رؤى

فرج فودة الذي أغتيل بحدٍ أنكر وجوده شيخ الأزهر الحالي

 يبدو لى فرج فودة شبيها بالأبطال التراجيديين فى الدراما اليونانية، حين انتهت حياته الحافلة بصورة مأساوية على يد قاتل لايعرف القراءة والكتابة، بل فعل ذلك وأعد له بناء على فتاوى بتكفير فودة، فدائما ما يكون القتل بالكلمة سابقا وممهدا للقتل بالرصاص، لكن مايفرق بين فرج فودة وهؤلاء الأبطال التراجيديين أنه لم يكن يواجه قدرا إلهيا – على عادة الدراما اليونانية – بل قدرا – أو لنقل واقعا – مجتمعيا يتسم بالجمود والتخلف، واقعا أجمعت قواه – رغم مايبدو بينها من تناقض ظاهر – على معاداته ممثلة فى مؤسسات الدولة الدينية والحزب الحاكم فى الثمانينيات وما بعدها وأحزاب المعارضة وتيارات الإسلام السياسى حتى بدا كأنه «فرد» فى مواجهة الجميع، وكان على علم تام بالمصير الذى ينتظره والذى سعى إليه بكامل إرادته دون خوف أو تردد، فقد رفض حماية «الداخلية» له رغم رسائل التهديد الكثيرة التى كانت تصله ورغم فتاوى التكفير وحملات التشهير التى أصابته من جهات عديدة.

 ويبقى السؤال: لماذا وصل الأمر – مع فرج فودة – إلى حد القتل؟ حيث كان من المعتاد بالنسبة لأجيال التنويريين السابقة أن يُفصلوا من وظائفهم أو أن يُقدموا إلى المحاكمة أو أن يتم التضييق عليهم فى المعيشة كما حدث مع طه حسين وعلى عبد الرازق وخالد محمد خالد، أو أن يكون الأمر سجالا فكريا بين دعاة العلمانية ودعاة الدولة الإسلامية كما حدث مع زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا وسعيد العشماوى ونور فرحات وغيرهم.

دوافع الاغتيال

يظل فرج فودة حالة مختلفة عن أغلب نظرائه من دعاة العلمانية ورفض الدولة الدينية ويرجع ذلك إلى عدة اعتبارات منها تلك اللغة السهلة التى تميز بها و تخاطب عامة القراء من متوسطى التعليم والثقافة بابتعادها عن تعقيدات المصطلحات التى قد تُعجز بعض النخبة. فقد كان يعرف أن هدفه – فى الأساس – هو القارىء العام الذى ينبغى أن يتوسل إليه بأبسط الأساليب وأعمقها، ومن هنا كانت خطورته على دعاة الإسلام السياسى لأنه يستهدف نفس الفئة الاجتماعية التى يستهدفها هؤلاء الدعاة، ولا شك أن الوسيط الناقل لأفكاره – وهو الصحافة – قد لعب دورا كبيرا فى توظيف هذه اللغة الواضحة المباشرة التى كانت – أيضا – لغة حجاجية تقوم على الحجة العقلية فى مقابل العاطفة التى توظفها تيارات الإسلام السياسى والحجة الفقهية وهو – هنا – يناقش هذه التيارات على نفس أرضيتها الدينية والحجة التاريخية حين يقرأ – فى كتابه الهام «الحقيقة الغائبة» – تاريخ الراشدين والأمويين والعباسيين قراءة جديدة لا تقوم على التقديس أو الخوف من المناطق المحرمة.

فقد تصارع الراشدون لأنهم بشر وليسوا ملائكة وكان صراعهم سياسيا لا دينيا، فلا أحد يستطيع المزايدة على إيمان طرفى الصراع فى موقعة «الجمل» – على سبيل المثال – التى ضمت على بن أبى طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن عباس فى جانب والسيدة عائشة والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله فى جانب آخر، الأمر ليس أمر دين أو صحة عقيدة بل هى السياسة لعنها الله. ولم يكن مستغربا من فرج فودة – فى هذه الحالة – أن يطالب بإقامة حد القذف على شيخ الأزهر وقتها  جاد الحق على جاد الحق لاتهامه على الملأ بأنه مأجور دون أن يملك دليلا أو بينة، كما كانت اللغة الساخرة وتضمين الشعر الهجائى الموروث سلاحا فعالا فى مواجهة التيارات الدينية ففى تعليقه على إطلاق ثلاثة رؤساء أحزاب لحاهم خوفا وطمعا يستدعى قول ابن مفرع «ألا ليت اللحى كانت حشيشا / فنعلفها خيول المسلمينا» وهى لغة كاشفة تسمى الأشخاص بأسمائها دون كناية أو تورية ولهذا كان محقا حين وصف كتبه – فى مقدمة «حوار حول العلمانية» – بأنها «مزعجة تثير الكثيرين وتقيم الدنيا ولا تقعدها» رغم علمه بمآلات هذا كله حين يقول – وكأنه يتنبأ باغتياله – «لاأبالى إذا كنت فى جانب والجميع فى جانب آخر ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم» من أجل كل هذا وغيره اتخذوا قرار اغتياله.

شرعنة الاغتيال

لا تكمن المأساة – فحسب – فى اغتيال مفكر أعزل لايملك إلا كلمته بل فى شرعنة هذا الاغتيال تحت دعوى حد الردة لأن هذه الشرعنة تجعل الباب مفتوحا على مصراعيه للمزيد من شهداء الكلمة، وسأكتفى بالإشارة إلى ثلاث فتاوى أولاها كانت قبل اغتياله بأسبوع وهى منسوبة إلى الشيخ عبد الغفار عزيز عميد كلية الدعوة الإسلامية بالمنوفية حين أصدر بيانا باسم جبهة علماء الأزهر نشره فى جريدة «النور» أكد فيه ارتداد فرج فودة عن الإسلام ووجوب قتله، ثم أصدر كتابا بعنوان «من قتل فرج فودة» قال فيه «مافعله القتلة لم يكن بدافع قطع الطريق أو السرقة بالإكراه أو الثأر أو الاغتصاب وإنما بسبب الحمية والاستثارة والغيرة على الدين» والفتوى الثانية كانت للشيخ محمود مزروعة رئيس قسم العقائد والأديان بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر حين شهد – فى محاكمة القتلة – بكفر فرج فودة وجواز تنفيذ حد الردة عليه لآحاد الناس طالما لم تنفذه السلطة الحاكمة ثم تأتى فتوى الشيخ محمد الغزالى «بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها وإن كان هذا افتئاتا على حق السلطة ولكن ليس عليه عقوبة» نحن إذن أمام جماعات تفتش فى الصدور وتقوم بدور القضاء والشرطة والسلطة التنفيذية الأمر الذى يجعلنا نقول إن فتوى د.أحمد الطيب شيخ الأزهر فى مارس 2016 تحت قبة البرلمان الألمانى «أنه لا يوجد حد ردة فى الإسلام» تعني وجود خلاف حاد بين علماء الدين بخصوص فتوى علي هذه الدرجة من الخطورة.

مفهوم العلمانية المصرية

صفة «المصرية» فى هذا العنوان ليست مجانية بل توصيفا لما أكده فودة كثيرا فهو يرى أن هناك أنواعا من العلمانية لا نوعا واحدا، فلكل دولة تتبنى هذا النهج تجربتها الخاصة فى تحديد العلاقة بين الدين والدولة، فعلمانية فرنسا تقوم على الفصل الكامل بينهما، أما فى انجلترا فإن رأس الدولة – ممثلا فى الملك – هو نفسه رأس الكنيسة لكن مايعنينا هنا هو رؤية الدولة المصرية لهذه العلاقة فهى تفصل فحسب بين الدين والسياسة وليس الدولة أو المجتمع فهذا أمر مستحيل باعتبار الدين مكونا رئيسيا من مكونات الشخصية المصرية، وعليه فإن من الطبيعى أن ترعى مصر «المؤسسات الدينية وتختار قياداتها وتحتفل بالأعياد والمناسبات الدينية، وللدين مساحة واضحة فى الإعلام والتعليم لكن كل ذلك فى إطارمحدود ومحدد لا يخرج بمصر عن العلمانية ولايدخلها فى إطار الدولة الدينية» وبهذا الفهم فليس من الطبيعى تقديم العلمانية بوصفها كفرا أو بدعة غربية أو نقيضا للإسلام، الدين الذى لايختلف عليه أحد، وهذا ما أكده فرج فودة فى الدقائق الأولى فى مناظرته الشهيرة بمعرض الكتاب عام 1992 فى مواجهة الغزالى والدكتور محمد عمارة والمستشار مأمون الهضيبى حين قال «لا أحد يختلف على الإسلام الدين ولكن هذه المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة رؤية واجتهاد وفقه، الإسلام الدين فى أعلى عليين أما الدولة فهى كيان سياسى وكيان اقتصادى واجتماعى يلزمه برنامج تفصيلى يحدد أسلوب الحكم» ويصل فودة إلى نقطة فى غاية الأهمية وهى أنه لا ينبغى أن نصف «التطرف» بانه دينى وينكر تبنى الدولة لهذه الرؤية حيث ترتب على ذلك دخولها فى حوار دينى مع هذه الاتجاهات المتطرفة رفع فيه كل طرف شعار «نحن أصح إسلاما» إشكالية هذه الجماعات أنها تقدم طرحا دينيا لقضية سياسية وبالتالى لايمكن مواجهتها – حقيقة – إلا بنزع هذا الغطاء الدينى لتصبح المواجهة سياسية بحتة.

الفصل بين الدين والسياسة

يرى فرج فودة أن السياسة شأن دنيوى واجتهاد بشرى من الطبيعى تطويره وتغييره بناء على مايستحدث من أمور، بينما قواعد الدين ثابتة عامة، ولحل هذه الإشكالية بين الثابت والمتغير «كان الأمر ينتهى دائما بتغيير الثوابت الدينية وقد حدث هذا دائما منذ بدء الخلافة الراشدة» ولاينبغى أن نفزع من كلمة «تغيير» الثوابت أو تعطيل «العمل» بها إذا اقتضت الضرورة ذلك فقد فعلها عمر بن الخطاب فى سهم المؤلفة قلوبهم وفى حد السرقة فى عام الرمادة. وعلى عادته فى التعبيرات الحاسمة يقول فرج فودة «إن فصل الدين عن السياسة وأمور الحكم إنما يحقق صالح الدين وصالح السياسة معا على عكس ما يصور لنا أنصار عدم الفصل بينهما» ويرى أن جميع القوانين الوضعية التى تقوم عليها الدولة المصرية المدنية لا تتعارض مع مبادىء الشريعة الإسلامية وأن العلمانية تقوم على تحقيق: المواطنة والمصلحة العامة وتطبيق القانون واحترام الدستور وهى أمور لا تتناقض – بداهة – مع غايات الإسلام.

إن الحالمين بالدولة الدينية أو بالخلافة ينتظرون حاكما تجتمع فيه أفضل صفات عمر وأبى بكر وعثمان وعلى وهو أمر – ناهيك عن استحالته – لايعول عليه لأننا – عمليا – فى حاجة إلى «الضوابط التى تحاسب الحاكم إن أخطأ وتمنعه إن تجاوز وتعزله إن خرج على صالح الجماعة»، وهى أمور لا تضمنها إلا دولة مدنية ديمقراطية حديثة قدم فرج فودة روحه فى سبيل الدفاع عنها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق