رؤى

من روما القديمة إلى داعش.. قراءة فى تاريخ التطرف والمتطرفين

*جيه. إم بيرجر- خبير في شئون الإرهاب الدولي

*ترجمة وعرض أحمد بركات

من الحروب في روما القديمة إلى تنظيمي «القاعدة» و (داعش) «يؤكد الباحثون في شئون الإرهاب، أن التطرف قديم قدم الإنسان، أو على أقل تقدير، قدم تاريخه المكتوب، برغم أن المشكلة قد تتباين في تعقيداتها بالسلب أو الإيجاب من حقبة زمنية إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر».

 شذاذ الآفاق

في كتابه Extremism (التطرف)، الذي نشر في نهاية عام 2018 عن مطبعة «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT Press)، يسعى «جيه. إم بيرجر»، الخبير في شئون الإرهاب، والباحث في «المركز الدولي لمكافحة الإرهاب» في لاهاي، عبر الفصلين الأول والثاني Delenda Est (يجب التدمير)، وWhat Is Extremism? (ما التطرف؟) إلى صياغة تعريف علمي لظاهرة التطرف.. حيث يقول: «يؤكد البعض أن المتطرفين هم – ببساطة – أناس تشط معتقداتهم  وتشذ – يمينا أو يسارا – عن معتقدات غالبية المجتمع». بينما يثبت هذا التعريف وجود متطرفين على مر التاريخ، إلا أنه «لا تنطبق عليه شروط التعريف الجامع المانع».

 لأن معتقدات الغالبية تتغير بمرور السنين. يضرب بيرجر مثالا على ذلك بالعبودية الإثنية في وطنه أمريكا، حيث يؤكد بعض المؤرخين أنه لا يمكن مقارنة هذه العبودية بالتطرف الإثني الأبيض الذي يشهده العالم الغربي اليوم، لأن الأولى «كانت معيارا مقبولا في المجتمع الأمريكي على مدى سنوات عديدة». رغم ذلك – كما يلفت بيرجر – كان أول انتشار لكلمة «Extremist» (متطرف) من خلال الجدل السياسي والاجتماعي الذي تناول هذه القضية، وكان أبرز مستخدمي هذه الكلمة هو «دانيال وبستر»، المحامي والسياسي ورجل الدولة الأمريكي، للإشارة إلى المدافعين عن العبودية والمتحمسين لها. والأهم من ذلك كله، أن تبرير العبودية، وتمريرها على مدى عقود، جاء استناداً إلى اعتقاد أيديولوجي بتفوق الجنس الأبيض، قام على نظريات دينية وعلمية لا يزال القوميون البيض المعاصرون يتمسكون بها.

ويخلص بيرجر إلى أنه «هذه الظاهرة يمكن فهمها على نحو أفضل كمنتج لديناميات مقاومة جماعية» (أي أن التطرف يعني عدم قدرة جماعة ما على المحافظة على معتقدها (أيديولوجيتها)، وتمريره إلى أجيال قادمة، ما لم تضعه بشكل دائم وعلى نحو مطلق في مواجهة ’الآخر‘.

Image result for ‫دانيال وبستر‬‎

دانيال وبستر

محددات التطرف

المقاومة المطلقة للآخر – إذا – هي المعيار الأساس للفكر المتطرف وفقا لهذا الفهم. فمعظم الصراعات – بما فيها تلك التي تتسم حتى بالوحشية والإفراط في العنف – يمكن حسمها بطريقة تستوعب كلا الطرفين «مثل القتال الذي ينتهي بالمصافحة، أو الحرب التي تنتهي بمعاهدة». على النقيض، يعتقد المتطرف أن “الآخر” يجب إبادته، فإن لم يستطع فإخضاعه والهيمنة عليه، فإن لم يستطع فالاستمرار في مقاومته. ولا توجد حدود نهائية للمقاومة سوى تدمير ’الآخر‘ في النطاق الذي يسيطر عليه المتطرف.

باستخدام هذا المفهوم، يؤكد بيرجر أن «التاريخ البشري المكتوب لم يخل من التطرف». وباستخدام هذا المفهوم أيضا ينطلق الكاتب عبر ثلاثة فصول، هي In-Groups & Out-Groups (الجماعات الداخلية والخارجية)، وCrises and Solutions (الأزمات والحلول وRadicalization (التحول إلى الراديكالية) لرصد هذه الظاهرة وتحليلها في سياقها التاريخي. فبدءا من عام 264 قبل الميلاد، وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان، انخرطت «روما القديمة» في سلسلة حروب طاحنة ضد جارتها «قرطاج»، إنتهت بانتصار روما. لكن بعض ’المتطرفين‘ الرومانيين إعتبروا أن هذا الانتصار غير كاف، وأن مجرد وجود «قرطاج» يمثل «إهانة للهوية الرومانية». وقد كان السيناتور الروماني «كاتو الأكبر» أحد هؤلاء، والذي دأب على أن يختتم خطاباته المفوهة بعبارته الشهيرة «دمروا قرطاج» (Carthago delenda est).

Related image

 وفي النهاية إنتصرت إرادة كاتو ورفاقه، وتم تدمير «قرطاج» في عام 146 قبل الميلاد بعد حصار طويل أودى بحياة 150 ألفاً من السكان، وبيع الناجون في اسواق الرقيق، فيما يعتبره «بن كيرنان»، الأستاذ بجامعة «ييل»، «أول مذبحة في التاريخ».

مثال آخر من العالم القديم تقدمه أقلية يهودية تعرف باسم «السيكاري» عارضت بقوة الحكم الروماني المسيحي، وقتلت أبناء ملتها من اليهود الذين اعتبرتهم متعاونين مع الرومان، وفي النهاية أقدم أعضاء هذه الجماعة على عمليات انتحار جماعي موسعة (صارت مثار شهرتهم حتى اليوم) بعد حصارهم في أحد حصون جبل «مسعدة» (الذي يطل على الجانب الغربي للبحر الميت، شرقي منطقة النقب الصحراوية) في عام 73م.

تطرف العصور الوسطى

وفي عام 657م، شهدت أرض الإسلام الجديدة اندلاع ظاهرة التطرف لأول مرة على يد «الخوارج»، الذين عرفوا بمعتقداتهم الراديكالية وعدوانهم المفرط ضد المسلمين الذين اعتقدوا أنهم انحرفوا عن جادة الإسلام.

ولم تكن المسيحية بمنأى عن هذه الديناميات عندما دُشنت الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش لتقتلع بعنف جذور طوائف أخرى مسيحية وغير مسيحية باعتبارهم ’زنادقة‘، مثل «الحملة الصليبية الألبيجينية» في القرن الثالث عشر للقضاء على «الزنادقة الكاتار» في فرنسا. وتحكي السرديات الشعبية (يلفت بيرجر إلى أن ذلك «ربما يكون ملفقا») أن قائد القوات الكاثوليكية الرومانية نطق بعبارة لاتينية لا تزال تُذكر حتى اليوم، وهي «اقتلوهم جميعا، ودعوا الرب يصنفهم». لكن سواء كانت هذه الجملة حقيقية أو مزعومة، فإن «مذبحة بيزييه» في عام 1209 قد أودت بحياة 20 ألف من الكاتار، ومع نهاية هذه الحملة كان قد تم ذبح جميع أفراد هذه الطائفة.

Image result for ‫مذبحة بيزييه‬‎

التطرف الحديث

وصل التطرف إلى أرض العالم الجديد(أمريكا) مع الغزاة الأسبان الذين احتلوا الأمريكتين بدءا من القرن السادس عشر. وكما عبر بعض الأسبان عن بشاعة ما مارسوه من استعباد وإبادة بحق السكان الأصليين، راح المفكرون آنذاك يلفقون أدلة إثنية وأيديولوجية لتبرير هذه المجازر، مدعين أن التفوق البيولوجي الذي حبت به الطبيعة الأسبان من شأنه أن يسوغ ما اقترفوه من فظائع.

وقد تلقف مفكرو القرن التاسع عشر هذه المبررات باعتبارها حلقة في سلسلة أدت إلى تبني الأمريكيين للعبودية الإثنية ضد السود، فيما يعده بيرجر «واحدة من أكثر الممارسات تطرفا وخزيا في التاريخ»، حيث ذبح على نصبها ملايين السود.

وفي نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، برزت أمثلة جديدة، وذلك مع صعود منظمة «كو كلوكس كلان» (KKK)، ثم عودتها بثوب جديد في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين. ولا تزال هذه المنظمة قائمة حتى يومنا هذا، لكن «فقط بأقل من معشار معشار قوتها السابقة»، حيث بلغ عدد أعضائها في عام 2016 ثلاثة آلاف عضو، مقابل 4 مليون في عام 1925.

Related image

كما شهدت بداية القرن العشرين أيضا صعود أشكال جديدة وأشد خطرا من التطرف المعادي للسامية. فرغم التاريخ الطويل لهذه الظاهرة، إلا أنه بلغ ذروة عنفه وعنفوانه في ألمانيا النازية، وهي – كما يلفت بيرجر – «حركة متطرفة رغم أنها كانت تمثل تيارا سائدا في المجتمع الألماني لبعض الوقت.، حيث قتل النازيون قرابة ستة ملايين يهودي أثناء حكمهم لألمانيا، إضافة إلى ملايين آخرين، بمن فيهم معاقون ومثليون ومدنيون سوفيت وصربيون وبولنديون.. وبرغم هزيمتهم العسكرية في الحرب العالمية الثانية، إلا أن «إرثهم الفكري لا يزال حيا في شكل تيارات النازيين الجدد التي تنتشر في العديد من الدول».

التطرف المعاصر

شهدت ثمانينيات القرن الماضي صعود تيارات التطرف الجهادي العالمي، وهي حركة متنقلة كان يقودها «تنظيم القاعدة»، الذى نفذ أكثر عملياته دموية في 11 سبتمبر 2001، وهو ما أرخ لبروز قضية التطرف على رأس قائمة اهتمامات العالم على كافة المستويات، بدءا من السياسي وانتهاء بالعسكري والأمني .وازدادت هذه القضية أهمية وتعقيدا مع ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام»  «داعش» في العقد الثاني من هذا القرن. واليوم، يشارك آلاف المتطرفين الجهاديين في أنشطة عنيفة في جميع أنحاء العالم، من الإرهاب إلى التمرد.

Image result for ‫تنظيم القاعدة‬‎

وقد شهدت الفترة نفسها أيضا بعثاً جديداً للحركات القومية البيضاء في الولايات المتحدة وأوربا، وتركز أغلب هذه الحركات على المسلمين كعدو أول، وتركز على عنف الحركات الجهادية الإسلاموية لتبرير خطاب الكراهية الذي تتبناه. لكن، ليس فقط المتطرفين البيض هم الذين يستهدفون المسلمين. ففي ميانمار، يسعى جيل جديد من المتطرفين البوذيين إلى القضاء على مسلمي الروهينجا. وفي الصين، يتم احتجاز الإيغور المسلمين في معسكرات اعتقال من أجل «إعادة تعليمهم».

 واليوم، تبدو مشكلة التطرف في أعقد صورها عبر التاريخ. ربما لا تجافي هذه الصورة الحقيقة بالكلية، وإن كانت لا تعكسها كاملة.. ويؤكد بيرجر على «إننا لا نؤطر دائما لذاكرتنا الجمعية كتاريخ للتطرف؛ ربما لو فعلنا ذلك، لجاءت الأحداث الجارية في سياقها الصحيح… فالأناركيون اغتالوا رؤساء فرنسيين وأمريكيين، وقيصرا روسيا، وملكا إيطاليا، وإمبراطورة نمساوية (ضمن آخرين) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.. وقتل إرهابيون من جميع التيارات (يعبر أغلبهم عن قضايا اليسار) 184 شخصا في الولايات المتحدة  وحدها في سبعينيات القرن الماضي، وأكثر من ذلك بكثير في أوربا. وأطلق قومي صربي الرصاصة التي يُعتقد أنها كانت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب العالمية الأولى عن طريق اغتيال الأرشيدوق النمساوي «فرانز فرديناند». وعاود المتطرفون الصربيون الظهور مجددا بقوة كارثية في تسعينيات القرن الماضي من خلال المذابح التي ارتكبوها بحق المسلمين البوسنيين».

وفي عام 2019، ألهمت القومية الصربية – ولو جزئيا – حادثا إرهابيا في مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا.

Related image

مستقبل التطرف

بغض النظر عن الدور العميق الذي لعبه التطرف في التاريخ، فإنه بالإمكان تحميل بعض عناصر الحياة الحديثة مسئولية تردي الأوضاع إلى هذه الهاوية. أهم هذه العناصر هو انتشار شبكات التواصل الاجتماعي المترابطة عالميا. «إذا كان التطرف يُعرَف من خلال أيديولوجيته، فإن الأيديولوجيا يجب أن تنتقل وتنتشر». وقد لعبت هذه التقنيات دورا لا يضاهى في نشر الأفكار المتطرفة، خاصة في حالتي» «داعش» والحركات القومية البيضاء، فضلا عن دورها البارز في عمليات التجنيد والتعبئة.

لا شك أن المعركة ضد التطرف متجذرة في تاريخ البشرية، تماما مثل التطرف ذاته. وبرغم أنها تحقق تقدما بطيئا، إلا أن بيرجر يبدو متفائلا، حيث أن «منحنى التاريخ يميل باتجاه العدالة، بمعدل خطوة واحدة للخلف مقابل كل خطوتين إلى الأمام».

Image result for ‫مستقبل التطرف‬‎

في الفصل السادس الذي يحمل عنوان The Future of Extremism (مستقبل التطرف)، يؤكد بيرجر أن التاريخ هو الخيط المشترك الوحيد بين كافة تيارات التطرف؛ «ربما يمتلك بعضها ذيولا طويلة، مثل منظمة «كو كلوكس كلان»، أو التيارات النازية، حتى بعد انتهاء صلاحيتها التاريخية، لكن قدرتها على توجيه الأحداث لم تعد فاعلة». ولأن عجلة التاريخ لا تسير في خط مستقيم، وإنما تتبع مسارا دائريا فإن «الحركات المتطرفة دائما تسقط في النهاية»، شريطة إدارة الأزمة على نحو علمي سليم.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: