ثقافة

الكتابة بذاكرة مجروحة.. قراءة مختلفة فى ملف الإبداع السودانى (2-2)

نستكمل في هذا الجزء الثاني والأخير من التحقيق الخاص بواقع الإبداع في السودان، عرض شهادات عدد من المبدعين والمبدعات السودانيين الذين يسلطون الضوء على  واقع الحركة الابداعية في هذا البلد العربي الكبير، والمعوقات التي تحول دون مد جسور التواصل بين مبدعي السودان ونظرائهم في محيطهم العربي، في محاولة لتجاوز تلك الفجوة أو الجفوة التي تشكلت لأسباب عديدة ذاتية وموضوعية.

 

مشهد ثقافي محاصر

يقول الكاتب والناقد جابر حسين: يمكننا أن نقرر بإطمئنان كبير إن حال الآداب والفنون والكتابة علي تنوعها في مشهدنا الثقافي السوداني، فقيرة ومحاصرة، يُضيق عليها وتعاني عسف العسس وملاحقات الأمن الرقابي علي كل توجهاتها.. الشعر والرواية والقصة والمسرح والتشكيل والغناء و الكتابة السردية، جميعها تعاني من الحصار. الفضائيات والميديا عموما، والصحف والمجلات الورقية والمنابر و(الجوائز) ومسئولو الملفات الثقافية، جميعهم يمارسون، بقصد مريب، الإقصاء والمنع للكتابة الجديدة.

  أما القاصة والصحفية نجاة إدريس فتؤكد أن القصة القصيرة والرواية فى السودان حاضرة وبقوة فى الوقت الراهن، وقد ظهرت مؤخرا العديد من المجموعات القصصية والروايات، وتعتبر هذه الفترة هي الأهم من حيث الكم والكيف منذ أن خرجت الرواية والقصة القصيرة السودانية للنور، والتي عرفت أرفف المكتبات فى أربعينيات القرن الماضي.

القاصة والصحفية نجاة إدريس

أما على المستوى الخارجي- تضيف نجاة أدريس- فقد ظلت القصة والرواية السودانية غير متداولة لغير السودانيين وقد سمعت صاحب دار نشر سودانى يقول إن قراءه في المعارض الإقليمية التى يشارك فيها هم من السودانيين.. ولعل ذلك يعود للمبدعين السودانيين وتواضعهم في تقديم أنفسهم وإنتاجهم أمام الآخر الذي لا يكاد يعرف شيئا عن إبداعهم وثقافتهم.

ولكن رغم ذلك فقد أفلح بعض الكتاب الذين خرجوا من السودان في التعريف بالأدب السوداني، كما تشير نجاة علي، كما ساعدت الجوائز العالمية والإقليمية مثل جائزة كيم للادب وجائزة كتارا وغيرهما والتي فاز بها السودانيون في التعريف بالأدب السوداني..لذلك نستطيع القول بأن المشهد السردي لم يتوقف عند الطيب صالح وقد عرف القراء الكثير من الأسماء مثل د.بشرى الفاضل وأمير تاج السر وعلى الرفاعي وعبدالعزيز بركة ساكن، ومنصور الصويم وجميع هولاء كانوا من الفائزين بجوائز خارجية.. كما ساعدت الترجمة في إبراز أسمائهم بعد ترجمة أعمالهم لعدة لغات.

حراك نشط بين مشهد ابداعي حقيقي وآخر مواز

ويقول الروائى نميرى حسين مجاور: غبت عن السودان لمدة ناهزت عشر سنوات، كنت حريصًا على الدوام على التواصل من على البعد مع كثير من المهتمين بأمر الثقافة والأدب من الشعراء والكتَّاب لمتابعة أحوال المشهد الثقافي السوداني، الذي أعدُّه ركيزة مهمة لتقدم البنية الاجتماعية والثقافية السودانية وتطورها. ورغم ضعف الإمكانات وضيق الحال، ما زالت هناك «مواعين» تضج بالأنشطة الثقافية وتقدِّم الجديد في شتَّى ضروب الأدب من رواية، وقصة، وشعر، ودراسات نقدية. ومن هذه المواعين نادي القصة، ومنتدى عطر المساء، ولمَّتنا في كتاب، وغيرها من منافذ الثقافة. ويجب ألا ننسى دور الملفات الثقافية في الصحف والمجلات في عكس الحراك الثقافي في البلاد، مثل صحيفة الصحافة، وصحيفة أخبار اليوم، وصحيفة آخر لحظة، وصحيفة التيار، ومجلة الخرطوم الجديدة، ومجلة سرديات التي يصدرها نادي القصة القصيرة.. كما تواصل بعض الصحف الورقية والإلكترونية نشاطها رغم مقص الرقيب، حيث تساهم في عكس المشهد الثقافي المحلي والإقليمي، ولا سيَّما أدب المهجر الذي يقوم بدور كبير في التعريف بالهوية، والمفردة، والقالب الموسيقي والمعرفي للإرث الثقافي السوداني.

الروائي نميري حسن مجاور

يشير مجاور  في هذا الصدد إلى الدور الذي يلعبه عدد من كبار المبدعي السودانيين في المشهد الثقافي السوداني، منهم على سبيل المثال لا الحصر عبدالعزيز بركة ساكن، وعماد البليك، وآن الصافي، وطارق الطيب، وأمير تاج السر، ومعتصم الحارث، وحامد الناظر، وفضيلي جماع.. فرغم هجرتهم القسرية مازالوا يرفدون المشهد الثقافي السوداني بكتب قيمة ودواوين عظيمة تعكس قيمة وأهمية الأدب السوداني في دول المهجر.

 لكن مجاور يقر بأن المشهد الثقافي السوداني الراهن يعاني من مشكلات كثيرة أضعفته إلى حد كبير..، فلم يَعُد هذا المشهد كما تركته قبل عشر سنوات خلت. ويمكن اختصار هذه المشكلات التي يعاني منها المشهد الثقافي في البلاد في تأثره بتغيُّر معطيات الواقع السياسي، إذ استفاد بعض المتسللين إلى هذا المضمار من التدخلات الكبيرة في إدارة المشهد وفرض الرقابة عليه والتحكُّم في مفاصل الثقافة والأدب والتعاطي معهما مثل التعاطي مع المشهد السياسي، فجاءوا بمشهد موازٍ وفَّروا له كل معينات العمل من مهرجانات ثقافية، وتقديم أوراق نقدية، ودورات علمية وبحثية وثقافية يقوم بتقديمها والاستفادة منها غير أهل الشأن. وفي الوقت نفسه، نجد أن المشهد الثقافي الحقيقي شبه معطل إلا من اجتهادات ومساهمات عضويته المحدودة التي تصِّر على تنظيم أمسيات يضطرون أحيانًا إلى إقامتها في الساحات العامة، مثل الساحة الخضراء، وفي المنازل الخاصة.

 وقد أثَّرت هذه المشكلات تأثيرًا سلبيا، كما يقول مجاور، في نفوس المثقفين والمبدعين السودانيين، فانزوى كثير منهم عن المشهد الثقافي وانشغل بأمور أخرى. وأدَّى هذا الفراغ الثقافي الكبير إلى تمدد أنصاف المثقفين الذين أضعفوا حظ السودان في المشاركات والمسابقات الخارجية، خاصة تلك التي تقام في الدول العربية، والتي بدورها تخاطب رسميًا المشهد الموازي وليس الحقيقي، فتكون النتيجة أوراقًا باهتة لا علاقة لها بالمشهد الحقيقي ولا تُعرِّف بالمكنون الغني للثقافة السودانية، بل إنها تُقدَّم مبتورة وباهتة، فيترك ذلك انطباعًا سلبيا عن المشهد الثقافي السوداني. ولكن العزاء كما أسلفت أن هناك مساهمات قوية ومؤثرة من بعض الكتَّاب والشعراء في الداخل والخارج دفعت المؤسسات العربية والإقليمية إلى إعادة النظر في تقييم المشهد الثقافي السوداني.

الفن التشكيلى السودانى

 أما الفنانة التشكيلية السودانية منى قاسم فتقول: بصفتى فنانة تشكيلية أحاول هنا أن أتحدث عن راهن الفن التشكيلى السودانى فأقول إن حال الفن التشكيلي في السودان كحاله فى باقى البلاد العربية.. أسماء مسيطرة ومهيمنة على الساحة التشكيلية، ولا تأتي هذه الحالة من فراغ بل من تجارب ونجاح حقيقي. ومن الأمثلة على ذلك  الأستاذ الحفّار العالمي محمد عمر خليل المقيم بأمريكا، وإبراهيم الصلحي الذي أصبح ولايزال، ليس بعطائه وحسب بل بفعل الزمن، جزءا من تاريخ الفن التشكيلي في السودان، إلى جانب أسماء اخرى بارز ة في ساحة الفن التشكيلي السوداني، لكننا لم نر جيلا آخر يخلفهم.. فكما كل المجالات يعاني واقع الفن التشكيلي انحطاطا كما الانحطاط في الموسيقى والغناء والسياسة والاقتصاد.

منى جاسم

وترى منى قاسم أن المشكلة- وهي ليست في السودان فقط – هى أننا نجد أن الفنان لكى يصل إبداعه فعليه الإنتاج والإعلام والتسويق لنفسه بينما في الأصل يجب أن ينتهي دور الفنان عندما ينتج عمله، وهنا يأتي دور الوكيل أو الجاليري المسوق، ولكن نجد أن كل هذا أصبح مسئولية الفنان، ومايعرقل الأجيال الجديدة هو الاستسهال والاستنساخ وأيضا الحالة الضبابية التي تخيم على الوضع العام.

 وتضيف: بالطبع هناك فنانون ذائعو الصيت في السودان، لكن السوداني بطبعه لايميل للتحدث عن نفسه كثيرا ،وهناك كثير من الفنانين السودانيين تُعرض أعمالهم في متاحف عالمية مثل متحف تيد بانجلترا، وهم يضاهون الفنانين العالميين، لكن السوداني لايصنع «بروباجاندا» حول نفسه أو عمله فهو يهتم بإبداعه فقط..والمشكلة الحقيقية هي عدم وجود قاعات للعرض، أوجهات تساند الفنانين، وكل فنان يعمل على نفسه مما يجعله منشغلا بأشياء أخرى غير الفن تستنفذ طاقته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق