منوعات

«مُلاك مصر»(4).. حكاية البترول.. وعلى من تسقط ثمار النمو الاقتصادي

في هذه الحلقة الأخيرة من قراءتنا لكتاب «مُلاك مصر» نصل للقسم الثالث والأخير من هذا الكتاب والذي حمل عنوان «الريع والكازينو». يركز هذا القسم القسم بفصليه السادس والسابع على الصراع بين الدولة والشركات الكبرى للسيطرة على موارد النفط، والنمو الاقتصادي الذي لا يستفيد منه أغلب المواطنين، وكيف ساعدت الاستثمارات الجديدة وألاعيب تهريب الأموال على خلق نخبة اقتصادية استفادت ولا تزال من ذلك النمو.

البترول حلم أم كابوس؟

يحاول عبد الحميد مكاوي في الفصل السادس تحت عنوان «اليد العليا.. قصة الاقتصاد السياسي للبترول في مصر»سرد قصة تطور علاقة الدولة مع الاكتشافات النفطية والصراع بين الرغبة في السيطرة على الاكتشافات أو الرضوخ للشركات الأجنبية القادرة على تحمل تكاليف تلك الاكتشافات، دون أن يغفل المرور على فكرة دعم الطاقة ولمن تذهب.  ويشير إلى الخطاب السائد من الدولة حول المستفيد من ذلك الدعم، والخلط المتعمد بين الفئات المستفيدة من دعم البنزين والسولار والبوتاجاز على سبيل المثال والدعم الموجه للصناعات الثقيلة.

عبد الحميد مكاوي

ويقول مكاوى: «تنفيذا لركن أساسي من أركان برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تطبقه الحكومة المصرية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، أعلنت وزارة المالية في مارس 2018، عن خطة لطرح بعض حصص 23 شركة من الشركات المملوكة للدولة للبيع، من بينها خمس شركات من قطاع البترول، هى: الشركة الهندسية للصناعات البترولية والكيماويات «انبي»، وشركة الحفر المصرية، وشركة الشرق الأوسط لتكرير البترول «ميدور»، وشركة أسيوط لتكرير البترول، وشركة الإسكندرية للزيوت المعدنية «أموك».

اقرأ أيضا:

«مُلاك مصر».. كيف بدأ الكمباوند «1»

 ويرى مكاوي أن تلك الخطوةذ هى مؤشر على تحول مهم لنظرة الدولة لهذا القطاع في الوقت الحالي، «كان هذا القطاع في أحيان كثيرة حلما ماديا تطمح الدولة إلى تحقيقه، وفي أحيان أخرى، كابوسا اقتصاديا تريد إزاحة عبئه الثقيل عنها».

 ويضيف أن علاقة الدولة بقطاع البترول انقسمت منذ الاكتشافات الأولى للنفط في مصر إلى ثلاث مراحل:

 الأولى كانت الدولة فيها بعيدة تماما عن القطاع الذي سيطرت عليه الشركات الانجليزية، والمرحلة الثانية بدأت منذ محاولات التمصير الأولى منذ عام 1948، مرورا بالسيطرة شبه التامة لدولة يوليو بعد قرارات التأميم وتنتهي تلك المرحلة عام 70 والتوجهات الجديدة لدولة السادات المستمرة حتى الآن بخروج الدولة رويدا من إدارة ذلك القطاع بشكل أو بآخر.

 ويرصد مكاوي هذا التطور سواء عبر القوانين المتغيرة والمتناقضة التي أقرتها الدولة والخاصة بذلك القطاع مختتما الفصل بالنتيجة الأأبرز حول إخفاق الدولة على مر العقود في أن تصبح ملمة أو مسيطرة على التكنولوجيا الخاصة بعمليات الاستكشاف، والتى كان من الممكن أن تساهم مع عوامل أخرى في تغيير خارطة  الطريق الاقتصادي الذي تسير فيه البلاد حاليا.

Chemical factory

نمو لا تسقط ثماره على الفقراء

في الفصل الأخير من الكتاب وتحت عنوان «عن النمو الذي لا تسقط ثماره.. القطاع المالي كآلية لتركز الثروة» يركز الباحث أسامة دياب، على القطاعات المالية المرتبطة بالبورصة و الأوراق المالية، باعتبارها هي والعاملين بها قاطرة التحول النيوليبراليؤءءء وأبرز المستفيدين منه.

أسامة دياب

اقرأ أيضا:

«مُلاك مصر» (2).. صناعة الرغبة وثقافة الاستهلاك

يفترض هذا الفصل، أن هناك أربع وسائل لتساقط ثمار النمو وهي: «الأجور، والضرائب، وإعادة الاستثمار، والإنفاق»، ويعتبر الكاتب تلك القطاعات نمطا من أنماط «التراكم عبر الانتزاع»، ويمكن تفسير هذا المصطلح على أنه بعكس التراكم الرأسمالي، فهو غير قائم على فائض القيمة الناتج من تشغيل العمال وبيع المنتجات في الأسواق، ورغم ذلك فالنمطان هما أداة النخبة الجديدة خلال عمليات التحول العنيف للنيوليبرالية. المهم هنا أن الكاتب يرى أن ثمار نمو هذا  النمط «التراكم عبر الانتزاع»، لا تستفيد منها القاعدة الأوسع من المواطنين، لأنه لا يرتبط بالأجور والتشغيل، وفي مصر لا يخضع هذا الشكل لأي ضريبة على الأرباح الرأسمالية، كما يسهل خروج تلك الأرباح للخارج أو نقلها لملاذات ضريبية أمنة.
 ويبدو الحديث في هذا الفصل أكثر تعقيدا للقارئ غير المتخصص ،ربما لصعوبة فهم آلية عمل ذلك القطاع من الأصل، فكم مرة استخدمت معلومات مثل ارتفاع مؤشرات البورصة أو انخفاضها في تضليل المواطنين سواء بتعافي الاقتصاد في بعض الأحيان أو انهياره وبث الذعر في أوقات أخرى.
 ولابد من الإشارة هنا أن تأسيس البورصة المصرية عام 1992، تزامن مع البدء في برنامج الخصخصة نتيجة لبرنامج «الاصلاح الاقتصادي» بالاتفاق مع صندوق النقد عام 1991. وحتى عام 2001 تمت خصخصة 130 شركة بالكامل. ودون الخوض في تفاصيل موجات الخصخصة، يشير الكاتب إلى أنه في الأعوام الثلاثة 2006، و2007، و2008، بلغ معدل النمو 7% في السنة، وبين 2006 وعام 2010، نما الاقتصاد بنسبة تراكمية 35%، إلا أن معدلات الفقر ارتفعت بين عامي 2000 و2009، إلى 21.6% بدلا من 16.7%.

أما شركات السمسرة المالية فقد ارتفعت أرباحها في تلك الفترة من 9 ملايين جنيه عام 2000، إلى نحو 450 مليون جنيه عام 2009.

 ويشير الكاتب في فقرات كثيرة من هذا الفصل إلى المنتفعين من ذلك النمو، وهم أفراد  الطبقة الأغنى القادرة على هذا الشكل من الاستثمار، بمعنى «أن جزءا كبيرا من رأس المال المستثمر في هذا المجال، يذهب إلي غير الطبقات العاملة، وهو من أسباب تراجع نسبة الأجور من الناتج الإجمالي المحلي، كما يعني انسداد واحدة من أهم قنوات تساقط ثمار النمو».

 ويلفت الكاتب النظر إلى أن الوسيلة الأخرى لتساقط ثمار النمو على الشريحة الأكبر من المواطنين هي السياسات الضريبية، لكن قطاع السمسرة والمضاربة، من أكثر الأنشطة المعفاة من الضرائب، كما أن بنوك الاستثمار «لديها القدرة على تجنب الضرائب».

اقرأ أيضا:

«مُلاك مصر».. البيع والخصخصة بعد الانفتاح الاقتصادي(3)

في ختام الفصل يقدم الكاتب دراسة حالة لخصخصة «البنك الوطني المصري»، وكيف استفاد جمال مبارك وفريقه من خلال التلاعب بالأسهم، كدليل على الطريقة التي برز بها هذا القطاع ومدى الاستفادة التي تصب في صالح تلك النخبة الجديدة، التي وإن كانت قد فقدت بعض السلطات السياسية في 2011، إلا أنها – بشكل أو بآخر- لا تزال جزءا من الواقع الاقتصادي وأزماته.

Image result for ‫جمال مبارك‬‎
في الختام نقول أن كتاب «ملاك مصر» بما أثاره من أفكار وما يحمله من آراء قد يختلف معها الكثيرون، يمكن أن يمهد الطريق لفتح نقاش أوسع حول قضايا الاقتصاد في مصر، ومآل أرقام نموه، والطريقة التي يدار بها، والتي يراد أن تعتبر المسار الحتمي بلا بديل أكثر إفادة لقاعدة أوسع من المواطنين على المدى المتوسط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق