التي كانت مكونا أساسيا في الكتابة الأدبية الجنوبية، إلى غصة في الحلوق، بعدما تكشفت حقيقة الاستقلال الزائف. وعبرت روايات عديدة من ملاحم وطنية مختلفة عن هذا الواقع الصادم.

ثلاث مراحل

من بين أبرز هذه الروايات تأتي رواية «الأشياء تتداعى» (Things Fall Apart) (1958) للأديب النيجيري تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، التي جاءت في المرتبة الخامسة ضمن أهم «مائة رواية شكلت العالم».

 تتناول الرواية ثلاث مراحل زمنية متتابعة (ومتشابكة في بعض الأحيان) عايشها أتشيبي في إحدى قرى مدينة أونيتشا على الضفة الشرقية لنهر النيجر، في شرق نيجيريا. تركز المرحلة الأولى على حالة التصدع الاجتماعي العميقة التي غشيت السنوات الأولى من الاتصال بالحضارة البيضاء؛ حيث يسعى الكاتب – إزاء ذلك – إلى إعادة اكتشاف وجه الحياة  قبل وصول الإمبرياليين، وبث الروح من جديد في جسد الثقافة الإفريقية الأصيلة. أما المرحلة الثانية فتُعنى بالمقاومة، وتعكس حالة الاغتراب التي يعيشها بطل الرواية عن مجتمعه الغارق في تقليديته. وتشتبك المرحلة الثالثة مع حالة الإحباط التي ضربت مجتمعات ما بعد الكولونيالية، بعدما بسط الخطاب الإمبريالي سلطانه على جميع أوجه الحياة وصبغها بالصبغة الأوربية البيضاء.  

وبينما لا يمكن الفصل بين هذا العمل، وغيره، من جانب، وتيار المقاومة من جانب آخر، إلا أننا – في الوقت نفسه – لا يمكن أن نختزله في هذا التيار فحسب. فعلى المستوى السياسي، تعتبر هذه الرواية مهمة لأنها تنظر إلى إفريقيا، نظرة جديدة ومختلفة مقارنة بالكتابات الأوربية، بما في ذلك ما تعاطف منها مع الكفاح الإفريقي ضد الإمبريالية. لقد نجح هذا العمل بامتياز في تجاوز مصدره حتى لو التزم بقواعد الكتابة الروائية الأوربية في تعبيره عن الفلكلور الإفريقي. 

بين يدي البطل

في هذه الرواية – التي تمتد على مدى 25 فصلا – يعرض أتشيبي لحياة قبيلة «الإيبو» عندما وطأت أقدام المستعمر الإنجليزي أرضها لأول مرة. ومن خلال هذا التمثيل لحياة إحدى القبائل الإفريقية وإرثها الثقافي ومقاومتها – على الأقل في بداية الأمر – للقوى الاستعمارية، يُبرز أتشيبي قضية الهوية كتيمة أساسية، ويقدم شخصية البطل «أوكونكو» كنموذج للإفريقي الخالص الذي يتشبث بهويته الدينية والثقافية والوطنية.

على مدى مواقف عديدة، يحاول «أوكونكو» وعدد من أبناء القبيلة مقاومة التغيير ورفض الرضوخ للدين واللغة وأسلوب الحكم الإمبريالي الجديد. ففي الفصل 20 – على سبيل المثال – يستقبل أوكونكو في منزله صديقه «أوبيريكا» لمناقشة التغيرات التي طرأت على قريتهم «أوميوفيا» منذ أن غادرها «أوكونكو» تنفيذا لحكم بالنفي سبع سنوات؛ فيخبره الضيف أن المبشر الإنجليزي في أوميوفيا يشوه عادات القرية ويصفها بالسيئة والشريرة، ويضيف «لقد تسلل الرجل الأبيض إلى حياتنا بهدوء، وسمحنا له بالإقامة بين ظهرانينا، والآن يتسابق إخواننا على الدخول في دينه، حتى أن عشيرتنا تمزقت، ولم تعد على قلب رجل واحد كما كانت من قبل».

يمكن أيضا سماع دوي أجراس الخطر التي يقرعها أتشيبي بشأن الهوية الإفريقية في مشهد عودة أوكونكو إلى أوميوفيا ليرى ما طرأ على خريطتها الثقافية من تغيير صادم. وفي هذا السياق يقول الراوي: «طرأت على القرية تغيرات جذرية منذ نفيه إلى درجة جعلتها كأنما تتراءى له لأول مرة». في هذه الفترة اجتاحت «أوميوفيا» مؤسسات إمبريالية جديدة لا عهد لها بها. «كان لا يزال هناك كثيرون ينظرون إلى هذه المؤسسات على أنها شر مطلق، لكنها ظلت محور حديثهم وفكرهم الذي لا ينقطع».

صورة ذات صلة

بين يدي الكاتب

وعلى غرار «أوكونكو»، عاش والدا أتشيبي في إحدى قرى الإيبو (قرية أوجيدي) في بداية الاحتلال، وعانيا كثيرا من التغيرات التي طرأت على مجتمع «الإيبو»، و من الاغتراب الذي خيم على وجدان عدد غير قليل من أعضاء القبيلة، لا سيما من غير الشباب.

ففي كتابه Chinua Achebe: A Biography  (تشبنوا أتشيبي: كتاب في السيرة) (1997يذكر «إيزينوا أوهايتو» أنه عندما عاد والدا أتشيبي إلى أوجيدي في عام 1935 مع أسرتهما، كان هناك العديد من التغيرات الثقافية التي اجتاحت مجتمع الإيبو، وأدت إلى حدوث صدع كبير في نسيج القبيلة الواحدة. ويوضح «أوهايتو» أن جزءا كبيرا من هذا التحول لم يصدر فقط عن مؤسسات الحكم والاقتصاد الإمبريالية التي هيمنت على الحياة، وإنما أيضا عن النظام التعليمي الجديد الذي «نقل إلى قلب إفريقيا ما كانت الدوائر الأكاديمية الراسخة في إنجلترا تعتبره أفضل إنجازات الجامعات الإنجليزية لإخضاع الآخرين». ويضيف «أوهايتو» «لقد تحول التعليم من المشافهة التي كانت تمثل تقليدا خالصا في مجتمع الإيبو إلى تعليم نظامي يقوم على كتب دراسية وضعها الإنجليز بما يناسب أهدافهم الاستعمارية، واعتمدوا لها طرقهم الخاصة في التدريس». ويخلص«أوهايتو» إلى أن «هذا الانفصال عن الثقافة المحلية جعل أتشيبي يواجه الكثير من تفاصيل أزمة الهوية التي واجهتها شخصياته»، وجعلته يعيش التيه مثل – على حد تعبير أتشيبي نفسه في الرواية – «الخفاش في الحكايات الشعبية، فلا هو إلى الطيور ولا إلى الثدييات».

صورة ذات صلة

الاغتراب الثقافي.. الداء المشترك

يرسم العديد من الباحثين في أدب ما بعد الكولونيالية، مثل راشيل هينليكي وكاثرين مكسويني وغيرهما، العديد من خطوط التماس بين «أوكونكو» و«أتشيبي» في «شعورهما بالاغتراب بعد أن تسلل الدين والثقافة الإمبريالية إلى جميع أوجه الحياة». فعلى سبيل المثال، تستدعي هينليكي في مقال بعنوان Theme and Biographical Analysis of ‘Things Fall Apart’ (موضوع رواية ’الأشياء تتداعى‘ مع تحليل للسيرة الذاتية) حادثة قتل «المتخفي» (أحد المشاركين في طقوس دينية تنكرية  تقيمها قبائل «الإيبو») على يد أحد المتحولين من أبناء القبيلة إلى المسيحية. يمكن مقارنة هذا الحادث – بحسب هينليكي – بحادث مشابه وقع في قرية أوكونكو عندما قام أحد المتحولين إلى المسيحية بنزع قناع أحد المتخفين أثناء احتفال طقوسي سنوي لتمجيد إله الأرض.

وتخلص هينليكي إلى أنه «بوجه من الوجوه يمكن النظر إلى رواية ’الأشياء تتداعى‘ على أنها السيرة الذاتية لكاتبها فيما يتعلق بالتمسك بالهوية والإرث الثقافي والاجتماعي والديني في مقابل محاولات الإخضاع والهيمنة».

نتيجة بحث الصور عن تشينوا أتشيبي: كتاب في السيرة

الزحف الأبيض

في بداية الأمر لم يتطلب هجوم الرأسمالية الأوربية الأول على إفريقيا – من خلال تجارة العبيد عبر الأطلسي – حضورا أوربيا مكثفا إلى القارة السمراء. لكن هذا الوضع سرعان ما تلاشى مع تمدد الإمبراطوريات الإمبريالية. وفي أعقاب مؤتمر برلين (1884 – 1885) الذي قسم مقدرات إفريقيا بين القوى الإمبريالية، بدأ الزحف الأبيض بقوة إلى قلب القارة السمراء. وفي عام 1897، أكد السير أرثر هاردينج، أول حاكم بريطاني لما أصبح بعد ذلك «كينيا» أنه «يجب أن نستخدم الرصاص حتى نعلم هذه الشعوب الخضوع؛ إنه المدرسة الوحيدة. ويمكننا بعد ذلك الاعتماد على وسائل تعليمية أكثر حداثة وإنسانية». في مقابل هذه المنهجية الإمبريالية، تحكي رواية «الأشياء تتداعى» منهجية المقاومة التي لم تفلح حتى بعد الاستقلال.. الزائف.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق