رؤى

عوامل تعزيز التطرف العنيف في البيئة المحلية: الفيوم نموذجا

كانت محافظة الفيوم مسرحا لعدد كبير من الهجمات الإرهابية التي وقعت في ذروة الموجة الإرهابية الأخيرة، وخاصة بين عامي 2014 و 2015. فبينما تصدرت محافظة شمال سيناء مسرح عمليات الإرهاب الناشئ من تنظيمات سلفية جهادية مثل أنصار البيت المقدس المرتبطة بداعش وغيرها من التنظيمات المرتبطة بالقاعدة، كانت محافظة الفيوم في صدارة المناطق التي شهدت هجمات حملت توقيع جماعات التطرف العنيف المنبثقة من الإخوان.

ولذا كان السؤال مُلحاً؟ لماذا انطلق من الفيوم تحديدا تيار التطرف العنيف المرتبط بجماعة الإخوان؟ وكيف ساهمت الظروف الاجتماعية والاقتصادية وأيضا الجغرافية بالمحافظة في تعزيز هذا التوجه لفترة من الوقت؟

نحاول في هذا المقال الإجابة على تلك الأسئلة من خلال تحليل تحليل موضوعي، دون وصم المحافظة بالإرهاب أو توجيه أي إدانة عامة لأهلها البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة ويتوزعون في نطاق جغرافي يصل الي 6068 كم مربعا.

البعد السياسي

البعد الأول في هذا التحليل هو بعد سياسي، إذ يتمتع التيار الإسلامي في الفيوم بشعبية كبيرة اتضحت بشكل خاص منذ 2011. ويمكن أن نستدل على هذه الشعبية الطاغية من خلال قراءة التوجهات التصويتية لأهل الفيوم خلال دورة الإعادة بالانتخابات الرئاسية عام 2012. ففي الوقت الذي انقسمت فيه المحافظات المصرية في التصويت بشكل متقارب بين المرشحين الرئاسيين آنذاك أحمد شفيق ومحمد مرسي، كانت هناك محافظات تصوت لمرسي بشكل طاغ، وهي مطروح بنسبة 80.1%، والفيوم بنسبة 77.8% وبني سويف بنسبة 66.5%. وهو ما  أظهر شعبية كبيرة للإخوان في تلك المحافظات آنذاك. وبالمثل فإن هذا الحماس الكبير لانتخاب مرسى خلال الانتخابات الرئاسية قد انعكس بحماس كبير أيضا للانتقام عقب الإطاحة به في ثورة 30 يونيو. إذ يمكن تفسير الجنوح للعنف هنا بالرغبة في الانتقام والاحتجاج على الإبعاد من دائرة صنع القرار، وهذا يعد مسوغا مهما من مسوغات الجنوح للعنف ضمن الأدبيات ذات الصلة.

غير أن نجاة محافظة مطروح من الانزلاق للعنف يمكن تفسيره باعتبارها محافظة حدودية هامة، وبالتالي توليها القوات المسلحة اهتماما خاصا وتنفذ فيها برنامجا تنمويا وخدماتيا أقرب الي رضاء الأهالي، مما جنبها العنف والإرهاب.

ويتكامل مع هذا الأمر، ما أشارت اليه تقارير عن أن أعضاء المكاتب الإدارية بالإخوان المسلمين في محافظتى الفيوم وجارتها بني سويف، كانوا من أشد المتحمسين لاعتماد طريق العنف كاستراتيجية ضد الدولة ما بعد 30 يوينو. ومن ثم فقد سخّروا الإمكانيات المالية المتاحة لهم والغضب المنتشر في أوساط الشباب الموالين لهم بعد إزاحة محمد مرسي، من أجل تعميق أسلوب العنف واستهداف رجال الشرطة والمنشآت الحيوية ومحاولة تخريب المرافق الاقتصادية والبنية التحتية.

وقد انقسمت قيادة جماعة الإخوان لاحقا إلى تيارين: تيار يريد تعميق نهج العنف والإرهاب وكان يضم المكاتب الإدارية المذكورة، وتيار آخر يخشى من افتضاح أمر تأييدهم للعنف والإرهاب، بما يؤثر على سمعة الإخوان على المستوى الدولي ويستتبع إجراءات أمنية قد تؤدي الي إدراجهم على قوائم إرهابية عالمية أو تؤدي الي تقييد حركة قياداتهم في الخارج وتعقبهم بالملاحقة القضائية. ورغم هذا الشقاق بين شقي القيادة الإخوانية، فإن الفارق لم يكن في جوهر تأييدهم للعنف ضد الدولة – إذ يتساوى الطرفان في هذا الصدد، وإنما كان  في مدى وشدة هذا العنف ونطاق اتساعه بما يؤدي أو لا يؤدي إلي وصمهم بشكل حاسم باعتبارهم جماعة إرهابية.

العامل الاقتصادي

 أما البعد الثاني في تحليل أسباب تنامي ظاهرة التطرف العنيف في محافظة مثل الفيوم فيتصل بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية ،إذ أن المفترض  هو أن المناطق التي يخرج منها الإرهاب وتعتبر بيئة حاضنة له هي المناطق الأكثر فقرا. وبالرجوع الي معدلات التنمية البشرية (تقرير التنمية البشرية بمصر عام، 2016)، نجد أن الفيوم تأتي بالفعل ضمن المحافظات الأكثر فقرا، حيث أنها في ذيل قائمة المحافظات من حيث التنمية، في المركز 21، ولكن يليها محافظة أسيوط في المركز 22. ووفق هذا الترتيب (الذي يستبعد المحافظات الحدودية بطبيعة الحال) فإن أسيوط تعد أكثر حرمانا وفقرا من الفيوم، لكنها لم تشهد مثل هذه الهجمات الإرهابية، فلماذا إذن؟

يبدو أن الفقر المطلق ليس محدداً وحيداً لمسألة انتهاج العنف والإرهاب، بل لابد أن يتقاطع مع عوامل ومؤثرات أخرى. وهنا نجد أن مشكلة الفيوم ليست في الفقر المطلق فقط، وإنما في الشعور بالحرمان النسبي والتهميش الاقتصادي مقارنة بالمركز القريب جغرافيا (القاهرة) الذي يتمتع بكافة الخدمات الأساسية. فالفيوم لا تبعد عن القاهرة أكثر من 90 كم، ولذا فأهلها لهم القدرة على السفر الدائم للعاصمة والإطلاع على الظروف المعيشية فيها والتي قد يفتقدونها في محافظتهم.

ويتكامل مع جدلية الحرمان النسبي، أن معدل الفقر بالفيوم يبلغ حوالي 35% من جملة سكانها، ولكن التركيب السكاني للمحافظة يتوزع بين عائلات واسعة الثراء والنفوذ والقرب من الدوائر الحكومية، وبين عائلات شديدة الفقر، ومحدودة التأثير والنفوذ ضمن الدوائر المحكومية بما يجعلها أقرب إلي التهميش. وبالتالي فإن الحرمان النسبي ينعكس على موقع الفيوم من القاهرة، وينعكس أيضا داخليا ضمن التركيبة العائلية لسكانها، حيث تتجاور القصور الفارهة مع العشش الفقيرة المحرومة. وهو الأمر الذي لا يتحقق في أسيوط بنفس الصورة – خاصة مسألة القرب من العاصمة- وبالتالي فإن شرط الحرمان النسبي غير متوفر في هذا الإطار. لكن أسيوط باعتبارها كانت مسرحا للموجة الإرهابية الأولى في الثمانينيات والتسعينيات، فإنها قد وعت الدرس جيدا وتحسبت لتداعيات مثل هذه الأعمال، بل واطلعت على المراجعات الفكرية من خلال أبنائها الذين انتموا لتنظيمات العنف السابقة (الجماعة الإسلامية والجهاد)، ولذا فقد كانت أشد تحصينا ضد الإنزلاق في العنف في المرحلة الراهنة.

يُضاف الي هذا التحليل مسألة اعتماد الفيوم بقدر كبير في نشاطها الاقتصادي على الزراعة، إذ أن المساحة المزروعة منها تبلغ حوالي 30% من مساحتها، وتقوم بزراعة المحاصيل الأساسية كالقمح والقطن والأرز والذرة الشامية (تقرير التوصيف البيئي للفيوم، 2007). ولذا فإن بيع هذه المحاصيل للدولة وفق أسعار محددة مسبقا، يجعل من النشاط الاقتصادي للمحافظة بيد الدولة بشكل شبه كامل. وهو ما يمهد لإمكانية أن تقوم الدولة بشكل ناجح بإعادة توجيه البوصلة الاقتصادية لإحداث طفرة تنموية بالمحافظة، مما يحسن من ظروفها المعيشية. ولعل أولى الخطوات في هذا الإطار لابد أن تتمثل فى رفع معدلات الانخراط في التعليم الأساسي، الذي تأتي الفيوم فيه، في ذيل قائمة المحافظات جميعا (متراجعة حتى عن أسيوط)، إذ يبلغ عدد السنوات المتوقع للدراسة 11.9، بينما يبلغ متوسط عدد سنوات الدراسة الفعلي بالمحافظة 6.1 فقط. ولذا فلابد من التركيز على التعليم من أجل توفير فرص بديلة للنشاط الاقتصادي المنتشر كالزراعة أو تصدير العمالة محدودة المهارات للقاهرة أو لدول الخليج أو ليبيا أو حتى الي إيطاليا بشكل غير نظامي.

البعد الجغرافي

عادة ما يتم إهمال البعد الجغرافي في مثل هذه السياقات، لكن هذا البعد في حالة الفيوم يعد مهما للغاية، لأنه وفّر لجماعات العنف والإرهاب ميزة مهمة تم استغلالها من قِبَلِهم في تعزيز التخريب. فعلى عكس أغلب محافظات الوادي التي تُطَوَّق بعوائق صخرية من الجانب الغربي، تقع  محافظة الفيوم في منخفض أرضي وتحيط بها من كل الجوانب محافظتا الجيزة وبني سويف. ونجد أن الفيوم محاطة من كل الجهات بمساحات صحراوية تصل الي 60% من جملة مساحة المحافظة، باستثناء الجهة الجنوبية الغربية التي تتصل فيها بمحافظة بني سويف عبر منطقة زراعية. وهكذا فمن حيث الجغرافيا، تعتبر أطراف مدينة الفيوم مكانا مثاليا لنمو خلايا التطرف العنيف والإرهاب. فالمنطقة الصحراوية التي تقع إلي الغرب من مدينة الفيوم مفتوحة بشكل سلس على الصحراء الغربية وصولا الي الحدود الليبية، وما يرتبط بذلك من استفادة العناصر الإرهابية من عمليات تهريب السلاح عبر الحدود مع ليبيا.

على الجانب الآخر، كانت القوات الأمنية بالفيوم هدفا سهلا لنيران المجموعات الإرهابية بحكم أن التكوين العمراني للمحافظة يجعل من المقرات الأمنية وأقسام الشرطة قريبة للغاية من التجمعات السكانية مما يسهل عملية «الضرب والهروب»، ويعقّد من التعقب اللاحق لتنفيذ هذه العمليات. وقد ضاعف من هذا العامل، مسألة أن الفيوم مرتبطة بشبكة ممتازة من الطرق السريعة، التي  تساعد في هروب هذه العناصر الي نحو ست محافظات أخرى بشكل سريع هربا من الملاحقة. إذ يمر عبر الفيوم طريق «القاهرة-الفيوم» وطريق «الفيوم- بني سويف» و«الطريق الصحراوي القاهرة- أسيوط» وأيضا طريق «كوم أوشيم- أكتوبر» وطريق «الكريمات- الزعفرانة». وقد انتبهت قوات الأمن لهذه العوامل الجغرافية لاحقا، خاصة منذ منتصف 2016، إذ باشرت بعمليات تمشيط للأوكار المحتملة للإرهابيين خاصة في الظهير الصحراوي الغربي لجنوب الجيزة وغرب كل من الفيوم وبني سويف. وهو ما أدى الي مداهمة العديد من تلك  الأوكار وحرمان العناصر المتطرفة العنيفة من مواقعهم التي استغلوها للإختباء والتدريب لعدة سنوات، بالتالي انخفضت العمليات الإرهابية بالمحافظة بشكل ملحوظ.

الوسوم

رابحة سيف علام

• باحثة بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: