منوعات

الصوفية المجاهدة (3): الإمام شامل.. قائد جيش المريدين القوقازي الذى هزم الروس في حروب الغابات

في نهاية القرن الخامس عشر الميلادى، كانت مناطق الشيشان وداغستان والشركس وباقي الأراضي بين البحر الأسود وبحر قزوين الخاضعة لحكم الدولة العثمانية- والتي كان يقطنها مئات القبائل المسلمة الناطقة بالعربية – تداعب مخيلة القيصر الروسي إيفان الثالث، فوجه قبائل القوزاق الموالية للدولة الروسية الوليدة بالغزو التدريجي لأراضي المسلمين في إقليم القوقاز، وعلى مدار القرون الثلاثة التالية كانت الأسر القوزاقية  قد تجمعت في الإقليم، وامتزجت مع القبائل المحلية، وتزاوجوا فيما بينهم وإن احتفظوا بالمسيحية دينا وبالروسية لغة.

ومع مجىء حكم بطرس الأكبر، وفي عام 1722م وقع أول صدام بين القوات الروسية والشيشانيين. وبعد هذا الصدام انتظمت صفوف المقاومة الإسلامية تحت زعامة الإمام منصور (ولد في عام 1732م) الذي استطاع بفهمه العميق للقرآن أن يحول شيوخ القبائل إلى الإسلام، ونظّم عبر مجالس الطريقة النقشبندية حركة من الأتباع والمريدين لمواجهة التوغل الروسي في القوقاز. وحقق مجموعة من الانتصارات حتى أوقع به الروس ومات في الأَسر سنة 1794 م.

الإمام منصور

 غير أن المسرح الشيشاني لم يهدأ بعد موت الإمام منصور إلا لعقدين من الزمان، ففي عام 1829م بدأ الملا محمد غازي  بمعاونة اثنين من أصدقائه هما(حمزة بك) و(شامويل) أو «شامل» تحريك شعوب الجبال نحو حرب مقدسة لمواجهة روسيا، وقد اشتهر بقدرته في التأثير على مريديه بسحر الكلمة وبلاغتها، ونجح في تحويل جزء كبير من سكان الجبال الشيشانية من الوثنية إلى الإسلام، حتى نجح الروس في القضاء عليه بمعركة (غيمري) التي لم ينج منها سوى القلائل من كبار قادة جيش المريدين كان من بينهم حمزة بك الذي قاد المقاومة بعده لبعض الوقت ثم شامويل أو(الإمام شامل) الذي توارى عن الأنظار حتى شفيت جراحه.

شامل.. وجيش المريدين

ولد علي بن دينغو، في قرية غيمري (Gimry) في داغستان ما بين عامي 1796/1797م من أصول آفارية، كان طفلا مريضا شاحبا يحمل أسم «علي»، وعندما بلغ الثامنة من عمره غير أبوه اسمه إلى شامويل -تعني السعيد- أملا في أن يتعافى الصبي. وكانت سنوات الطفولة والساعات الطوال التي قضاها مشتغلا بالرعي على سفوح جبال القوقاز فرصة في أن يتأمل ما تعلمه في المسجد من دروس في التفسير والحديث وقواعد اللغة العربية والشريعة الإسلامية.

تفتح قلب الصبي على تلك الحالة الروحية المنتشرة في أرض القوقاز، وتتلمذ على أيدي علماء الطريقة النقشبندية التي كانت حاملة لراية الجهاد في القوقاز وآسيا الوسطى، وأنضم جنديا إلى قوات المريدين، فأمضى شطراً من حياته في خيام القادة العسكريين يتعلم سبل مواجهة هجوم أو شن غزوة من الغزوات، وقد منحته الصوفية قدراً وافراً من ضبط النفس والقدرة على التحليل والتعلم من الماضي، والاعتقاد بأهمية القيادة الدينية الروحية في حماية والحفاظ على مستقبل ومصير الشعوب، وقد جعلته الحالة الروحية التي لازمته ينتصر لإيمانه ودينه على خلافات القوميات والأعراق.

وعلى الرغم من زهد وورع الإمام شامل إلا أن شخصيته اتسمت بالقوة والايجابية والفاعلية، فقد طرد من مريديه من مال للدروشة والانصراف عن الواقع، فلم يقبل منهم إلا من حمل السلاح مجاهدا ومدافعا عن أراضى المسلمين، وحين كان يشعر أن قواته قاتلت من أجل الغنائم كان يلقي الغنائم في بحيرة في الجبل، وهو ما يجعل سكان بعض القرى القوقازية يعتقدون  بوجود صحون ذهبية وأزرار وأغماد سيوف ياقوتية وأساور وخلاخل زمردية وكاسات شراب مرجانية وكهرمانية في مياه العديد من البرك الجبلية القديمة، هي تلك التي ألقى بها الإمام شامل حفاظا على وحدة صف قواته، وإنقاذهم من المطامع وإخلاص النية لله.

كان المريدون يشكلون معظم جيش شامل بعدما تم تقسيمهم إلى فرق العشرات والمئات والخمسمئات ولكل فرقة قائد، فبعد مقتل حمزة بك في عام 1834م أعاد شامل تنظيم جيش المريدين على نمط أعدائه الكوزاك (القوزاق) بشكل أشبه  بالتنسيق الاتحادي الحديث، كما نظّم العمل البريدي في دولته، ونسق الإنفاق على الجيش من ريع الأراضي الزراعية التي ضُمت إلى المساجد، كما نظم جمع الزكاة لتجهيز الجيش.

انتصار ساحق

استمرت المقاومة بقيادة شامل في مسلسل متوالي الحلقات بأسلوب حرب العصابات والكر والفر، إلى أن نفذ شامل انسحابا تكتيكيا إلى داخل الجبال، مغريا الروس بالتوغل خلفه عبر الغابات الكثيفة، فانقض عليهم المريدون من جهات مختلفة، واستخدم المقاتلون أحد قارعي الطبول الذين تم أسرهم في العزف لحث الجنود الروس على التوجه نحو شرَك أعدوه، قتلوا فيه أكثر من نصف ضباط الحملة، وتوالت الهجمات على الجيش الروسي المرتبك؛ ويقدر المؤرخون نتاج معارك الغابات التي استمرت أربع سنوات بنحو عشرة الآف قتيل روسي.

تمكّن شامل في سنتين من الاستيلاء على 18 مدفعا روسيا بشكل بدا وكأن جيشا جديدا يبنى لشامل من المدافع الروسية التي لم يكن يملكها المريدون، كتب أحد الجنرالات الروس في مذكراته معلقا على ما رأى: «يا لها من مصيبة مفجعة، إن الرجال الذين تناثرت أشلاؤهم هنا كان بمقدورهم فتح بلاد تمتد من اليابان في الشرق إلى أوكرانيا في الغرب».

خلال سنوات حربه ضد الروس لم يكن الإمام شامل يغفل ضرورة تماسك جبهته الداخلية، وقد أُكتُشف مؤخرا عدد من الرسائل التي أرسلها الإمام (شامويل) – أو شامل بحسب شهرته في أرض العرب، يقول في إحداها:

«من الكاتب الفقير شمويل إلى إخوانه الكرام قاضي وعلماء وجميع جماعة (بن):

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وصانكم الله تعالى من كل آفة ما ظهر منها وما بطن أمين أما بعد…فاعلموا – يا إخواني – أني تركت أخذ كافلكم للرهن ثقة بكم أن لا تخونوا دين الله تعالى ورجاء أن يكون ذلكم الترك سببا لزوال الكدورة من بينكم، وزيادة الألفة والمحبة فيكم فلا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا يقصد بعضكم ضر بعض ولا تكونوا جواسيس (أنصال) لإيصال المضرة إلى بعضكم وكونوا عباد الله إخوانا»

سنوات الأسر

كان الإمام شامل قد بلغ من العمر الستين عاما حين كلف القيصر الروسي الجنرال الشاب بارتنيسكي بمواجهته والقضاء عليه، عكف الأخير على دراسة المعارك التي خاضها الإمام  شامل وانتصر فيها على قوات القيصر الروسي، وقد انتهي إلى استراتيجية حربية تفيد  بتعمد الإمام شامل عدم خوض المعارك المفتوحة أمام قوات الروس، وإنما يلجأ إلى حرب العصابات من خلال الغابات والجبال المنتشرة في إقليم داغستان. فحوّل بارتينسكي جيشه من جنود يحملون البنادق إلى قاطعي أخشاب يحملون الفئوس فأزالوا مساحات واسعة من غابات داغستان والشيشان، وهكذا ضيّق الخناق على قوات الإمام شامل الذي سقط في خديعة تحرك جزء من القوات الروسية كان يتابع أنباء تحركاتها بينما هوجم جيشه من جانب آخر فسقط في الآسر، ونقل في رحلة طويلة إلى موسكو في موكب بدا وكأنه استعراض عسكري بالبطل الذي سقط أخيرا، وقد لاقى الإمام شامل احترام وتقدير العدو الروسي طوال سنوات آسره.

 يحكي الفريق محمد فاضل باشا الداغستاني الذي كان أسيرا لدى الروس مع الشيخ شامل في مذكراته فيقول: «كان الشيخ شامل مدعوا إلى إحدى الحفلات المقامة في قصر الإمبراطور إسكندر الثاني، وبينما كان جالسا بجانب القيصر على المائدة التفت إليه القيصر وأظهر له عظيم الاحترام والتقدير وقال له: (إنني فخور جدا أن أرى في مثل هذا اليوم السعيد رجلا عظيما مثلكم في ضيافتي) فالتفت الإمام شامل إلى القيصر وأجاب بهدوء: (لو أن شخصكم الكريم كان في أسرى وضيافتي لكان سروري أعظم وافتخاري بذلك أجل)».

Image result for ‫محمد فاضل باشا الداغستاني‬‎

محمد فاضل باشا الداغستاني

ظل الإمام شامل في موسكو حتى  عام 1869م حينما استجاب القيصر الروسي لطلبه بأداء فريضة الحج. ومرت رحلته من موسكو إلى كييف إلى القسطنطينية، ومنها إلى المدينة المنورة؛ حيث لقي ربه في عام 1871م، بعدما ضرب أروع الأمثلة كأحد أبرز وجوه الصوفية المجاهدة ضد الاحتلال الخارجي في عصور الاستعمار.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق