ثقافة

محمود حسن إسماعيل.. الشاعر المحاصر (1ـ3)

مع بدايات شهر يوليو المقبل تكون قد مرت مائة وتسع سنوات على ميلاد الشاعر الكبير الراحل محمود حسن إسماعيل، الذي يعد فحلًا من فحول الشعر والثقافة العربية. لكن رغم ما قدمه للمكتبة العربية من كنوز، إلا أن المدقق سيلاحظ حصارًا مريبًا من التجاهل قد ضُرب حول اسم هذا الشاعر الكبير وإنجازه.

أم كلثوم «بغداد يا قلعة الأسود» كلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل

كان الأستاذ محمود حسن إسماعيل بحق، هو عصامي الثقافة العربية، وقد تجاوز في ذلك عصامية الأستاذ العقاد، حتى حق لنا أن نستعير من العميد طه حسين قوله عن صديقه الكبير أحمد أمين: «هذا الرجل أمره كله كان مغالبة» ونضع هذا القول تاجًا على رأس شاعرنا الكبير، الذي كانت حياته كحياة أحمد أمين سلسلة متصلة من المعارك الملحمية، خاضها منذ ولد في الثاني من يوليو من العام 1910.

في ذكرى مئوية إسماعيل عام  2010 تبنت  صحيفة «الشروق» القاهرية الدعوة إلى إقامة احتفال عظيم يليق بالمناسبة ولكن لم يحتفل أحد، اللهم إلا كلية دار العلوم التي أقامت حفلًا بسيطًا، وقد أحسنت «الشروق» بنشرها مقتطفات من حديث قديم تحدث فيه الشاعر عن صباه، جاء فيه: «ولدت في الثاني من يوليو من العام 1910 بقرية النخيلة، بمحافظة أسيوط، وكان للنخيلة من اسمها نصيب إذ يكثر فيها النخيل والبساتين المطلة على حافة نهر النيل من الجانب الغربى، ولم أولد فى بيت علم ولم أواجه فى طفولتى مكتبة تشكل ثقافة مبكرة تعيننى على أى معرفة، وأول ما سمعت من اللغة العربية لغة القرآن، وقد حفظته فى سن التاسعة، وأول ما سمعت من الشعر الأنغام الجنائزية التى كان يتصايح لها المنشدون أمام النعوش».

كيف عرف إسماعيل الطريق إلى القراءة؟

يقول الباحث الكبير الدكتور محمد السيد الدغيم إن الشاعر قد قال: «عشت في قريتنا السنوات الأولى، ولم أكن في معظم الوقت مع أهلي في الكوخ بل كنت أعيش في الغيط على مشارف نهر النيل جنوب (أبوتيج) أشارك في العمل، أعزق الأرض، وأبذر الحب، أتابع البذرة منذ غرستها حتى الحصاد وتعلمت في الخُص ودرست فيه وتقدمت إلى امتحان شهادة البكالوريا من الخارج، وحصلت عليها ثم رحلت إلى القاهرة لأدخل دار العلوم، كنت أقرأ في الخُص الصحف وخاصة (البلاغ الأسبوعي) وكانت هذه الصحف تأتي إلى الباشا صاحب الضيعة المجاورة لحقلنا، وكان واحد يعمل عند الباشا اسمه فريد يذهب كل يوم إلى مكتب البريد لإحضار بريد الباشا وفيه الجرائد والمجلات، وكان فريد يمر بي فأتصفح بعض ما يحمل، وآخذ منه (البلاغ الأسبوعي) في يوم أو يومين قبل أن يصل الباشا، لم تكن لدي في الخص غير الكتب المدرسية، ولم أقرأ شعرا غير المحفوظات المقررة، ومن هذه المحفوظات بدأ رفضي لكل قول مكرر وتعبير زائف».

طفولة خشنة

الواقع الذي فرض نفسه على شاعرنا في طفولته وصباه وبدايات شبابه لم يكن يؤهله إلا لأن يكون كاتب أنفار في عزبة من عزب الإقطاعيين، لكن بعضهم يولد وبين جوانحه قلب أسد وعزم من حديد وطموح للرقي والتقدم، من أولئك البعض كان شاعرنا، الذي رأيناه في الفقرة السابقة يواصل تعليمه من «منازلهم» حتى يحصد البكالوريا، وهى الاسم القديم للثانوية العامة، وتلكم كانت في ذاك الزمان شهادة دونها الرقاب.

هبط شاعرنا إلى القاهرة في بدايات الثلاثينات، وكانت قاهرة زمانه عاصمة من عواصم الدنيا تموج بكل غريب وحديث، ويجثم احتلال بغيض فوق صدرها. تجاوز إسماعيل بطموحه كل العقبات والتحق بكلية دار العلوم، وفيها سيقابل حظه الحسن، حيث التقي بأستاذه العلامة الدكتور مهدي علام. وقد سجل لنا الأديب عباس خضر هذا اللقاء الاستثنائي فقال: «التقى إسماعيل بالدكتور مهدى علام، الذى أنقذه من الضياع، واكتشف فيه موهبة غير عادية، وطاقة شعرية استثنائية، فشجعه، وقدمه إلى رفاقه فى الكلية، وهذه كانت بداية محمود حسن إسماعيل الأولى، عندما كتب رسالة فى 20 مارس 1934 إلى أستاذه، وتركها على مكتبه، فماذا تقول الرسالة؟..

الأديب عباس خضر

«أستاذى المحترم مهدى علام، هذه وريقات تحمل قصيدة من أدب دار العلوم المطمور الذى يشق طريقه إلى العقول فى صمت عميق أخشى أن يفنيه الضجيج من دعاة الشعر والأدب فى هذا البلد، أبعثها لكم لعلها تظفر فى عضدكم الأدبى المشهود به ظفر الزهرة الصديانة فى لهب الضحى بنسيم رفاء، فامنحوها إذا رضيتم عطفكم خمس دقائق فى زمن المدرج».

لاحظ معي العربية الفصحى العذبة العالية التي يكتب بها طالب إلى أستاذه، ولعلني لا أكون مبالغًا إذا قلت إن لغة إسماعيل  في هذه الرسالة  كانت أعلى من لغة حامل دكتوراه في الأدب في أيامنا تلك.

الفردوس المهجور

يكمل خضر قصة اللقاء بين إسماعيل وعلام فيقول: «يتلقف الأستاذ الرسالة، ويقرأ القصيدة: (الفردوس المهجور)، ويعجب بها أشد الإعجاب، ويرى أنها لا تستحق مجرد خمس دقائق من زمن المدرج، بل تستأهل وقتا خاصا بها، وكان له أن أنشدها عقب المحاضرة.. ويقول مطلعها :

«تفجر فى صفحتيه الجمال

ورف على جانبيه الخلود

وطوق ريحانه فى الجنان

وفى كل منضورة بالوجود

يفتش عن روضة برَّة

يضىء الظلال الرطيب الرغيد»

بهذه الخطوة أصبح محمود حسن إسماعيل اسما معروفا، بل ومرموقا، فعند صدور ديوانه (أغاني الكوخ) بعد ذلك بشهور، جاء الأستاذ الدكتور مهدى علام، وحرك الأقلام الصديقة لإجراء دراسات تطبيقية على الديوان، وأقام حلقة دراسية سمّاها «حفل تكريم»، وتحدث فى هذا الحفل، مهدى علام، ثم زكى مبارك، وحافظ محمود، ومحمود البشبيشى، وسيد قطب، ومحمد برهام، ومحمود رمزى نظيم، إذن كتبت للديوان وللشاعر سطور تدفعه للأمام، وتضعه فى صدارة المشهد، وهو  ما أعطى للشاعر ثقة كبيرة».

كل هذه الاسماء اللامعة مدحت الشاعر الصغير. ويكفي اسم زكي  مبارك الذي كان معروفًا باسم الدكاترة زكي مبارك وذلك لحصوله على أكثر من شهادة دكتوراه، ويكفي اسم سيد قطب الذي كان من الطبقة الأولى من نقاد ذلك الزمان.

 جماعة أبوللو

وبعد هذا النجاح المدوي، أصبح إسماعيل عضوًا مؤثرًا في جماعة أبوللو الشعرية التي أسسها الشاعر الرائد أحمد زكي أبو شادي. ومن العضوية الفعالة ترقى إسماعيل ليصبح من منظري الجماعة وليخوض معاركها مع اسم ترتجف من ذكره القلوب، لقد ناطح العقاد شخصيًا.

كان العقاد قد كتب فى جريدة الجهاد مقالا هاجم فيه ديوان الشاعر إبراهيم ناجى، وكان الديوان هو (وراء الغمام) وتحامل عليه، وأنكر جوانبه الفنية، بل إن العقاد اتهم ناجى بأنه انتحل معانى بعض القصائد من الشاعر محمود سامى البارودى، فكتب محمود حسن إسماعيل مقالا فى عدد ديسمبر 1934 من مجلة أبوللو، وبعد تفنيده لاتهامات العقاد أنهى مقاله بفقرة قوية يقول فيها: «شاء العقاد أن يغض من شاعرية ناجى، فركز نفسه وشعره وسجل على الأدب عار الفساد فى نقده، وعلى الجمهور عار التغرير به… ولقد سقط مستوى النقد الأدبى فى مصر سقوطا فاحشا، هذا مثل واضح منه، فمن أراد أن يقف على شاعرية شاعر فلينحرف عن تلك الحملات المغرضة إلى حيث يسلم النقد من الدخل والفساد».

بعد انتهاء مرحلة التعليم الجامعي، عمل إسماعيل في مكتب العميد طه حسين ، وظل اسمه محاطًا بآيات التكريم والتبجيل حتى وقعت الواقعة. كانت الواقعة هى صدور ديوانه الذي يحمل عنوان «الملك» في العام 1946، والذي ضم قصائد في مديح الملك فاروق الأول.

الملك فاروق

كان الأمر في بدايته عاديًا أو قل طبيعيًا، وذلك لأسباب، منها أن فاروق في تلك الفترة كان لا يزال محبوبًا من قطاعات واسعة من الشعب، كما  كان هناك شعراء سبقوا إسماعيل في مديح فاروق، ثم إسماعيل نفسه كان شاعرًا عربيًا يؤمن بأن المديح غرض أصيل من أغراض الشعر فلا غبار عليه إن هو ضرب فيه بسهم.

 لكن خطورة الديوان ظهرت بعد ثورة يوليو، فقد شنت جماعة من المنافقين حملة مغرضة ضد إسماعيل بوصفه شاعر العهد البائد، فنالوا كثيرًا من مكانته العالية، لكن لحسن الحظ كان ثوار يوليو بقيادة جمال عبد الناصر أعقل من منافقيهم، فلم يجرّموا شعر إسماعيل ولم يضيقوا عليه، بل منحوه وظيفة ستكون هى الأعلى بين وظائفه، فقد أسندوا إليه رئاسة لجنة اختيار الأغنيات في الإذاعة وتلك كانت مهمة جليلة جدًا. وعندما قام عبد الناصر ومعه القائد السوفييتي الشهير خروتشوف بحضور حفل تحويل مجرى النيل أثناء بناء السد العالي، كان إسماعيل هو شاعر الحفل.

العامة سيعرفون شعر إسماعيل من خلال قصائده التي غناها أكابر المطربين. فقد غنت له أم كلثوم قصيدة «بغداد يا قلعة الأسود»، وغنى له عبد الوهاب قصيدته ذائعة الصيت «النهر الخالد» ويكفي مطلعها القائل:

مسافر زاده الخيال      والسحر والعطر والظلال

ظمآن والكأس في يديه      والحب والفن والجمال

شابت على أرضه الليالي      وضيعت عمرها الجبال»

محمد عبد الوهاب «النهر الخالد» كلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل

كما غنى له عبد الوهاب قصيدة «سماء الشرق»، كذلك  غنت له نجاح سلام وسعاد محمد وفايدة كامل ونازك.

طموح إسماعيل وأصالته جعلاه يلازم العلامة الجليل الأستاذ محمود شاكر ، ومن العجيب أن الرجلين على عظيم ما قدماه للأمة قد وقعا تحت الحصار المريب، فمن الآن يذكر محمود شاكر ؟..كانت الكاتبة عايدة الشريف تعد كتابها «قصة قلم» عن حياة شاكر وأدبه فسألت عنه إسماعيل فقال لها: «لا أستطيع تحديد أبعاد ما حزته من صداقتي لمحمود، لقد زج بي إلى الشعر الجاهلي، وأمالني مع الشعر الأموي، وطوح بي مع الشعر العباسي، فأحاطني بلحمة الشعر العربي وسداه جميعا، وأستطيع القول أن شعري قبل معرفتي بمحمود كان نبعا هادئا فجعله بحرا متلاطما».

Related image

الأستاذ محمود شاكر

لم يكن بين شاكر وإسماعيل سوى سنة واحدة فقط، فقد ولد شاكر في العام 1909، ومع هذا التقارب فى العمر كان إسماعيل ينظر إلى شاكر نظرة التلميذ للأستاذ، وكان شاكر يقول دائمًا: لقد تركت الشعر لإسماعيل.

فماذا صنع محمود حسن إسماعيل بتلك القمة التي تربع على عرشها؟…الأسبوع القادم نجيب بإذن الله.

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق