منوعات

شيخ الكتابة العربية إبراهيم المويلحي.. وأسرار بلاط السلطان عبد الحميد

وصفه الأديب جورجي زيدان صاحب مجلة الهلال بأنه «نابغة الإنشاء الصحفي»، ولم يبالغ عندما وضعه في الطبقة الأولى من كُتاب السياسة، فكتاباته الأدبية «امتازت بالرشاقة والمتانة، وأسلوبه يميل إلى النقد والمداعبة»، أما الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي فخلع عليه لقب «شيخ الكتابة العربية في عصره»، فهو الذي علم الكُتّاب كيف يرتقون بلغتهم إلى المنزلة التي وصلت إليها.

إنه إبراهيم المويلحي، الذي استحق وعن جدارة أن يوصف بأنه من نوابغ عصر النهضة الثقافية، فأسلوبه الأدبي الرشيق أحدث نقلة في الكتابة العربية، فوضعه المؤرخون والنقاد ضمن كوكبة رواد التنوير في عصره، والتي ضمت جمال الدين الأفغاني، الشيخ محمد عبده، ناصف اليازجي، بطرس البستاني، أحمد فارس الشدياق، أديب إسحق، وعبد الله النديم، وغيرهم من فرسان القلم الذين غيّروا الملامح الحضارية للمنطقة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

«ما هنالك»

ويُعد كتاب «ما هنالك» الذي أصدره المويلحي عام 1896، درة تاج انتاجه الفكري والسياسي أيضا، وتعود أهمية الكتاب إلى أن مؤلفه رصد فيه إرهاصات سقوط الخلافة العثمانية التي عاش في بلاطها سنوات مقربا من السلطان عبد الحميد الثاني وحاشيته في سراي يلدز.

لم يشفع للمويلحي (1843-1906) تأييده للسلطان العثماني أو دعمه للخلافة العثمانية، فعندما نقل «المكتوبجية» أو «كُتاب التقارير» والجواسيس إلى السلطان عبد الحميد الثاني أن المويلحي ينتقد حكمه في كتابه، طلب السلطان من المويلحي أن يجمع نسخه ويرسلها إليه في مقر الحكم، ولما وصلت نسخ «ما هنالك» إلى الآستانة أمر عبد الحميد بحرقها جميعا.

كانت بعض نسخ الكتاب قد تسللت إلى أصدقاء المويلحي وأقاربه، وبلغ عدد النسخ التي لم تحرق 12 نسخة، لكنها ظلت مختفية في خزائن أصحابها، وبعد ما يقرب من قرن تمكن الباحث أحمد حسين الطماوي من الوصول إلى نسخة من هذا  الكتاب، فحققها وكتب لها مقدمة ودراسة تاريخية وأعدها للنشر، وصدرت عام 1985 بمقدمة للناقد الراحل الدكتور علي شلش عن المركز العربي للنشر بعنوان «ما هنالك.. من أسرار بلاط السلطان عبد الحميد»، ثم أعادت مكتبة جزيرة الورد نشر طبعة جديدة من الكتاب عام 2013.

أحمد حسين الطماوي

روايات من قصر «يلدز»

وبحسب مقدمة الكتاب، الذي اعتبره النقاد شهادة تاريخية، فإن المويلحي يقدم فيه حكايات وروايات مما كان يجري في بلاط سراي يلدز، ودور الحاشية والجواسيس في إسقاط حكم السلطان عبد الحميد ،والذي كان مقدمة لسقوط الخلافة. وتعود أهمية هذا الكتاب إلى أنه أماط اللثام عن أحداث سياسية بارزة كان لها بالغ التأثير على مصر في تلك المرحلة، منها عزل الخديوي إسماعيل، ودور السلطان عبد الحميد في تشويه موقف الزعيم أحمد عرابي بعد أن أصدر فرمانا بعصيانه،  وصولا إلى احتلال بريطانيا لمصر.

ويرى المؤلف أن السلطان عبد الحميد الثاني كان يحكم على طريقة سلاطين القرون الوسطى، فكل شيء كان في يده، وكل عمل كان يتم بأمره، من دون النظر إلى التطورات التي مرت بها نظم الحكم في العالم الحديث، أو الأخذ في الاعتبار ميول الشعب، «فهو في موقع السيادة، وأي شخص آخر يعارضه في مهب الريح؛ لذلك كانت دولته تنطوي على أسباب انحلالها واضمحلالها».

ويقول الطماوي في مقدمة «ما هنالك»: «إن موضوع الكتاب لا يتناول سيرة السلطان وفقاً لمنهج السيرة المعروف، وإنما قدم عنه صوراً جزئية، تكوّن في مجموعها صورة عامة تترك انطباعا في ذهن القارئ، وفي هذه الصور يحاول المويلحي التغلغل في عوالم نفسِ السلطان، لاستبطان ما استترَ فيها، وإنارة مساربها لاستشفافها، وتبيُّن دخائلها، والبحث في مكنوناتها، ولا أعني أن الكتاب صور نفسية محضة، وإنما هو إلى جانب ذلك صور تاريخية واجتماعية، وأخرى إنسانية، وأخلاقية لأتباع السلطان من دساسين، وجواسيس، وفضوليين، ومتملقين، ووصوليين، مع إظهار خفاياهم، وإبراز أغراضهم، وكل هذا أسهم بقدر وافر في إيضاح شخصية السلطان».

وأشار الطماوي إلى أن المويلحي كان مولعا بجمع الحكايات الغريبة، والأسرار الخفية؛ لإقامة الحجة على فساد رجال البلاط، وانزعاج السلطان لأتفه الأسباب، خوفاً على حياته، «ونعجب من كثرة ما جمعه، واستشهد به، وكأنه جاسوس على السلطان وحاشيته، أو كأن له عيوناً ترقب وتبلغه».

جواسيس السلطان

ومن القصص العجيبة التي أوردها المويلحي عن تسليم عبد الحميد بما ينقله له جواسيسه، أن قائدا عسكريا برتبة فريق، حضر مزاداً على تركة ليشتري منها ما يعجبه، فأعجبه جملة من الكراسي الفخمة، فاشترى منها خمسة وثلاثين كرسياً، فكتب أحد الجواسيس تقريرا بأن الفريق فلان حضر إلى المزاد الفلاني واشترى منه تلك الكراسي، وهو ما يعني أنه يدير تنظيما سريا يحضره هذا العدد من معارضي السلطان، فصدر الأمر بعزل الفريق من الجيش رغم كفاءته العسكرية.

وقدم المويلحي العديد من الوقائع المشابهة حول تقارير جواسيس عبد الحميد، فذكر أن عارف باشا ناظر المعارف الشهير عُزل من منصبه لأنه ألف كتابا تحدث فيه عن حشرة الحباحب التي يضيء ذيلها في الليل كالنجم واسمها «يلديز» أي النجم، إلا أن كتبة التقارير من الجواسيس أوعزوا إلى السلطان إلى أن عارف يتهكم على مقر الحكم قصر «يلدز» بحديثه عن تلك الحشرة .

وينقل المويلحي في كتابه أنه نتيجة لإلغاء السلطان عبد الحميد مجلس النواب، أو «المبعوثان» الذي منحه للأمة، بعد توليه السلطنة عام 1876، فقد عطَّل السلطة التشريعية، واستمر في حكم الدولة بقوانين العصور الوسطى التي كانت تلائم الماضي.

مآلات الاستبداد

ويشير الطماوي محقق الكتاب إلى أن المويلحي خلص في كتابه إلى أن الاستبداد وسيطرة الهواجس الأمنية على الحاكم وتسليمه بما ينقله إليه جواسيسه ومنافقوه ،كل هذا أدى إلى سقوط وزوال حكم السلطان عبد الحميد. ويشرح قائلا: «كان حال الدولة العثمانية سيئا، فالأزمات تتفجر تباعا من الداخل نتيجة الغضب المتصاعد من قرارت السلطان وحاشية السوء، وتحاصرها الأطماع الأوروبية من الخارج، بينما عبد الحميد منشغل بالحفاظ على حكمه في المقام الأول، فقد كان خائفاً من أن يعزل أو يقتل كما حدث مع من سبقوه في السلطنة.

ونتيجة للأحوال التي مرت بها السلطنة، خرج فريق يطالب بالإصلاح من أعضاء جماعة «الإتحاد والترقي»، بقيادة مدحت باشا، ولما شعر الأخير أن السلطان سوف يغدر به فر إلى فرنسا مع بعض أنصاره، فأراد السلطان استعادتهم ليحاكمهم، لكنه فشل، فوصل به الأمر إلى أنه عرض على فرنسا أن تسلم له مدحت باشا في مقابل أن يطلق يدها في تونس، فكان له ما أراد، تسلم مدحت باشا وأرسله إلى سجن الطائف الرهيب بالجزيرة العربية وقتل هناك، وتمكنت فرنسا من احتلال تونس الخضراء.

مدحت باشا

وينقل المويلحي مشهداً آخر ليدلل على هواجس السلطان الذي يتحسب للسقوط، ويقول إن عبد الحميد كان يخرج لأداء صلاة الجمعة في حراسة عشرة آلاف رجل من الأشداء، يرقبون الطريق قبل خروجه بساعتين، ويقفون على أبواب المسجد ونوافذه وفوق سطحه يفتشون من يدخل للصلاة تفتيشاً دقيقاً، وهؤلاء لا يؤدون الصلاة وعليهم فقط تأمين خروج السلطان إلى المسجد وعودته بعد انتهاء الصلاة.

ويبدي المويلحي دهشته من أن شيخ الإسلام في الأستانة رأى هذا كله ولم ينتقده، بل كان يشارك في الموكب، مذكرا بما كان عليه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، حيث لا موكب ولا حراسة.

ويرصد كتاب المويلحي «ما هنالك.. أسرار من بلاط السلطان عبد الحميد»، الذي اختفى لنحو مائة عام، معطيات سقوط – ليس حكم السلطان عبد الحميد فقط- بل انهيار الخلافة العثمانية، جمع فيه المؤلف شهادات ومواقف عاصر بعضها بحكم قربه من البلاط ونُقل إليه البعض الآخر.

تاجر الحرير نديم الخديوي

تعود أصول المويلحي إلى عائلة ميسورة نزحت إلى مصر من الجزيرة العربية، وعملت في تجارة الحرير، الذى كانوا يجلبونه من منطقة «المويلح» على حدود الساحل الآسيوي للبحر الأحمر، واختاره والده للقيام بأعمال الأسرة التجارية، فتفرغ لها، إلا أنه كان شغوفا بالقراءة، وحاول بكل جهده التعلم ووجد ضالَته لدى معلم يسكن بالقرب من مصنع الأسرة، حيث كلفه والده بتعلم تجارة الحرير وصناعته.

توفى والد إبراهيم عام 1856 وتعثرت تجارتهم بعد رحيل الوالد بسبب المضاربة في البورصة، ونظراً للعلاقة الطيبة بين أسرة الخديوي إسماعيل وآل المويلحي، أصدر الخديوي قراراً بتعيين المويلحي عضواً في مجلس الاستئناف براتب شهري أربعين جنيهاً مصرياً. كما عينه رئيساً للمكتب العربي للمالية.

على أن مسؤوليات المويلحى الرسمية لم تشغله عن عشقه للأدب والكتابة، ومع الوقت توطدت علاقته برجال الفكر والثقافة والسياسة، وتعرف على جمال الدين الأفغاني وصار من رواد حلقته في قهوة متاتيا وتعرف فيها على الشيخ محمد عبده والهلباوي والنديم وسليم النقاش وأديب إسحق.

متاتيا

أسس بالاشتراك مع عارف باشا ناظر المالية «جمعية المعارف» التي كان هدفها نشر الأعمال الكلاسيكية خاصة الأجنبية، وانضم إليهما الكاتب والأديب محمد عثمان جلال وترجما معاً عام 1870 كتاباً عن الإيطالية في المسرح بعنوان «ألعاب التياترات»، كما تعاونا في تأسيس دار نشر خاصة واسماها «مويلحي»، ثم أصدرا معا جريدة «نزهة الأفكار» عام 1870.

محمد عثمان جلال

وتقول الدكتورة ماري كلار بولحبال أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في معهد العلوم السياسية بباريس في كتابها «بين الصحافة والأدب.. النهضة عند إبراهيم المويلحي ومعاصريه»، إن الخديوي إسماعيل اختار المويلحي من دون غيره ليصحبه خلال فترة المنفى إلى أوربا بعد أن عزلته السلطة العثمانية عام 1879، وسافر المويلحي مع الخديوي بصفته كاتم أسراره إلى إيطاليا.

وتضيف بولحبال في الكتاب الذي ترجمته سونيا نجا أن المويلحي أصدر جريدة من نابولي عام 1879 واسمها «الخلافة»، و«هو عنوان شديد الدلالة يوضح تأييد المويلحي للقضية الخديوية». ولاحقا أسس المويلحي جريدة «الاتحاد» عام 1880 في باريس التي استقر فيها بصحبة الخديوي حتى عام 1884 وصدر منها ثلاثة أعداد ثم طرد المويلحي من فرنسا إلى بلجيكا عقب صدور العدد الرابع عام 1884. ثم لحق برفيقيه الأفغاني ومحمد عبده في لندن، وكان قد تعاون معهما في تحرير ونشر مجلتهما الشهيرة «العروة الوثقى» وظل في لندن لمدة عام واحد.

Related image

وبعد تلك الجولة في العواصم الأوربية، أرسل المويلحي عام 1885 خطاباً للسلطان العثماني شرح فيه كيف كان في خدمة الخديوي إسماعيل. فدعاه السلطان للمجيء إلى اسطنبول وعينه عضواً في مجلس التعليم العثماني العام. وامتدت إقامته في اسطنبول عشر سنوات راقب خلالها الحياة في قصر يلدز وكتب لصحيفة «الحقائق».

مصباح الشرق

وبحسب ما أورده الكاتب والمؤرخ الراحل صلاح عيسى في كتابه «هوامش المقريزي.. حكايات من مصر»، فإن المويلحي اكتسب خلال هذه السنوات رؤية أكثر مصرية من كُتاب زمنه وصحفييه.. وهو ما جعله أكثر انفتاحا على الفكر الليبرالي وأكثر تقبلا للاتجاهات الجديدة.

وعندما أصدر المويلحي مجلته «مصباح الشرق» جعلها منبرا من منابر الهجوم والسخرية على سلوك الشرائح العليا في المجتمع، وخاصة كبار ملاك الأراضي الذين يجمعون الأموال فلا يستخدمونها في صناعة ولا ينمون بها تجارة بل يصرفونها على شهواتهم البدائية وعلى المظاهر الفارغة مما كان له أثره الضار في بقاء الاقتصاد المصري في قبضة الاحتكارات الأوربية.

ويروي عيسى ما جرته سخرية «مصباح الشرق» على المويلحي وولده محمد الذي عهد إليه برئاسة تحرير المجلة ويقول: كان ما ينشر في المجلة يستفز غضب الذين يسخر منهم وكان محمد المويلحي صاحب قلم ساخر وشديد القسوة في سخريته، وقد استثار تعريضه المستمر بالأسر الكبيرة كراهية بعض أفرادها، مما جعلهم يخططون للتحرش به والعدوان عليه.

وحدث أن التقى محمد المويلحي بـ محمد نشأت أحد أبناء تلك الأسر في حانة «دركوس» فثارت بينهما مناقشة حادة حول ما كتبه المويلحي الصغير وانتهت المناقشة بأن رفع محمد نشأت ذراعه وصفع المويلحي صفعة شديدة على قفاه وعندما ذاعت أنباء تلك اللطمة في الأوساط الأدبية في مصر، أثلجت صدور الكثيرين من الأدباء والشعراء ممكن كانوا يكرهون المويلحي، ولا تنقطع بينهم وبينه الملاحاة .

وأفردت صحيفة «المؤيد» لصاحبها الشيخ علي يوسف بابا يوميا سمته «عام الكف» كان يتضمن هجاء منتظما للمويلحي، يتبادله كثيرون من أعدائه ومنهم  أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كتب قصيدة في مطلعها: خدعوه بقولهم فيلسوف.. حتى رنت على قفاه الكفوف.

Related image

وبعد تلك الواقعة بفترة وجيزة وقع الشيخ علي يوسف في مطب قصة زواجه الشهيرة، والتي انتهت بتطليقه من زوجته ابنة نقيب الأشراف السيد علي السادات، إنفاذا لحكم قضائي باعتباره «غير كفء لها»، فرد المويلحي على تشهير «المؤيد» به وحرر باباً يومياً في صحيفته «مصباح الشرق» جعل عنوانه «عامل كفء».

كان المويلحي الأب من أوائل المصريين الذين اهتموا بكتابة الدستور المصري خلال الفترة من 1871 حتى 1879، وظل حتى نهاية حياته متسقاً مع نفسه ومع أسلوبه ومبادئه وأفكاره، وكان جل اهتمامه محاولة إيجاد قاسم مشترك بين الشرق والغرب.

طالب المويلحي في كتاباته بتطوير التربية والتعليم للحاق بركب الأمم المتحضرة، ووجه اللوم إلى الأزهر لإصراره على عدم مسايرة الزمن واستبعاده العلوم الحديثة بل والأدب تحت ذريعة تهديد مكانة الأمة والفقه في حال تدريس هذه العلوم.

شدد المويلحي على ضرورة أن تحتل اللغة العربية مكانتها اللائقة في أوطانها، وكتب في مقال له بـ«مصباح الشرق»: ما قولكم في بلد لا لغة له ولا لسان يلزم فيها كل مواطن صحبة ترجمان، داعيا إلى تطوير اللغة العربية وتجديدها أسوة بما كتبه شكيب أرسلان من أن ضعف اللغة العربية هو أحد الأسباب التي أسهمت في إضعاف الدول العربية وتدهورها.

رحل المويلحي الكبير عن الدنيا في عام 1906، تاركا لولده محمد رئاسة تحرير «مصباح الشرق»، وتركة من كنوز الأدب العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق