منوعات

حلمي شعراوي.. سيرة مصرية إفريقية(1): صفحات من حياة عاشق إفريقيا

يُوصف الباحث المرموق حلمي شعراوي بأنه عاشق أفريقيا الأول،و المناضل من أجل حركات التحرر الوطني بالقارة السمراء، ولذلك فإنه حين يروي سيرته الذاتية، لا ندري أهو يروي عن سيرة حياته فحسب أم أنه يروي التاريخ الاجتماعي لمصر وأفريقيا في آن واحد. فعلى إمتداد كتابه المعنون «حلمي شعراوي.. سيرة مصرية إفريقية»، الذي حررته الدكتورة «ريم أبو الفضل» المدرس بكلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن، والصادر عن دار «العين» للنشر عام 2018، يتناول حلمي شعراوي سيرة حياته ممزوجة بتناول التاريخ الاجتماعي لمصر وأفريقيا، منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي حتى الآن، والدور الذي لعبته مصر في دعم حركة التحرر الوطني الإفريقي، وإنحسار هذا الدور في الوقت الراهن. وإدراكا من موقع «أصوات أونلاين» لأهمية هذا الكتاب الذي يحوى بين دفتيه تاريخا ممتدا للعلاقات المصرية والأفريقية،  بأكثر مما يروي السيرة الذاتية الحافلة للكاتب الذي كان شاهد عيان على كثير من وقائع هذا التاريخ، فإننا نقدم  وعلى مدى عدة حلقات، عرضا وافيا لهذه السيرة والمسيرة الثرية، نتعرف خلالها على رحلة ذلك العاشق لإفريقيا منذ كان صبيا حتى اليوم.

اقرأ أيضا:

حلمي شعراوي ورحلته مع إفريقيا.. السيرة الذاتية حين تكتب التاريخ

«الفدائيون مروا من هنا»

«الفدائيون مروا من هنا».. كانت تلك العبارة واحدة من أشهر العبارات التي شاعت كتابتها على جدران بيوت حي السيدة زينب بالقاهرة، حين قدم الصبي حلمي من قريته «أبو كلس» وهى قرية صغيرة من ملحقات قرية دنشواي بالمنوفية، عام 1947/1948، بصحبه أبيه «الحاج محمد»، ووالدته السيدة «نفيسة محمود» وأخته «رقية» ليجتمع شمل العائلة بالقاهرة، مع أخته الكبرى «زينب» التي تدرس «بمدرسة السنية» للبنات، وأخيه «أحمد» خريج المعاهد الفنية الزخرفية، واللذين كانا قد سبقاه في المجيء إلى القاهرة لتلقي العلم، وذلك بعد أن أتمت العائلة زواج أخته «فاطمة» بأحد أقارب الأب. في الكتاب يروي حلمي شعراوي عن فترة الصبا والشباب بحي السيدة زينب، وكيف أنها جاءت مصحوبة بالحديث عن حرب فلسطين، وأعمال الفدائيين في منطقة القناة، وتزوير الإنتخابات ضد حزب الوفد، وشعارات حركة «حدتو» اليسارية على جدران المساكن، ضد الإستعمار الإنجليزي، وشعارات «الفدائيين»، وما أشتهر بين الصبية والشباب آنذاك من شعار «الفدائيون مروا من هنا». يلتحق حلمي بالمدرسة الخديوية الثانوية، فيشعر أنه قد أصبح داخل «عالم التمرد الحقيقي» كما يصفه، ذلك أن تلك المدرسة كانت أحد مراكز نفوذ «الوفديين» ممن يقودون المظاهرات الداعمة  للنحاس باشا وحزب الوفد، والخروج عام 1954 في المظاهرات المطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته، والإعتراف بالأحزاب السياسية.

مصطفى النحاس

لكن المثير في سيرة حلمي شعراوي في مرحلة الصبا، جاء مع ما رواه عن «الحارة» التي كان يعيش فيها بحي السيدة زينب ،وكيف أنه ومعه سبعة أو ثمانية من الصبية (12 – 15 عاما) من سكان الحارة، شكلوا عام 1950/1951، ما أطلقوا عليه «الاتحاد»، وكان هذا «الاتحاد» يصدر مجلة ورقية مكتوبة «بخط اليد» تحمل عنوان «الشعلة» مازال شعراوي يحتفظ بنسخة من أحد أعدادها حتى يومنا هذا. إنحاز صبية «الاتحاد» إلى حركة الضباط الأحرار، عام 1952، ومن ثم وضعوا صورة لمحمد نجيب وجمال عبد الناصر، على أحد أغلفة مجلتهم «الشعلة»، وكانت الفترة ما بين عامي 1952 و 1955، فترة غنية في حياة تلك المجموعة «الاتحاد» والتي أمتد نشاطها من الحارة إلى المدرسة «الخديوية الثانوية». Related image

جمال عبد الناصر                                    محمد نجيب

الإخوان المسلمون ومرحلة الشباب الأولى

انتقل حلمي من مجموعة «الاتحاد» بصحبة بعض رفاقه إلى مظلة جماعة «الإخوان المسلمين»، لتبدأ رحلة جديدة من رحلاته العديدة ينطلق فيها بصحبة كتب «الإمام» حسن البنا ورسائله، وكتب الشيخ سيد سابق وكتب محمد الغزالي، ومحمد قطب وسيد قطب، إلى جانب سيرة ابن هشام وتفسير ابن كثير، حيث يتناول حلمي تلك المرحلة فيما بعد بأحد كتاباته تحت عنوان «تأسيس الراديكالية» في فكر الكادر الإسلامي. Related image

حسن البنا                                                 سيد قطب

لكن حلمي شعراوي سرعان ما يجمد عضويته بجماعة الأخوان وصولا إلى الإنعزال التام عنها، بعد أن لاحت له بدايات حالة الصراع الدموي والذي تجلى في حادثة المنشية بالاسكندرية في 26 أكتوبر عام 1954، فيما عرف بمحاولة إغتيال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. إلا أنه مع ذلك حرص على استمرار علاقته برفاق حارته، من جماعة الاخوان المسلمين، حتى بعد تعرضه للإعتقال «بالسجن الحربي» لعدة ليالي، بسبب علاقته بأحد أعضاء تلك الجماعة آنذاك.

جامعة القاهرة وبداية الرحلة

التحق حلمي شعراوي بكلية الآداب بجامعة القاهرة، عام 1954، ليتخصص في علم الاجتماع والأنثربولوجيا، وكان مشهد الحواجز الأمنية التي تحيط بالجامعة،كما يقول، أول مشهد صادم له، ذلك أن الجامعة لم تكن تعرف تلك الحواجز الأمنية من قبل، منذ نشأتها عام 1908. لم يكتف حلمي بما يحصله من علم بقسم اجتماع، بل سعى إلى جانب ذلك إلى حضور العديد من المحاضرات بمختلف اقسام الكلية، التي كان يلقيها أساتذة الثقافة العربية، أمثال طه حسين ومحمد مندور ومصطفي سويف، وزكي نجيب محمود وعثمان أمين وغيرهم. كما عمل على توطيد علاقته بالعديد من الأصدقاء من تخصصات مختلفة بالكلية ،منهم عبد الحميد حواس وعبد المحسن طه بدر من قسم اللغة العربية ووحيد النقاش من قسم اللغة الفرنسية وغيرهم، ممن كان لهم بالغ الأثر في تكوينه المعرفي، حيث كان ورفاقه منشغلين بقضايا الآداب والشعر والثقافة، حيث تعرف في رحاب كلية الآداب على الشاعرين المعروفين صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وبعض «الشباب العرب» من لبنان وسوريا على وجه التحديد، كان منهم المخرجة الراحلة نبيهة لطفي. وهكذا جاءت مرحلة الجامعة بالنسبة لحلمي شعراوي مصحوبة بالنقاشات الممتدة بساحة الجامعة، وبما عرف بالمقاهي الثقافية مثل مقهى «ماتاتيا»، وقد تزامن ذلك مع خروج مصر من العدوان الثلاثي عام 1956 بسلام، وما رافق هذا الحدث الضخم من طرح رؤية جديدة تجاه المعسكر الشيوعي، تزعمتها مجموعة من الصحفيين ممن التفوا حول الضابط اليساري خالد محيي الدين، الذي استبعد من «مجلس قيادة الثورة»، فاولى اهتمامه بالفكر والثقافة، ومن ثم أسس صحيفة جديدة باسم «المساء» كانت بمثابة مأوي للمظلومين من الصحفيين اليساريين، وداعمة لمبدعيهم.

خالد محيي الدين

وخلال تلك الفترة سافر عدد من الكتاب والشباب المصريين إلى بلاد «المعسكر الإشتراكي»، أو الكتلة الشرقية، كما واكب تلك الحالة عرض لأفكار النموذج السوفيتي في مجال الثقافة ومؤسساتها، لاسيما أن الحركة الشيوعية المصرية بدأت حركتها موالية تماما للفكر الاشتراكي السوفيتي، وفي هذا السياق التحق حلمي شعراوي «بمدرسة الألسن» لدراسة اللغة والأدب الإنجليزيين، إلى جانب دراسته لعلم الاجتماع والأنثربولوجي، فتعرف خلال ذلك على الأستاذ الروسي الدكتور «كالينين» أستاذ التاريخ وزوجته استاذة اللغة الروسية، اللذين  مثلا بالنسبة له نافذة جديدة على عالم العلاقات الدولية، وبهذا لم يكن إلتحاق حلمي بالجامعة، مجرد خروج من عالم الحارة إلى عالم الجامعة، بل كانت علاقته بهما علاقة خروج إلى العالم الإنساني بمعناه الواسع، حيث تعرف حلمي عبر هذه الأسرة الروسية على معالم النظام الاشتراكي بشكل عملي. ليعود حلمي بعد ذلك إلى الكلية حيث تزدهر نقاشات القوميين العرب، الوافدين إلى القاهرة، ومعهم أفكارهم المتعلقة بحزب البعث، وإنتماء عدد من المثقفين والأدباء المصريين لذلك الفكر البعثي الذي كانت تجرمه السلطة المصرية أنذاك، مثل تجريمها للحركة الشيوعية، وذلك على الرغم من كونها تردد الكثير من الأفكار ذات النغمة القومية.  وفي هذا الصدد يرى حلمي شعراوي أن المشكلة من وجهه نظره عند جمال عبد الناصر، لم تكن تتعلق بالأفكار في حد ذاتها بقدر تعلقها «بالتنظيم» الذي يضم حاملي هذه الأفكار، ذلك أن الأفكار العلمانية كانت سائدة دون حرج، كما كانت الماركسية حاضرة في المجلات ودور النشر والندوات دون حرج أيضا ولكن «بعثي» أو «شيوعي».. «يوك» على حد وصف حلمي شعراوي. وفي عام  1958، حصل حلمي شعراوي على ليسانس الآداب وعمره 22 عاما، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته العملية…

(يتبع )

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق