منوعات

تكلفة الاستقطاب الجماعي: لماذا تزداد وتيرة التطرف والعنف عبر الإنترنت؟

في أوائل سبعينيات القرن العشرين، أجرى عالم النفس ديفيد ج. مايرز تجربة شهيرة حول قوة المجموعات، حيث قام بتقسيم عدة مئات من الطلاب الجامعيين إلى معسكرين بناءً على مواقفهم تجاه الحركة النسوية، وعمل على تكوين مجموعة محافظة وأخرى ليبرالية. ثم تركهم وحدهم للتحدث. وعندما تم حل المجموعات أصبح الطلاب الليبراليون أكثر ليبرالية، بينما زاد تطرف الطلاب المحافظين بشكل حاد.

يُعرف هذا التأثير اليوم باسم الاستقطاب الجماعي، وعلى عكس الظواهر غير المؤكدة الأخرى في مجال علم النفس، تمت المصادقة على هذا الاصطلاح  من خلال العديد من الدراسات الإضافية التي قام بها عدد من الباحثين الذين توصلوا إلى نتيجة مفادها: أن قضاء وقت طويل مع أشخاص يوافقونك الرأى لا يؤدي فقط إلى التفكير الجماعي، لكن يمكن أن يؤدي  أيضا إلى محاولة إسكات المعارضة تدريجياً وصعود الآراء الأكثر قسوة، وتوافق الآراء حولها.

ببساطة، إذا كنت ترغب في جعل الناس أكثر تطرفًا، فلن تضطر إلى تهديدهم أو غسل أدمغتهم. فقط ضعهم في مجموعات متشابهة في التفكير، وستقوم الطبيعة البشرية بالباقي.

الإنترنت.. والتطرف

 السؤال هنا ما علاقة ذلك بالإنترنت؟.. تقريبا كل شيء.. فشبكات التواصل  الاجتماعية، مثل Facebook و Twitter، أشياء كثيرة في وقت واحد: خطوط من الأسلاك و الموجات الحديثة عبر شبكة هاتفية شديدة التطور، مرتبطة بهواتف ذكية رقمية.، بالإضافة إلى مكتبة معلوماتية هائلة تزداد نموا في كل لحظة. لكن قبل كل شيء، تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي آلية للسماح للأشخاص بالعثور على أفراد متشابهين في التفكير وتشكيل مجموعات معهم.

 بالنسبة إلى تقني مثل مارك زوكربيرج (مؤسس فيسبوك)، بدا أن هذه الخاصية تَعِدُ بعصر جديد من السلام والاعتدال عبر الوطنيين (ناهيك عن الربح). لكن بالنسبة إلى عالم نفس اجتماعي، بدا الأمر وكأنه آلة حقن الخطاب العام بالمنشطات الإيديولوجية.

مارك زوكربرج

 وقد كان المتخصصون فى علم النفس الاجتماعي على حق، فعندما تحلل الموجة الأخيرة من العنف المستوحى من الإنترنت – من حادثة  شارلوتسفيل إلى (مذبحة) كرايستشيرش – ستتساءل عن سبب تحول شبكة الأنترنت إلى مشهد وبيئة خصبة للتطرف. بالطبع لم يخلق الانترنت الكراهية كظاهرة،.لكن هناك شيء حول تصميم منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بنا – وربما شيء ملازم للإنترنت نفسه- أدى إلى تضخيم أسوأ الصفات في طبيعتنا. 

متلازمة فيروس الصراخ

الجذور النفسية للكراهية على الإنترنت لها ثلاثة مستويات.. في المستوى الأول هناك استقطاب جماعي وميل طبيعي للناس المعتدلين ليصبحوا نسخًا متطرفة لأنفسهم عندما يتفاعلون مع نظرائهم المتشابهين في التفكير.  أما  في المستوى التالي، فهناك ما يمكن أن يسمى متلازمة  فيروس الصراخ ، وهو الميل الطبيعي لمحتوى الويب للتوجه نحو مشاعر مثل الغضب وجنون العظمة، لجذب الانتباه وتشجيع المشاركة الاجتماعية.

يقول الكاتب والمحلل في مجلة ذي أتلانتيك ألكسيس مادريجال: «الفيديو مكلف حقًا، والمقاطع المُبلغ عنها غالية جدًا حقًا». «أنت تعرف ما هو غير مكلف؟ مجموعة من الآراء العشوائية المزعجة التي تخترق الضوضاء ».

ألكسيس مادريجال

 ومؤخرا قامت أكبر شبكات التواصل الاجتماعي ببناء خوارزميات تؤدي إلى تفاقم الاستقطاب الجماعي وتأثير الصراخ الفيروسي. فعلى سبيل المثال، أدرك المسؤولون التنفيذيون على موقع YouTube أن مقاطع الفيديو المتطرفة والمضللة كانت تعمل على جمع عشرات الملايين من المشاهَدَات، لكن المديرين التنفيذيين للشركة رفضوا التدخل، لأنهم «ركزوا على زيادة وقت المشاهدة وتدابير المشاركة الأخرى»، وذلك وفقًا لتقرير  وكالة بلومبرج في أبريل الماضي.

يقول مادريجال: «الشيء الأول الذي يحدث عندما تنظر إلى أوجه القصور في مختلف المنصات، يوتيوب وفيسبوك على وجه التحديد، هو أنك ترى هذا النوع من عدم المسؤولية». كانت الشبكات الاجتماعية تنطلق في بلدان لا يعرفون فيها حرفيًا ما يقوله الناس. والآن يُطلب منهم عبر الشبكات الاجتماعية الدفاع عن الانتخابات ،كما يُطلب منهم، على سبيل المثال ، فهم الديناميات الاجتماعية في كل مكان يتواجدون فيه».إذا كنت تعتقد أن المحرك الرئيسي للتطرف عبر الإنترنت هو مسألة متعلقة بالجبر والحسابات، فمن المحتمل أن تكون حلولك المفضلة هي تعديلات خوارزمية، لكن هذا لا يكفي. فقبل كل شيء، توجد إخفاقات في الإنترنت موجودة بسبب الميول الطبيعية لسلوك المجموعات، ولإصلاح مشكلات الوسائط الاجتماعية ، يجب عليك أولا معالجتها على مستوى المجموعة.

بحسب ويتني فيليبس، أستاذ مساعد في التواصل والخطابة في جامعة سيراكيوز ، فإن النظام البيئي لخطاب الكراهية عبر الإنترنت يشبه هرم الكتلة الأحيائية – حيث الحيوانات المفترسة في القمة، مثل أليكس جونز، في الأعلى، والبقية منا يلعبون دور الديدان والفطريات في القاع.

أليكس جونز

تفرج ولا تشارك

يقول فيليبس إن «السبب في أن أليكس جونز وغيره من مروجي خطاب الكراهية والعنصرية والمتطرفين لديهم تلك المنصة، هو أن الآخرين يتفاعلون معهم». «هذه الرسائل قادرة على الانتشار أكثر وأسرع مما كان يمكن أن تفعله من تلقاء نفسها لأننا نشاركها». ينمو فيروس التطرف البغيض لأن الكثير من الناس يشاركونه – حتى لو كان دافعه للقيام بذلك أن يشيروا إلى مدى فظاعته. قد يبدو هذا وكأنه دائرة مغلقة: تجاهل المتعصبين وكن متفرجًا، أوانتقدهم علنًا . يقول فيليبس: «القضية قديمة و ممتدة منذ أجيال». «إذا عدت ونظرت إلى الموجة الاولى لهذا النسق الفكري في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي»، فقد استخدمت وسائل الإعلام حجم المشاهدات التي تحصل عليها  بسبب ما تبث من مواد وقصص، كعامل للدعاية.

تتطلب محاربة التطرف استراتيجية هرمية الشكل. في الجزء العلوي، يتطلب الأمر من شركات وسائل الإعلام الاجتماعية اتخاذ خطوات أقوى لحظر مروجي التطرف ومراقبة خطاب الكراهية، كما بدأوا بالفعل. لكن البقية منا، وهم هرم الكتلة الحيوية، يمكنهم أن يفعلوا شيئًا أفضل أيضًا. إذا فهمنا الأصول النفسية للتطرف عبر الإنترنت، فيمكننا لعب دور مهم بنفس القدر في الحد من انتشار أكثر الأفكار شراً.

يتمتع مستخدمو الإنترنت اليوم بقدرة البث والتي كانت حقا حصريا محفوظا للصحفيين، لكن القوة الصحفية تأتي مع المسؤوليات المهنية. وهنا يقول فيليبس إن على مستخدمي الإنترنت أن يتصرفوا كصحافة مسؤولة. وإحدى الطرق  لذلك  هي أن يسأل المستخدمون سؤالًا بسيطًا قبل الضغط على زر المشاركة: «ما الذي تحققه مشاركة هذا المحتوى؟ هل مجرد جعل شبكتي الاجتماعية لوحة أكثر تطرفًا  وفوضى، أم أنها تضيف المحبة والتفاهم إلى العالم؟ ».. بعض التطرف يستحق الإدانة العلنية. ولكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل مقاومة تقديم خطاب بغيض، بمنعه من الانتشار وعدم الترويج له.

تعريف بالكاتب

ديريك تومبسون هو كاتب في The Atlantic، حيث يكتب عن الاقتصاد والتكنولوجيا ووسائل الإعلام

DEREK THOMPSON

يمكنك الاطلاع على المقالة الأصلية من هنا  

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق