منوعات

يعقوب صنّوع.. مسيرة إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري (3)

تأزمت العلاقة بين الخديوي إسماعيل ويعقوب صنوع، وانتقلت من مرحلة التضييق والحصار وإغلاق مسرحه وصحفه إلى مرحلة الاغتيال، وحاول الخديوي مرارا قتل «أبو نظارة» للخلاص من لسانه وتحريضه على حكمه، تنفيذا لتهديده السابق بـ«سحق هذا الموليير المغرور بين أصابعه كما يسحق البرغوت إن لم يسكت»، كما ذكرنا في الحلقة الماضية.

أبو زمارة وصفارة

لم ترض حكومة إسماعيل عن أعداد صحيفة «أبو نظارة»، فأراء الرجل في نظام الحكم صادمة، فما كان منه إلا أن أمر بمصادرتها، ثم إغلاقها، مما اضطر يعقوب صنّوع إلى تغيير اسمها أكثر من مرة للتحايل على قرار الإغلاق، فصدرت مرة باسم «أبو نظارة»، وأخرى «أبو نظارة زرقاء»، وثالثة «رحلة أبي نظارة زرقاء»، ورابعة «النظارة المصرية».. وهكذا، بل إنه كان يصدر ما يسميه الدكتور إبراهيم عبده مؤرخ الصحافة الأبرز «مجلات الضرورة» -الضرورة التي فرضتها عليه القوانين المتعسفة- فكان يصدر المجلة تلو الأخرى فلا يغير سوى اسمها، فهي «أبو صفارة» تارة وحينما أغلقت ظهرت «أبو زمارة».

Related image

كتب أبو نظارة افتتاحية فكاهية لـ«أبو زمارة» جاء فيها: «بسـم الله الرحـمن الرحـيم، الحمـد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبيائه أجمعين.. أما بعد فيقول العبد الحقير أبو زمارة. لما بلغني بأن صدر أمر من ناظر الخارجية.. بقفش وكسر الصفارة، الساعية إلى استحصال التمدن والحرية، قلت يا ربي نور عقلي وفهمي وانصرني على الواد الأمرد مصطفى فهمي، إللي أمر بتعطيل صفارتي البهية. العزيزة عند الشبان المصرية».

اقرأ أيضا:

يعقوب صنّوع.. مسيرة إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري (1)

وحينما أغلقت «أبو زمارة»، أصدر صنوع مجلة «الحاوي» التي قال عنها في عددها الأول «الحاوي الكاوي إللي يطلَّع من البحر الداوي عجايب النكت للكسلان والغاوي ويرمي الغشاش في الجب الهاوي».

كان صنّوع محتميا بقنصلية إيطاليا، فهو من تلاميذ المدرسة الإيطالية حيث تلقى في بعثته إليها دروسه الأولى في الفنون والأدب والموسيقى، ولما حوصر وأغلق مسرحه وصحفه لجأ إلى الطليان طارقا بابهم، كما كان يفعل بعض المصريين والمتمصرين من أبناء الشام الذين وفدوا على البلاد واتخذوا من الصحافة حرفة لهم وصناعة.

Image result for ‫يعقوب صنوع مجلة الحاوي‬‎

الهروب من القهوة الخديوية

وقيل إن الخديوي إسماعيل تدخل لدى قنصل إيطاليا وانتزع منه الموافقة على إغلاق الصحيفة وطرد صاحبها من مصر، وقال بعض المؤرخين إن بعض أصدقاء “أبو نظارة” المقريين من السلطة نصحوه بالسفر من مصر، كما نصحوه بأن يحترس من تناول القهوة الخديوية، وكان من المعروف أن إسماعيل يدعو معارضيه إلى قصره لتناول القهوة، فيخرجون من القصر إلى الدار الأخرة.. رد أبو نظارة على ناصحيه قائلا: «لو انتظرت حتى أتذوق القهوة الخديوية لسبق السيف العزل.. فيجب أن أغادر البلاد».

Image result for ‫الخديوي اسماعيل‬‎

الخديوي إسماعيل

وبينما كان صنّوع يرتب حاله للخروج من مصر، وأثناء تنزهه مساء أحد أيام شهر مايو عام 1878 بصحبة عجوز فرنسي اسمه الكابيتن جيرار، انقض عليه أحد زبانية الخديوي وطعنه بسكين، «سقطت على الأرض وجرى جيرار خلف الطاعن، وهو ينادي على رجال الشرطة ليقبضوا عليه، بيد أن رجال الشرطة تركوه يهرب حسب التعليمات..» ولحسن الحظ أصاب السكين الجزء الفولاذي من حزامي ولم أصب إلا بخدش خفيف نزف منه الدم، يقول يعقوب صنوع في أرواقه التي حققها الدكتور إبراهيم عبده.

وبحسب يعقوب نفسه فإن الخديوي حاول التخلص منه مرة ثانية بعد أن فشلت المحاولة الأولى.. وعن ذلك يقول: «بينما كنت أقرع باب منزلي حوالي منتصف الليل دوى صوت طلق ناري ومرت الرصاصة على بعد سنتيمتر من رأسي.. إن الثقب الكبير الذي تركته في الباب مازل موجودا وكان الجمهور حسب المعتقدات الشرقية يقول إني أحمل حجابا يحميني من الأسلحة».

ورأى إسماعيل أن يسلك مع يعقوب طريقا أخرى، ويعالج الأمر علاجا مختلفا عن الوسيلة الأولى قبل أن يأمر بإلغاء صحيفة «أبو نظارة زرقاء»، وهي الصحيفة التي سببت كما يقول يعقوب «عدة فتن في الصعيد ضد مبعوثيه الذين كانوا يدفعون السكان قهرا إلى بيع مواشيهم وأراضيهم ليسددوا المبالغ المطالبين بدفعها ظلما».

أرسل الخديوي في الليلة السابقة على إلغاء الصحيفة كبير أمنائه أحمد خيري باشا إلى صنوع، وطلب الباشا من أبو نظارة أن يخبره باسماء المسئولين الذين أعطوه الأسرار التي نشرها في العدد الأخير من الجريدة مقابل أربعة آلاف جنيه والاستمرار في إصدار الصحيفة، وإلا فإن الخديوي سيعرف بطرقه الخاصة من سرّب أسراره وسيخبرهم بأن صنوع هو الذي وشى بهم وحينها سيفتكون به انتقاما من كشفه سرهم. رفض صنوع عرض خيري باشا وطلب منه أن يعود إلى إسماعيل برسالة جاء فيها «إذا كان إسماعيل خائنا فأنا لست كذلك، وأن كنوز العالم كلها لا تساوي ظل شرفي».

وأشيع بعدها في القاهرة أن يعقوب صنوع وجد صريعا في فراشه، وكانت الإشاعة بغرض جس نبض الشارع لعملية الاغتيال الحقيقية، بعدها تدخل بعض تلاميذ «أبو نظارة» وطلبوا منه الرحيل عن مصر.

Image result for ‫يعقوب صنوع‬‎

النفي إلى باريس

ويشرح أبو نظارة تفاصيل ما فعله الخديوي إسماعيل لطرده من مصر، والأسباب التي من أجلها لم يتمكن من قتله جهارا وفي وضح النهار فيقول: «ولما كنت في حماية الماسونية التي كان يخشاها إسماعيل كثيرا، وفي رعاية القناصل الأوروبيين الذين كانوا يتلقون علي يدي دروس اللغة العربية، فإن مضطهدي- أي إسماعيل- لم يكن باستطاعته قتلي، ولكنه وبوصفه خديوي مصر كان في مقدوره أن ينفيني، ذلك ما فعله بعد أن أفقدني بغضبه كل تلاميذي، وقد ذهب إلى حد منعهم من دفع ما عليهم لي، فلم يكن ينتظرني في وطني سوى الفقر أما في الخارج فقد يبتسم لي القدر ثانية مرة أخرى.. وهكذا يممت وجهي شطر المنفى».

وعن رحيله عن القاهرة يقول صنوع: «وهكذا غادرت القاهرة محبوبتي في 22 من يونيو سنة 1878، ولن أتكلم عن وداع والدتي العجوز المؤثر، وكانت قد بلغت الثانية والسبعين من عمرها، وقالت لي قبلة أخرى إيها الابن الحبيب، إنها بلا شك ستكون الأخيرة لأني لن أراك بعد اليوم، وكان حديثها لسوء الحظ صادقا فقد توفيت عام 1885 ولكن بعد أن سعدت بنبأ زواجي وانتظاري مولودا».

ووصف صنوع المشهد الأخير لرحيله عن ميناء الإسكندرية وفيه من المبالغة ما جعل بعض النقاد والمؤرخين يشككون في الرواية كلها، وقال: «إن سكان الإسكندرية من رجال وسيدات، أغنياء وفقراء يمرون أمامي صامتين محيين متمنين لي السعادة بصوت خفيض، وصاح بعضهم باسمي وأنا أركب السفينة التي ستقلني إلى مارسليا، وطلب البعض الآخر أن أتنبأ بنبوءة، حينها شعرت كأن وحيا ألهمني ووضع في فمي تلك العبارة: سوف ينفى إسماعيل بعد سنة كما أنفى أنا اليوم.. وقد شاءت الأقدار أن تتحقق نبوءتي حرفيا مما جعل الناس في الشرق كله يلقبونني بالولي».

Image result for ‫يعقوب صنوع‬‎

اقرأ أيضا:

يعقوب صنّوع.. مسيرة إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري (2)

النضال من الخارج

ووفقا لرواية الدكتور إبراهيم عبده في كتابه «مسيرة إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري» وصل صنّوع إلى باريس ولم يكن يملك من المال سوى مائتي فرنك فقط، لكن نفسه كانت تضطرب بالأماني والآمال كمواطن حر صمم على محاربة الظلم في بلاده، فقرر وصل ما انقطع بتأسيس جريدة يعبر فيها عن رأي الحزب الوطني المصري الذي بدأ يتكون وتبينت معالمه لكل ذي عينين، لا يخاف أميرا أو طاغية أو جندا أو قهوة مسمومة أو نهرا استمعتت تماسيحه بأجسام كثير من الأحرار.

ويضيف: ذهب «الولي» إلى عاصمة النور في صيف 1878 طريدا من بلاده شهيدا من شهداء الحرية في عصر إسماعيل، فقيرا لولا الحياء لكان التسول مهنته في الشهور الأولى، غير أنه قاوم الفقر ومذلة السؤال، حتى استطاع أن يعمل مدرسا للغة العربية ويحصل على مقابل ذلك قدرا من المال يسد به رمقه ويعينه على معاودة الكفاح من أجل مصر.

مضى صنّوع يشق طريقه في أروقة باريس ومحافلها وتعرف على رجال القصور والفكر والأدب، حتى كتبت عنه جريدة باريسية شهيرة: «من ذا الذي يجهل أبا نضارة، ذلك المصري الذي لقبه الخديوي إسماعيل بموليير العرب، والذي أسس جريدة شعبية عربية هاجم فيها حكومته حتى اضطر إلى ترك بلده والمجئ إلى باريس.. أنه أول من قال العبارة الآتية التي أخذت طريقها إلى الأمام وهي عبارة مصر للمصريين..».

Image result for ‫مسيرة إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري‬‎

في باريس لم يهدأ يعقوب بل راح يمارس نشاطاته في كل المنتديات يحاضر ويلقي الشعر ويكتب في الصحف فانتزع إعجاب أهل الرأي في فرنسا فهو فنان متعدد المواهب يجيد الموسيقي كما كان ينظم الشعر- والشعر الفرنسي خاصة – مما جعل أحد الصحفيين الفرنسيين الكبار يقول فيه: «لست أدري أن كان مقدرا لصنوع أن يكسب القضية التي يدافع عنها أم لا، ولذلك فلست هنا بصدد مدحه أو قدحه، غير أننا لا نلتقي كثيرا برجل مثل أبونظارة له طابع مستقل قائم بذاته، وعزيمة لا تعرف الوهن أو الهزيمة».

واستمر صنوع في مسيرته وانشأ عددا من الصحف في فرنسا، حمل معظمها اسم «أبو نظارة»، وصدر قرار بمنع دخول تلك الصحف والمجلات إلى مصر، فكانت تُهرّب على سفن البضائع والركاب ويتداولها الناس سرا، في الإسكندرية والقاهرة وباقي مديريات القطر المصري.

رواد متاتيا في باريس

وفي فرنسا التقى «أبو نظارة» بعدد من رجال الفكر والسياسة والأدب والصحافة العرب الذين تعرضوا للنفي من مصر بسبب مواقفهم المنتصرة للحرية ودعوتهم لإقامة حياة نيابية دستورية، ومنهم أديب إسحاق والشيخ جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده وإبراهيم المويلحي وخليل غانم وهم جميعا أعضاء في حلقة الأفغاني في قهوة ماتتيا ثم التقى بالزعيم مصطفى كامل في وقت متأخر.

واصل صنّوع دعايته للقضية الوطنية بعد الاحتلال البريطاني لمصر، واستمر في إصدار العديد من الصحف بالعربية والفرنسية وأخذ يتنقل بين العواصم الأوربية يدافع فيها عن القضية المصرية، واشترك في الحملات التي شنت ضد الاحتلال البريطاني، وراسل أحمد عرابي في منفاه بجزيرة سيلان.

كتب أبو نظارة العديد من المسرحيات ذات الطابع النقدي الاجتماعي في قالب فكاهي كوميدي، فند فيها سلبيات المجتمع المصري، ومنها «أبو ريدة وكعب الخير»، «العليل»، «بورصة مصر»، «الأميرة الإسكندرانية»، و«الصداقة». كما قدم العديد من الأعمال ذات الطابع الوطني النقدي السياسي بطريقته الفكاهية، ومنها «الوطن والحرية»، «الجهادي»، «شيخ الحارة»، «القرداتي»، «حكم قراقوش»، «الدخاخيني»، «سلطان الكـنوز»، «الواد»، «زمـزم المسكينة»، و«راستور وشيخ البلد والقواص».

لم يتوقف أبو نظارة إلا بعد أن كف بصره وثقل عليه المرض فأمضي في سريره نحو سنتين يجاهد في سبيل الحياة من غير نتيجة حتي نزل به قضاء الله في سنة 1912م فنعته الصحف ووكالات الأنباء في العالم كله، ودفن في إحدى مقابر باريس، وكتب على شاهد قبره: «الشيخ جيمس صنّوع.. أبونضارة.. شاعر الملك.. خبير في الشؤون العامة.. توفى 29 سبتمبر عام 1912 عن عمر 75 عاما، حاصل على وسام الصليب الكبير من زنزبار، وحاصل على نيشان افتخار العثماني، ومترجم حر في وزارة البريد والتلغراف، ومعلم سابق في مدرسة الصناعات بالقاهرة ومنشئ جريدة أبو نضارة».

Image result for ‫يعقوب صنوع‬‎

على مدار حلقات  ثلاث تتبع موقع «أصوات أونلاين» مسيرة هذا الرجل اللغز وتنقل بين أوراقه ومذاكراته، لكن يبقى السؤال «هل كان هناك يعقوب صنوع فعلاً؟.. وهل ما جاء في مذكراته هي محطات من سيرة ذاتية تم توثيق ما فيها وتحقيقها، أم إنها إدعاءات لفقها صاحبها ليصنع تاريخا وهميا كما أشار بعض المؤرخين؟..» هذا ما سنناقشه في الحلقة القادمة والأخيرة من حلقات «يعقوب صنوع إمام الصحافة الفكاهية وزعيم المسرح المصري».

الفيديو جرافيكس
تحريك ومونتاجعبد الله إسماعيل
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق